يروي صباح قباني في هذا الكتاب المعنون ب«من أوراق العمر ـ مسيرة حياة في الإعلام والفن والدبلوماسية»، جانبا من الذكريات في مضمار الحياة والكتابة والفن والدبلوماسية. وإذا كانت هذه المذكرات تضيء، بالدرجة الأولى، جانبا من حياة هذه الشخصية الدبلوماسية والفنية المعروفة، فإنها، وفي نفس الوقت، تسلط الضوء على بعض الجوانب في حياة الشاعر الكبير نزار قباني.

ذلك أن صباح قباني حين يتحدث عن والده توفيق قباني، وعن بيت الأسرة في حي مئذنة الشحم بدمشق القديمة، وعن المدرسة التي تعلم فيها، فإنه إنما يرسم تفاصيل الحياة التي عاشها نزار قباني كذلك، الذي كان يكبر شقيقه صباح بخمسة أعوام، وهذا ما يمنح هذه المذكرات أهمية إضافية. يصف صباح قباني في هذه المذكرات تلك الأجواء الحميمة التي صاحبت طفولته البعيدة في حي دمشقي قديم، إذ يصف بدقة تفاصيل المنزل الذي عاش فيه هو وأخوته المعتز ورشيد ونزار وشقيقتهم الوحيدة هيفاء.

يعدد أصناف الورود التي كانت تزرعها والدتهم في باحة المنزل، ويعدد الغرف الواسعة ومزايا البيوت الدمشقية التقليدية، ويستحضر أجواء الاستقبالات في منزلهم، والاجتماعات السياسية التي كانت تعقد فيه، إذ كان والده توفيق قباني أحد المناضلين ضد الانتداب الفرنسي في العشرينات والثلاثينات من القرن المنصرم.

ويتحدث قباني عن الشخصيات التي كانت تزور والدهم في تلك المرحلة من صناعيين وتجار، وسياسيين ينتمون إلى «الكتلة الوطنية»، ويتحدث عن زيارة الفنان يوسف وهبي لمنزلهم إذ كانت تربطه صداقة بالوالد، ويسهب في الحديث عن شخصية احمد السمان الذي كان حضوره محببا، وهو والد الكاتبة غادة السمان التي تكتب عن هذه المذكرات قائلة: «نكتشف في مذكرات صباح قباني أديبا بنثر مرهف مشرق، سلس، جذاب، ولغة شعرية راقية مسكونة بالحنين، وإنه يكتفي بالحنين من دون الحزن... بل يحاول إبهاج قارئه بكثير من خفة الظل في زمن ثقيل الظل».

وتضيف الأديبة السورية: «إن علاقة صباح قباني مع الوطن هي قصة حب كبيرة، فهو يجد أن عمره صار جميلا بالآخرين في مناخات دمشق الخصبة إنسانيا وإبداعيا. مذكرات صباح قباني تستعصي على التلخيص لأن صاحبها قام بذلك وهو يخطّها كمن يقطر حقلا من الياسمين الشامي في زجاجة عطر».

يتحدث صباح عن معمل والده الذي كان يصنع الحلوى والملبس والشوكولاته، وهو يتذكر وجوه العاملين لدى والده في تلك السنوات البعيدة، ويتحدث كذلك عن مراحل صنع الملبّس، وكيف أن اليد الماهرة هي التي تضفي على هذه الحلوى المذاق اللذيذ، ويتذكر كيف كان هو وإخوته يقتحمون معمل الوالد القريب من المنزل، فيساعدون العمال في أعمال خفيفة، ويقضون وقتا ممتعا بصحبتهم.

ويتذكر صباح مدرسته الابتدائية القريبة كذلك من منزلهم، ويعدد أسماء الأساتذة الذين كانوا يدرِّسون في تلك المدرسة، ويشرح كيف انه حين حصل على البكالوريا رغبت والدته في أن يدرس الطب، لكن هذه الدراسة لم تكن تناسب ميوله مطلقا، فتدخل، عندئذ، شقيقه الأكبر رشيد، وسجّله في كلية الحقوق ومن ثم استطاع إقناع الوالدة بأن هذه الدراسة أجدى له.

وحين نال الحقوق توجه إلى باريس التي كان قد قرأ عنها في الكتب والروايات، وهناك استطاع أن يحصل على شهادة الدكتوراه ليعود إلى العمل في دمشق. يحاول صباح قباني في هذه المذكرات الكشف خلال تجربته في العمل الدبلوماسي عن بعض المسائل والقضايا الدبلوماسية، وكيف أن المصالح تلعب الدور الرئيس في العلاقات بين الدول.

ويتحدث قباني عن لقاءاته مع الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، ومع وزير الخارجية الأميركية هنري كيسنجر، وكذلك لقاءاته مع الكثير من الشخصيات السياسية المرموقة، ويتحدث كذلك عن مشاركاته في المؤتمرات والندوات والمحافل الدولية المهمة التي كان يشارك فيها بوصفه دبلوماسيا يسعى إلى عرض وجهة نظر بلاده في تلك المحافل والمؤتمرات الدولية.

وبهذا المعنى فإن هذه المذكرات تتسع وتتشعب لتكون ذاكرة وطن بكل خيباته وانتصاراته ذلك أن صباح قباني كان رجلا مسؤولا، وقد عاصر الكثير من الأحداث والوقائع التي نجد تفاصيلها في هذا الكتاب. ويتحدث صباح قباني عن الصداقات التي ربطته مع شخصيات أدبية وفنية وسياسية معروفة.

ويتحدث بصورة خاصة عن علاقة الصداقة التي ربطته بشقيقه نزار قباني، لان الاثنين كانا يهتمان بالفنون وبالكتابة، ويعيد إلى الأذهان الصعوبات التي واجهت شقيقه الشاعر الذي حاول التمرد في مجتمع محافظ، ويشرح مدى ارتباط نزار قباني بمدينته دمشق، كما يعود قليلا إلى الوراء ليشرح المحنة التي مر بها جده أبو خليل القباني رائد المسرح الغنائي في مصر وبلاد الشام.

وهو يضمن الكتاب صورا نادرة يعود تاريخها إلى العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، فصورة الغلاف الأول تظهره وهو طفل في السابعة من عمره، كما نرى في الصفحات الداخلية صورا له ولأشقائه وهم أطفال صغار، وصورا لمدرسته، وللبيت الذي عاش فيه، وللأساتذة الذين تتلمذ على أيديهم، وللاجتماعات التي كانت تعقد في منزلهم...وغيرها من الصور، الملتقطة بالأبيض والأسود، والتي توثق لمراحل مهمة في سيرته الذاتية، وتوثق كذلك لمراحل مرت بها سوريا في تلك السنوات.

والواقع أن هذه المذكرات تكشف عن موهبة القص التي يتمتع بها صباح قباني، فهو يضع هذه الأحداث والوقائع ضمن قالب أدبي مشوق، ويصوغ جمله ومفرداته بسلاسة وسهولة، وتتبدى كذلك في هذه المذكرات قدرته على التقاط اللحظات والمواقف المهمة والجوهرية في حياة مديدة شهدت الكثير من الأحداث، لكن صباح قباني بارع في غربلة هذه الأحداث وانتقاء ما يصلح منها لان يودع بين دفتي كتاب.

نصف قرن من الأحداث وأكثر يسردها قباني في كتابه بحساسية أدبية رشيقة، وبلغة سلسة صافية، وليس هذا غريبا على رجل ينتمي إلى عائلة وطنية سورية معروفة، وقد نشأ منذ الصغر في أجواء الفن والكتابة والسياسة، وخاض حروبا طويلة في ميدان الإعلام والدبلوماسية.

فاكتسب عبر هذه الممارسة الطويلة أسلوبا يعنى برشاقة العبارة، وبلاغة الجملة، وسلاسة المفردة، وهو لا يقدم هذه المذكرات من باب التباهي أو التفاخر، بل من موقعه كشاهد عاصر الكثير من الأحداث التي تستحق التدوين، فيدخل، بعد أن بلغ من العمر عتيا، أروقة الذاكرة، يختار منها أحداثا ووقائع مهمة ومحطات شكلت انعطافة على الصعيد الشخصي، وعلى صعيد وطن بأكمله.

المؤلف في سطور

كاتب هذه المذكرات هو الكاتب والإعلامي والدبلوماسي السوري صباح قباني، وهو شقيق الشاعر الراحل نزار قباني. صباح قباني حائز على شهادة الدكتوراه في القانون الدولي من جامعة السوربون في باريس مطلع الخمسينات من القرن الماضي، وهو أحد مؤسسي التلفزيون السوري، ومن المساهمين في انطلاقته سنة 1960م.

شغل منصب سفير سوريا لدى الولايات المتحدة الأميركية بين العام 1974 وحتى العام 1980م. وهو يهتم بالتصوير الفوتوغرافي إذ أقام عددا من المعارض في هذا الإطار، كما نشر بعض الرسومات الكاريكاتيرية في بعض الصحف العربية.

إبراهيم حاج عبدي

الكتاب: من أوراق العمر

تأليف: صباح قباني

الناشر: دار الفكر دمشق 2007

الصفحات: 376 صفحة

القطع: المتوسط