تتناول الكتابة ولع الرحبي في هذا الكتاب العلاقة التي جمعت بين الشيخ أبي خليل القباني مؤسس المسرح الغنائي السوري والوالي التركي مدحت باشا رجل السياسة والإصلاح.

وتشير الرحبي في مقدمة كتابها إلى أن الخصوم الذين وقفوا في وجه مسيرة أبي خليل القباني، هم أنفسهم الذين قاموا بمحاربة التدابير الإصلاحية التي قام بها مدحت باشا، وهو برأيها تأكيد حقيقي على أن الإصلاح لا يتجزأ، وأن الفن وجه من وجوهه، مشيرة إلى أن أعداء الفن هم أنفسهم أعداء الإصلاح في كل مكان وزمان. تنتقي الكاتبة شخصياتها بعناية مع مراعاة للحقبة الزمنية التي عاش فيها القباني، حيث نلحظ شخصيات مثل الشيخ سعيد الغبرة (العدو اللدود للقباني)، وعمر الجراح وحسين الورنلي وقسطاكي الشحلاوي وغيرهم وجميعهم ممثلون في مسرح القباني، إضافة إلى بعض الشخصيات المتخيلة كالشيخ عبد القادر وأبو تحسين الكركوزاتي وأبو حمدي الحكواتي وغيرهم.

ثمة امرأة متسربلة بالسواد تسير لوحدها، يتابعها الشيخ سعيد الغبرة بنظره ثم يحرض بعض الأولاد على مطاردتها، في مكان آخر نجد أبو تحسين وابنه يوضّبان خيمة كراكوز، ثم ينشأ جدال بين أبو تحسين والشيخ سعيد الغبرة لأن الأخير يعتبر خيمة كراكوز ضرب من الكفر، فيما تدخل مجموعة من الشباب إلى المقهى ويبدأون بجمع تبرعات لإحدى الأسر الفقيرة.

وتنقلنا الكاتبة فيما بعد إلى مسرح أبي خليل القباني، حيث يبدو الأخير منشغلا بإحدى بروفاته، ويبدو درويش البغجاتي يهم بارتداء ثوب نسائي لأنه سيقوم بدور امرأة، فيما ينشغل محمود كحال بدوزان قانونه.

في مشهد آخر تنطلق همهمات خافتة تأتي من إحدى حلقات الذكر في الجامع الأموي، حيث يبدو الشيخ سعيد الغبرة وقد تحلّق حوله رواد حلقته رافعين أيديهم بالدعاء بعد انتهاء الدرس، وفيما يهرول التلاميذ خارجين من الجامع للترحيب بالوالي مدحت باشا، ينشأ جدال جديد بين الشيخ سعيد الغبرة والشيخ عبد القادر حول الوالي الجديد ومشاريعه الإصلاحية.

ونلحظ في مكان آخر أبو تحسين الكركوزاتي يحرّك شخوصه في خيمة كركوز، ويبدو زبائن المقهى في غاية الانسجام خلال متابعتهم للعرض، فيما يقترب الوالي مدحت باشا الذي يبدو عليه الامتعاض لمشاهدة عرض كراكوز، ثم يرسل الوالي لاحقا بطلب أبو خليل القباني واسكندر فرح بعد معرفته بعملهما المسرحي.

وتستخدم الرحبي في عملها المسرحي تقنية فنية متطورة، حيث تزاوج بين فن المونولوج والاسكيتش الغنائي ضمن تقنية المسرح داخل المسرح في محاكاة لمسرح القباني نفسه، وهذا ما نلاحظه في بروفات مسرح أبي خليل، وفي جدال أبي خليل مع الشيخ سعيد الغبرة وحديثه لاحقا مع مدحت باشا.

ويبلغ العمل ذروته حين يلتقي أبو خليل مع مدحت باشا، حيث يطلب الأخير منه تأليف رواية تمثيلية ليفتتحها الوالي برفقة أعيان ومشايخ دمشق، ونلحظ لاحقا معارضة الناس للإصلاحات التي سيقوم بها مدحت باشا والتي يأتي من ضمنها افتتاح المدارس والاهتمام بمسرح القباني، فيما يبدو الشيخ سعيد الغبرة قد بدأ جدالا للتو مع الشيخ عبد القادر حول الإصلاحات التي يقوم بها مدحت باشا والتي يراها الأخير إفسادا للبلاد والعباد.

وتتسارع وتيرة العمل لاحقا ليأتي كتاب عزل الوالي مدحت باشا من السلطان عبد الحميد بسبب إصلاحاته، فيما يتعرض أبو خليل لإحراق مسرحه والتنكيل به من بعض المشايخ، ويأتي مشهد وداع الرجلين.

حيث يقول القباني لمدحت باشا: « حين سيُكتب التاريخ ذات يوم سيعرف الناس كم كان أبو خليل القباني، رجل المسرح والأدب، بحاجة لوجود رجل دولة وسياسة على مثالكم، يؤمن بأن الإصلاح لا يختص بجانب دون آخر، وبأن تقدم حال المسرح والفن هو عنوان لتقدم يشمل الأحوال الأخرى كافة في البلاد. وهذا ما ستحكيه أرض الشام نفسها إن نطقت.»

هكذا يغادر أبو خليل ومدحت باشا دمشق «المدينة التي أنجبتهما وحاربهما سفهاؤها ومتزمتوها» . وتعود دمشق إلى ما كانت عليه قبل ظهور القباني ومدحت باشا، حيث نجد عددا من الصبية يطاردون امرأة وحيدة بتحريض من الشيخ سعيد الغبرة، فيما ينطلق صوت الشاعر الراحل نزار قباني «هذي دمشق وهذه الكأس والراح».

حسن سلمان

الكتاب: حكاية الشيخ أبي خليل القباني والوالي مدحت باشا العثماني

تأليف: دلع الرحبي

الناشر: دار ممدوح عدوان دمشق 2008

الصفحات: 233 صفحة

القطع: الكبير