على الرغم من الإصلاحات التي قام بها «الاسكندر الثاني» فإن الحجة التي قدّمها قاتلوه كدافع للقيام بعملهم هي أنهم فعلوا ذلك «باسم الشعب» ومن أجل القصاص للشعب.

لكن هذا لا يمنع مؤلفة الكتاب من التأكيد أن الجريمة التي جرى ارتكابها في الأول من شهر مارس 1881 هي التي منعت روسيا من ولوج السبيل الذي كان منه أن يؤدي بها إلى نظام ملكي دستوري بحيث كانت ستصبح بذلك شبيهة على المستوى السياسي ببلدان أوروبا الأخرى آنذاك. بهذا المعنى غيّرت جريمة سان بطرسبورغ، مقر القياصرة الروس، مجرى التاريخ الروسي كله. وتؤكد التحليلات المقدّمة في هذا الكتاب أن «مفارقة» كبرى تكمن في كون أن قاتلي القيصر الاسكندر الثاني كانوا أعضاء في منظمة اسمها «الحرية الشعبية».

هذا في الوقت الذي كان فيه هو صاحب القرار الشهير لعام 1861 والذي جرى بموجبه «تحرير» الأقنان، أي ما كان يمثل آنذاك أغلبية الشعب الروسي. لقد خلّص ذلك القيصر الفلاحين من العبودية، تقريبا في اللحظة نفسها التي ألغى فيها الرئيس الأمريكي ابراهام لنكولن العبودية في الولايات المتحدة الأمريكية. الملفت للانتباه هو أن هذين «المحررين» دفعا حياتهما ثمنا لذلك.

وتستخدم مؤلفة هذا الكتاب بالنسبة للعمل الذي قام به القيصر الاسكندر الثاني تعبير الإصلاح «البيرسترويكا» ، والذي جرى إطلاقه على النهج الذي تبنّاه آخر رئيس للاتحاد السوفييتي، أي ميخائيل غورباتشوف، ذلك على أساس أن إصلاح القيصر في نهاية القرن التاسع عشر قام على أساس برنامج عام وشامل. بل وشهد قيصر القيصر تداول تعبيرات من نوع الشفافية «غلاسنوست».

ولا تتوقف المقارنة بين الفترتين «الإصلاحيتين»، في نهاية القرن التاسع عشر ومنتصف الثمانينات في القرن العشرين عند حدود تبنّي برامج إصلاحية. وإنما هناك تقريبا نفس «النهايات» على يد أولئك الذين استفادوا كثيرا من تلك الإصلاحات. هكذا تشير المؤلفة إلى أن قتلة القيصر الاسكندر الثاني كانوا ينتمون واقعيا إلى طبقة المثقفين الجدد الذين شهدوا قدوم «ربيعهم» مع إصلاحات عام 1861. وحيث إنهم أيضا من أبناء الطبقة الاجتماعية التي كانت من أكثر المستفيدين من الإجراءات القيصرية بالانفتاح على الشعب.

وبفضل تلك الإجراءات انفتحت أمام أبناء تلك الطبقة الطريق للدخول إلى الجامعات التي كانوا مُبعدين عنها. ولم يكن الدخول إلى الجامعات هو الامتياز الوحيد الجديد الذي شهدوه وإنما كانت هناك امتيازات عديدة أخرى ليس أقلها شأنا قراءة الصحف والمجلاّت التي زاد عددها أضعافا في عهد القيصر «الإصلاحي».

إن مؤلفة هذا الكتاب ترسم صورة للمجتمع الروسي في عهد الاسكندر الثاني لتصفه ب«التحديثي» قياسا بالأنماط الاجتماعية، التي كانت سائدة قبله. ففي عهد الاسكندر الثاني تضاءل كثيرا دور الرقابة وأُعيد للعدالة حيادها من أجل البت في القضايا المعروضة عليها، الأمر الذي تدل عليه ببساطة تبرئة «فيرا زاسوليتش» التي كانت قد أطلقت النيران على الحاكم العسكري لمدينة سان بطرسبورغ، ولكنها لم تقتله.

كان مشروع القيصر الاسكندر الثاني، كما تقدمه هيلين كارير دانكوس، هو أن تستطيع روسيا اللحاق بالبلدان الأوروبية الأخرى في شتى الميادين. وكان الشروع في عملية إصلاحات كبيرة هو الخطوة الأولى في ذلك الطريق. ذلك الطموح الروسي، المتجدد باستمرار، لم يُكتب له الوصول إلى نهاياته عبر التاريخ الطويل لهذه البلاد.

وتصل المؤلفة عبر عملية تقصّي في المسيرة التاريخية الروسية كلها إلى القول: إن روسيا عرفت «اندفاعا أبديا نحو الحرية» . ولكن جرى غالبا «تحطيم» ذلك الاندفاع و«سحق الربيع» كي تدخل البلاد في دورة لا تنتهي من العنف. لكنها عرفت دائما كيف تبدأ من جديد.

وتشرح المؤلفة كيف أن مسيرة حياة القيصر الاسكندر الثاني كانت مسيرة استثنائية وعرفت العديد من المفاجآت والأحداث ذات الدلالة الكبيرة فيما يخص الرمز الذي تحمله. هكذا نرى أن الرحلة الأولى التي قام بها عبر بلاد روسيا الشاسعة، كما تفرض عليه واجباته كوريث للعرش، قد قادته، أي الرحلة، إلى مدينة «سمبريسك» التي ستعرف فيما بعد ولادة أحد أكبر الشخصيات الروسية في العصر الحديث، أي فلاديمير ايليتش لينين.

وأثناء الرحلة نفسها توقف الاسكندر الثاني في مدينة «ايكاتيرنبورغ» التي ستعرف عند قيام الثورة الروسية مقتل القيصر نيكولا الثاني وإبادة أسرته كاملة بحيث لا تقوم بعد ذلك لسلالته قائمة.

وليس أقل المفاجآت «الغريبة» التي تسوقها المؤلفة «صدفة» أن يكون المنزل الذي قام فيه «قاتلوه» بتحضير قنابلهم، إنما هو المنزل الذي عاش فيه الروائي الروسي الكبير دوستويفسكي فترة طويلة من الزمن. إن المؤلفة تعود في حديثها عن السيرة الشخصية لحياة الاسكندر الثاني، إلى عام 1839 عندما كان في لندن وفي الحادية والعشرين من العمر.

لقد قابل آنذاك الملكة الانكليزية الشابّة فكتوريا. وكانت «ضربة الصاعقة» متبادلة. هاج القصران وأعلن نيكولا الأول، والد الشاب، عن غضبه، وتحرّكت السفارات. هكذا لم يكن أمام العاشقين سوى «الانفصال» ليوضع بذلك حد نهائي ل«قصة حب روسية ـ فكتورية» في آخر سنوات الثلاثينات من القرن التاسع عشر.

تزوج الاسكندر الثاني حسب تقاليد قديمة بامرأة جرمانية، وأنجبا أطفالا توفي البكر منهم، مما كان صدمة كبيرة للقيصر الذي تعرّف وهو في الأربعين من العمر، « سن الشيخوخة آنذاك» ، على كاترين دولغوروكي وكانت قصة حب عاصفة تجاوزت كل الأعراف والمراسم، واستمرت حتى مقتل القيصر الذي ترك وراءه 4000 رسالة كتبها لعشيقته.

إن المؤلفة تؤكد أن العواطف التي عاشها القيصر أكسبته بعدا إنسانيا أكبر، إلى درجة أنه يوم محاولة اغتياله أخطأته القنبلة الأولى فتوسل إليه سائق عربته كي يتابع طريقه لكنه أبى ونزل كي يسعف الجرحى. فقتلته القنبلة الثانية. لقد تصرّف كجندي متمرّس إذ «كان يعرف أن الشرف العسكري يدعوه إلى أن يقدّم المساعدة للجرحى» كما نقرأ.

كتاب ترسم فيه مؤلفته صورة القيصر الروسي الاسكندر الثاني الذي أراد أن يقوم بـ «مقررة من أعلى» لكنه اغتيل ولم يستطع الذهاب بمشروعه إلى نهايته. لقد ساهم في «تثوير» روسيا أكثر من أي قيصر آخر، كما تقول المؤلفة في «زبدة» تحليلاتها.

قيصر روسيا

«الاسكندر الثاني» المقصود في عنوان هذا الكتاب الجديد للكاتبة هيلين كارير دانكوس هو قيصر روسيا الذي اغتيل في الأول من شهر مارس 1881 بعد أن كان قد استمر على عرش بلاده لمدة ربع قرن من الزمن. ربع قرن تعتبرها المؤلفة بمثابة «ربيع روسيا»، كما يقول العنوان الفرعي للكتاب، وذلك على أساس أنه القيصر الذي تجرأ على القيام بإصلاحات جوهرية في روسيا. وكان قد وقّع قبل ساعات فقط من اغتياله مشروع دستور جديد للبلاد.

المؤلفة في سطور

هيلين كارير دانكوس هي الأمينة العامّة الدائمة للأكاديمية الفرنسية التي يُدعى أعضاؤها الأربعون بـ «الخالدين» ، وهي أحد أهم الاختصاصيين الدوليين بالعالم الروسي وبالحقبة السوفييتية السابقة وكانت أحد الأوائل، الذين كانوا قد تنبؤوا بانهيار الاتحاد السوفييتي.

إذ نشرت منذ سنوات الستينات كتابا تحت عنوان «الإمبراطورية المتفجرة» ، أي الاتحاد السوفييتي، لها العشرات من الأعمال من بينها «الثورة المصادرة» و«مجد الأمم» و«الأسى الروسي» و«نيكولا الثاني» و«لينين» و«كاترين الثانية» و«إمبراطورية اوراسيا»الخ.

الكتاب: الاسكندر الثاني، ربيع روسيا

تأليف: هيلين كارير دانكوس

الناشر: فايارـ باريس 2008

الصفحات: 525 صفحة

القطع: المتوسط

Alexandre II,Le Printemps

He'le'ne Carre're D'Encausse

Fayard -Paris 2008

P.525