بدأت الإعلانات التجارية والانتخابية بسيطة في سوريا شأنها شأن العديد من الأقطار العربية، وكانت العملية تتم عن طريق صور مطبوعة أو يافطات قماشية تعلن لهذا المطرب أو تلك الراقصة أو تلك المسرحية، وكان الأمر يقتصر على الساحات العامة، ومفارق الطرق.
وعقد المواصلات الحيوية، حتى الإعلانات في الصحف لم تصل إلى المستوى الذي وصلته في دول أخرى، على اعتبار أن الصحيفة كما تفهمها النظرية الاشتراكية في الإعلام؛ هي للدعاية السياسية والتحريض والتنظيم، وحتى الإعلانات التجارية كانت تخص إنتاج القطاع العام فقط.ولكن طفرة التسعينات الاقتصادية والفكرية والثقافية التي مرت بها سوريا، جعلت سوق الإعلانات تتجه اتجاهاً آخر باعتبارها: قوة اقتصادية لا يستهان بها تدر مليارات الليرات السورية، وسطوة معنوية كبرى جعلت القائمين عليها أشبه بما يسمى «المتلاعبون بالعقول».
وهكذا منحت الحكومة السورية ترخيصاً لعدد من الشركات احتكرت اللوحات الإعلانية الكبيرة والصغيرة في كافة أنحاء سوريا، منها لوحات «الفليكس» العملاقة التي تغطي بناء كاملاً، ومنها اللوحات التي لا تزيد على متر مربع واحد، وفي كل مكان. في منصفات الطرق وعلى اليمين واليسار، في الساحات العامة والدوارات وحتى أقصى الأماكن النائية، ولكل مساحة ومكان سعر معين.
لقد ولت منذ سنوات فوضى الإعلانات والتي كان يسميها المثقفون السوريون « التلوث البصري» وطالما احتجوا عليها باعتبارها تساهم في تخريب الذائقة الفنية للأجيال الصاعدة، التي لم تعد تميز القيم الجمالية كما يجب، غير أن تلوثاً بصرياً جديداً بات يهدد، ليس الأجيال الجديدة فقط، بل وجميع المواطنين كبارهم قبل صغارهم.
رحلة يومية
ما إن يخرج المواطن السوري القاطن في دمشق أو حلب أو غيرها من المدن السورية في باقي المحافظات، حتى يستقبله إعلان، هو على الغالب حول أحد المنظفات، ولا يكاد يتركه حتى يسلمه إلى إعلان آخر عند المنعطف الذي يقوده إلى الشارع العام.
وفي الطريق إلى موقف الحافلات، تنظر إليه إعلانات عديدة تطل عليه باستهزاء إلى أن يصل إلى موقف الباص الذي تحول بدوره إلى ثلاث لوحات إعلانية وعلى الوجهين لثلاث سلع مختلفة، سيختار بينها إن استطاع الاختيار!، أحدها عن البن البرازيلي، والآخر عن إحدى أنواع المدافئ، والثالث عن ملمع للأحذية.
وعندما تأتي الحافلة، يجد أنها تحولت إلى لوحة إعلانية متنقلة، وقبل أن ينجح في الصعود إليها يكون قد تملّى من الرسالة الإعلانية التي تغطي جانبها الأيمن عن أحد معاجين الحلاقة، فيتلمس ذقنه الخشنة ويصعد دون تعليق، وبعد أن تسير الحافلة بقليل، تتوقف إلى جانبها، عند إشارة المرور، سيارة شاحنة مخصصة للإعلانات الجوالة.
التي تقدم قصة إعلانية متكاملة عن أفران الغاز، عارضة نماذج حقيقية وصوراً تتحرك على شكل «رول» متقلب، بقصد عدم ترك أي شاردة أو واردة يمكن أن تشغل بال المتلقي!. وعندما يشيح ببصره بعيداً عن الشاحنة الإعلانية باتجاه جبل قاسيون، يجد لوحة ضوئية كبرى تقدم له خمسة إعلانات مختلفة خلال دقيقة واحدة، عليه متابعتها كاملة كي لا يفوته منها شيء.
تمضي الحافلة في طريقها إلى وسط المدينة وعلى الطريق شاخصات كبرى لا تترك له ثانية واحدة للتأمل في خلق الله، تقترب الحافلة من نفق، يحمد الله أنه سيخلصه من سطوة الإعلانات، غير أن النفق يصدمه بلوحتين فور نزول الحافلة فيه، وما إن يلتقط أنفاسه، حتى تطالعه لوحة عبارة عن سلسلة من اللوحات الإعلانية المكررة بشكل غبي على المنعطف الطرقي، «فيستعيذ برب الناس من شر الوسواس الخناس».
وعندما يخرج من النفق المظلم، يستقبله إعلان على ارتفاع سبعة طوابق لأحد أنواع الدهانات، وعندما ينعطف باتجاه الموقف الأخير للحافلة ثمة إعلانان كبيران ؛ الأول لمشروب بارد على اليمين، والآخر لمشروب غازي شهير على اليسار فوق مبنى عملاق ما يزال القائمون عليه في حيرة من أمرهم منذ أكثر من ربع قرن، ماذا يفعلون به، فأتى معلن وأنقذهم من حيرتهم وقرر توظيفه على أكمل وجه.
حنين إلى الفوضى
يشتاق المواطن السوري، ويشعر بحنين كبير لأيام الفوضى الإعلانية، فتأتي أيام الانتخابات لتذكره بتلك الأيام الخوالي، فبالإضافة إلى جميع المساحات التي سبق ذكرها، والتي تزدان بصور المرشحين لانتخابات مجلس الشعب أو المجالس المحلية أو النقابية وخصوصاً غرف التجارة والصناعة، تعود إلى التداول الشاخصات الكرتونية واليافطات القماشية التي انقلبت إلى بلاستيكية بفعل قوة الفليكس السحرية، التي أرسلت الكثير من الخطاطين إلى مقاهي البطالة.
«الفوضى» مسموحة في أيام الانتخابات، ولذلك تتكوم الإعلانات فوق بعضها البعض والشاطر من يضع إعلانه أولاً، والأشطر منه من يستطيع الاحتفاظ به لفترة طويلة، إذ هناك تحديث يومي لصور المرشحين، وفي كل يوم ابتسامة جديدة أو بذلة تختلف عن اليوم السابق.