تعد مجموعة «التقاط الصور» هي المجموعة الأولى التي تصدرها الكاتبة الأيرلندية آن إنرايت منذ أصدرت كتابها الأول بعنوان «الأيقونة» في عام 1991، وهي تأتي مباشرة في أعقاب روايتها «التجمع» التي فازت بجائزة بوكر العام الماضي، وبالتالي فإنها يتعين أن تستفيد من النجاح الكبير الذي أحرزته هذه الأخيرة.
ومن المؤكد أن هذا أمر سيفرض نفسه لأن مجموعة «التقاط الصور» يربطها الكثير من حيث المناخ النفسي برواية «التجمع» والقراء الذين أحبوا اهتمام إنرايت المدهش بالتفاصيل المتعلقة بالحياة السرية للعائلات العادية والحقائق المسكوت عنها المتعلقة بها والاتهامات والتواؤم الذي يصل إليه الناس مع خيبات الأمل والخيانات التي يتعرضون لها ـ هؤلاء القراء سيسعدهم أن يجدوا هذه الموضوعات مراراً وتكراراً في هذه اللقطات السريعة للحظات التي ترتبط فيها الشخصيات مع غيرها أو تنفصل عنها.
ويسود قصص إنرايت الموضوعان البارزان اللذان تهتم بهما، وهما الجنس والموت والنتيجة المترتبة على كل هذا الجنس الذي تحفل به المجموعة وهو ولادة الصغار. وقصص المجموعة تدور حول الجسم في بعده العضوي، قيود اللحم البشري وانتهاكاته، فهناك أجسام في مراحل الحمل، أجسام يفتك بها السرطان أو مرض الضمور أو الأمومة، أجسام عاكفة على الشراب، توغل في العمر، تتضاجع، تحتضر.
وهذه القصص أيضاً، وبطرق عديدة، هي قصص تدور حول معني أن يكون المرء أيرلندياً في موطنه وفي الخارج، وذلك على الرغم من أن هذا لا يطرح صراحة، وإنما الأمر متعلق بحساسية يتم التلميح إليها من خلال عبارات عابرة. في قصة «سويسرا» تقدم إنرايت وجهة نظر أجنبية فيما يتعلق بأيرلندا، هي ـ في هذه الحالة ـ وجهة نظر أميركي في دبلن يرتبط بعلاقة مع امرأة أيرلندية.
حيث نقرأ: «الأمر كله نكتة». هذا هو الشيء الآخر فيما يتعلق بدبلن. والشيء الذي لا تفهمه هو أنهم يطلقون النكات على الدوام فحسب، حتى في الفراش. إلى أن تغادر، ثم يقفون خارج نافذتك في منتصف الليل، صارخين وملقين الزجاجات. أو يتلقون جرعة مخدر زائدة، على سبيل النكتة فحسب».
هذه المزاوجة الحميمة والتي لا سبيل إلى فصمها بين الكوميديا والألم الحاد هي ما يمنح رواية «التجمع» تألقها الوحشي، ولها طعمها الايرلندي المميز الأكثر مراوغة وواقعية من الكليشيهات التي يطلبها الأجانب. تقول المرأة الأيرلندية الجالسة مع حبيبها الأميركي: «ولكن هل يمكننا من الآن وإلى الأبد أن ننسى الرغوة على سطح الحليب وتأثير المناخ على شعري اللعين؟».
ويقول الراوية في قصة «الوسادة» عن زميلة الإقامة في الغرفة التي يعيش بها، الأميركية التي طلبت الإقامة مع شخص أيرلندي من أجل «المزيج العرقي» ـ يقول: «قلت إنني سأكون إيرلنديا من أجلها ابتداء من يوم الثلاثاء، ولكن هل يمكنني أن آخذ بقية الأسبوع إجازة؟».
وهناك أيضاً أصداء من سوريالية أعمالها المبكرة، فقد تضمنت روايتها «الشعر المستعار الذي يضعه أبي» شبحاً وهنا في قصة «الكرافان» تصبح المرأة التي تتعرض للإساءة في عطلة مخيم تتساقط الأمطار خلالها مقتنعة بأن «الكرافان» التي يقيمون فيها يهيمن عليها شبح امرأة ماتت فيها «نوع من الموت المتصلب. ماتت متصلبة، جالسة على ذلك المقعد».
ترى هل كان هذا الشبح تجلياً لمخاوفها المتعلقة بأبنائها أم للإخفاقات التي تعرضت لها؟ إن ميشيل تنهض واقفة، تتطلع أمامها، وتتمنى لو أنها كانت أماً من نوع آخر، لو أنه كانت هناك نوعية أخرى من الأمهات.
ربما كانت هذه الصور التي تقدم لها على امتداد المجموعة هي صور لأبناء وآباء ولذلك المزيج المركب من الحب والغضب الذي يملأ الفضاء بينهم، فموهبة إنرايت لا تكمن فقط في قدرتها على النظر في المواضع التي يحجم الآخرون عن إلقاء نظرة عابرة عليها، وإنما هي تكمن أيضاً في إحساسها باللغة، إحساسها بالصورة الحادة والصادمة التي لا تملك إلا أن تحملها معك دوماً.
نحن حيال قصص تصف الخسارات والتشوشات والضرر الجنسي الذي يلحق بحياة نساء ينتمين إلى عائلات تلفها الأسرار والعناصر المسكوت عنها. ربما لم يكن أمر مفاجئاً تماماً في هذه القصص أن تجد أن المرأة التي تشاركك الإقامة في غرفة أميركية، وهي امرأة صينية، تحاول أن تخنقك باستخدام وسادة، أو أن المرأة التي تقف وراء النضد للتعامل مع العملاء في أحد المكاتب سيقطع زورها بسكين حادة أو أن الرجل الذي حاول أن يعني بفتاة تلحق الضرر بنفسها سينتهي به الأمر إلى قتل زوجته.
ولابد للقارئ من أن يلاحظ أن إنرايت تصل إلى قمة البراعة عندما تتحدث من خلال أصوات الشباب الذين يكافحون للعثور على هويتهم وللإحساس بذواتهم التي يريدونها. والعديد من الاستحضارات التي تقوم بها إنرايت للإخفاقات النسوية مكتوبة بشكل مميز للغاية، وتكمن المتعة التي يحس بها القارئ لهذه القصص القصيرة في تنوعها وعناصر المفاجأة التي تحفل بها والانتقالات غير المتوقعة والجهود المبذولة لتقويض التوقفات التقليدية.
ولا حدود لقدرة إنرايت على إدهاشنا عبر صفحات هذه المجموعة، حيث نجد صديقات يحاولن قتل بعضهن البعض، أو تحاول إحداهن تخريب حياة الأخرى، ونجد زوجين يخوضان مع وليدهما أهوال عطلة نهاية أسبوع مروعة، وثمة زوجة تعمل على التأقلم بشكل أو بآخر مع ذكريات زوجها عن السجن والتعرض للتعذيب. وهناك امرأة نجت بأعجوبة من زواج وحشي تعاني من عدم قيام ابنها بزيارتها ولو مرة واحدة.
وقصة وراء أخرى نجد آباء يسقطون مرضى، ويتعين القيام على رعايتهم، ويلقون حتفهم، ويدفنون أو يضيعون للأبد، وتروى نهاياتهم بمزيج مذهل من الجفاف والعمق. ونغمة حديث إنرايت البعيدة تماماً عن الوحشية أو القتامة لا سبيل إلى التنبؤ بها، وهي لا تفتقر إلى المرونة.
وغالباً ما يجد القارئ القصص مروعة، لكنه سيكون من الخطأ استنتاج أنها قصص كئيبة وجهمة. حقاً أننا سنجد أن المجموعة حافلة بالأمهات من الموتى، بالأخوات المفقودات، وبمشاعر الذنب، ولكن بين هذه الأشباح والروائح والصرخات التي تتشبع بها الحياة هناك فرصة غير متوقعة للبهجة.
وسط دماء وأحشاء الوجود الإنساني، تتعامل إنرايت على نحو جميل مع الحياة في العالم الحديث. وكل قصة مختلفة، رقيقة أو ثرية، حافلة بالمذاقات والروائح. إنها قصص قاتمة، لاشك في هذا، ولكنها في الوقت نفسه جميلة على نحو صادم، وطريفة على نحو مؤلم.
حوار
ـ كيف حال زوجتك ماريا؟
ـ أوه، إنها تنهض لتتردى.
ـ صحيح.
هذا التعبير، تنهض لتتردى، ما كان يمكن إلا التوقف طويلاً عنده، لأنه المقابل الايرلندي لأي شيء، ابتداء من البكاء أمام الأطباق حتى العصاب بمعناه الكامل، وذلك على الرغم من أنني كان ينبغي أن أتفهم جلية الأمر.
الكتاب: التقاط الصور
تأليف: آن إنرايت
الناشر: جوناثان كيب لندن 2008
الصفحات: 240 صفحة
القطع : المتوسط
Taking Pictures
Anne Enright
Jonathan Cape London 2008
P.240