عندما تعود إلى منزلك لتستريح وتأخذ قسطاً من الراحة تجد من يطرق بابك ليقدم لك خدماته الإعلانية فإذا أغلقت بابك وقررت أن تستريح فإن سيلا إعلانيا يتسلل إليك عبر جهاز التلفزيون حيث يغرقك في متاهات لا طاقة لك على احتمالها وإذا قررت أن تغامر وتخرج للتنزه فإن الأمر لا يختلف كثيرا لأن الإعلانات سوف تحاصرك حتى تستسلم لها لدرجة قد تعتقد أنك إذا فتحت صنبور المياه فإنه أيضاً يغمرك بالإعلانات.
هذا الحصار الذي يخنق الأنفاس من الإعلانات لابد وأن له أسبابه ودوافعه وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع من يروجون لهذه الحملات الإعلانية فإن له آثاره ونتائجه الإيجابية والسلبية التي تنعكس على المجتمع ككل وخاصة الشباب منهم. في البداية يقول الدكتور حمدي عبدالعظيم أستاذ الاقتصاد والرئيس السابق لأكاديمية السادات للعلوم الإدارية إن الأنشطة الإعلانية لا غنى عنها للأنشطة الاقتصادية من صناعة وتجارة وخدمات وغيرها من الأنشطة الاقتصادية وكذلك بالنسبة للمؤسسات والمنظمات الخيرية غير الربحية والتي دون الإعلان عن مجهوداتها.
فلن تحصل على الدعم المجتمعي والتمويل المادي اللازم لاستمرارها في عملها وأدائها لرسالتها بهدف التعريف بالمنتجات والخدمات الجديدة أو القائمة بالفعل وتعزيز صورة الشركات والمؤسسات في أذهان المجتمع وزيادة المبيعات خاصة عند دخول سوق جديد يلزمه الكثير من التمهيد والإعلان أو تقديم منتج جديد أو إعطاء دفعة لتنشيط منتج موجود بالفعل في السوق . وكذلك عند دخول منافسين جدد في السوق من نفس المجال أو عند زيادة حجم الإنفاق الإعلاني في سوق جديد. ويضيف الدكتور حمدي عبدالعظيم أنه مع سعي شركات ووكالات الإعلانات لتنفيذ الحملات الإعلانية والوصول إلى الشرائح المستهدفة من خلال الكثافة الإعلانية لتحقيق الهدف من الحملة الإعلانية من خلال مزيج مركب.
لأن تلك الحملات قد يكون لها في أوقات كثيرة المردود السلبي الكبير من أبرزه ارتفاع النمط الاستهلاكي لدى المواطنين وزيادة الميل الشرائي مما يكون له أثر سلبي كبير على توجهات أخرى مثل الادخار والاستثمار.
وغالبا ما يكون للحملات الإعلانية أبلغ الأثر على تحديد سلوكيات الإنفاق لدى المستهلك الذي قد يدفعه الإعلان مثلا إلى تغيير خيارات الانفاق والتحول لشراء تليفزيون أحدث بدلا من شراء حاسب إلى رغم أهميته أو شراء سجادة بدلا من دفع المصاريف الدراسية للأبناء أو شراء كتب أدبية.
وعليه فإن الإعلانات من المؤكد هي المحرك الأساسي والرئيسي لترتيب أولويات القرار الشرائي وخلق نمط استهلاكي معين وهي السبب الرئيسي في وجود عدد من المشكلات الاقتصادية الأساسية في المجتمع مثل انخفاض معدلات الادخار والاستثمار والتضخم وزيادة الإنفاق الحكومي لتلبية احتياجات المواطنين وزيادة الطلب على السلع الاستهلاكية والترفيهية وهو ما يؤدي بدوره إلى توجيه الاستثمارات إلى النمط الاستهلاكي.
أما الدكتور محمد سيف أستاذ التنمية والمشكلات الاجتماعية فيرى أن الإعلانات تلعب دوراً كبيراً في تشكيل الذوق العام وتؤثر بشكل أساسي في تحديد المفاهيم وتربية وتشكيل الرأي العام وخاصة بالنسبة للإعلانات السلعية وتولد الكثير من الرغبات المكبوتة نظراً لانخفاض الدخول وقلة ذات اليد وتؤدي إلى تهيئة المناخ لظهور العديد من الأمراض السلبية في المجتمع.
ولفت الانتباه إلى عدد من البرامج الإعلانية التي تخلق نوعاً من الاتكالية والسلبية والاعتماد على ضربات الحظ بدلا من السعي والاجتهاد وبذل الجهد والعمل وكذلك خلق نوع من الحقد والحسد والضغينة بين الطبقات المختلفة في المجتمع خاصة وأن الإعلانات في الغالب تكون موجهة للطبقات التي تملك قدرة عالية على الشراء ومن أصحاب الدخول العالية وهو ما يؤثر بشكل كبير في الطبقات الدنيا والمتوسطة.
وأشار إلى دور الإعلان البارز والواضح في التأثير على الفئات العمرية الصغرى خاصة بين الأطفال والشباب وخلق العديد المصطلحات وظهور قاموس لغوي جديد وزيادة حجم المطالب وهو ما يثقل كاهل الأسرة ويؤدي إلى وجود صراعات أسرية .
وهو ما لا يؤدي إلى وجود صراعات مجتمعية وتوليد رفض بين الطبقات والفئات المختلفة نظراً للاختلالات التي يظهرها الإعلان، خاصة وأن الإعلانات لا تذهب إلى الفئات المستهدفة مباشرة وإنما تمر على الطبقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المختلفة وهو ما يعني اختلاف زاوية تلقي الرسالة باختلاف متلقيها.
وأرجع سيف الكثير من الظواهر السلبية والجرائم الاجتماعية والاقتصادية إلى الأثر الاجتماعي والنفسي السلبي الذي تتركه الحملات الإعلانية خاصة في الطبقات الوسطي وزيادة الحمى الشرائية لدى الفئات المختلفة والرغبة في التقليد والمسايرة والطموح إلى الانتقال إلى طبقات اجتماعية أعلى باعتبار أن النموذج الشرائي هو المقياس والمحدد لكل طبقة اجتماعية.
وفي مصر « طارق نور» والذي يطلقون عليه في مصر لقب «ملك الإعلانات» لا لحجم مساهمته في سوق الإعلانات فقط، لكن لمساهماته الغزيرة في هذا المجال منذ منتصف السبعينات من القرن الماضي بعد أن نجح في التميز عن غيره سواء ممن سبقوه أو لحقوا به أو خرجوا من عباءته واستطاعته كرئيس مجلس إدارة شركة طارق نور للاتصالات على مدى أكثر من ربع قرن أن يقتحم سوق الإعلان المصري والعربي.
رغم ما شهده من تقلبات لتتحول وكالته التي أنشأها في عام 1978 إلى مؤسسة تضم ثماني شركات يتنوع عملها بين الدعاية والإعلان وإنتاج شرائط الفيديو والأفلام الدعائية والبرامج والمسلسلات التلفزيونية. ويدافع طارق نور عن الاتهامات التي توجه للإعلان بقوله إذا كان الاستهلاك والتشجيع عليه تهمة، فأنا سعيد بها للغاية.
والسبب بسيط. ففي كل دول العالم ينظرون إلى زيادة الاستهلاك حتى فيما يسمى بالسلع الاستهلاكية نظرة إيجابية لان الاستهلاك يعني ببساطة زيادة الاستثمار وزيادة التشغيل وجذب رؤوس الأموال إلا انه هنا في مصر يعتبر البعض أن الاستهلاك والتشجيع عليه يوازي الإمبريالية والخيانة لأهداف الوطن وهذا غير صحيح.
إلا في الدول والنظم الاشتراكية فقط بالإضافة إلى أن المستهلك ليس مسلوب الإرادة أو أعمى لا يرى أو لا يعرف ما يحتاجه فكيف أجبره إذا على شراء شيء لا يريده أو لا يحتاجه؟ فمن المعروف في كل العالم أن الاستهلاك معبر طبيعي عن رغبات الناس والإعلان يلعب على هذه الرغبات فقط ويظهرها من عالم اللاشعور إلى بؤرة الشعور ليتخذ بعدها المستهلك قراره .
ولكن للأسف أعتقد أن الفكر الاشتراكي أضر كثيرا بالاقتصاد والحياة في مصر وجعلنا ننظر إلى تلبية الاحتياجات الطبيعية للبشر نظرة دونية وكأنه ليس من حقهم الاستمتاع. ويضيف طارق نور «الإعلان ليس كما يتخيل البعض مجرد شوية بنات حلوين بيعلنوا عن سلعة غير رائجة وإنما الإعلان يستخدم في كافة المجالات والظروف ويستخدم للتعبير والترويج لسياسات اقتصادية معينة كما يستخدم للتعبير والدعوة لتوجهات سياسية محددة تتبعها الدولة».
ويقول نور « أنا مثلا قمت بحملات عديدة للترويج لمصر في الخارج وحملت الحملة شعار «نورت مصر» فأي منتج أقوم بالدعاية له لا بد وأن تتوافر فيه مقومات عدة أهمها الجودة التي تضمن إقبال المستهلك أو الجمهور على ذلك المنتج وعندما قدمت الحملة كان لدي منتج جيد أقدمه للسائح ليس الآثار فقط كما قد يظن البعض، لأنها لا تجذب سوى 30 في المئة فقط من السائحين الذين يحضرون إلى مصر.
الإمارات الأولى عربياً بحجم إنفاق الإعلان
كشف رجل الإعلانات الأول في مصر طارق نور عن أن حجم السوق الإعلاني العربي في تزايد مستمر لأسباب عديدة أهمها زيادة مجالات الاستثمار وزيادة الاستهلاك والانفتاح على العالم الغربي وقدر حجم الإنفاق الإعلاني العربي في عام 2005 بنحو 3 مليارات دولار يقدر نصيب دول الخليج منها بنحو مليار و100 مليون دولار تقريباً ويعد سوق الإمارات الأول في العالم العربي إذ يقدر حجم الإنفاق فيه بنحو 904 ملايين دولار يليه السعودي بحجم إنفاق يقدر بنحو 890 مليون دولار.