يذهب الكاتب إلى أن النهضة بإمكانها أن تشكل سدوداً صلبة في وجه تجاوز الواقع الذي هو أساس التنمية، إذ لا تنمية ولا تقدم بدون تجاوز مما يجعل سقف التطلعات باتجاه المستقبل محكومة بصورة الماضي المطلوب تجاوزه، هذا ما شكل عامل إعاقة.

ويرى المؤلف ان مصطلح النهضة حديث مقارنة بالحراك الذي أطلق عليه اسم النهضة أو مقارنة بالاتصال بالغرب والتأثر بما أنتجه، وهذا المصطلح لم يبرز في الثقافة العربية إلا في عشرينات القرن العشرين، وقبل ذلك كانت مصطلحات مثل التقدم والتمدن والإصلاح والإحياء والارتقاء واليقظة هي السائدة آنذاك. ويشير إبراهيم أحمد إلى مشروع الإصلاح الديني كما أبرزته ملامحه الأولى في عصر النهضة الذي لم يكن في حقيقته سوى محاولة تأهيل الفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية لتقبل الوافد الغربي وهذا ما جعله محكوماً بأفقه وأسير التطلع إلى محاكاته.

وإذا كانت الغيرة على المسلمين والأسى لما هم فيه من تخلف، من الدوافع التي حركت بعض المطلعين على ما وصلت إليه الشعوب الأخرى كموقف الشيخ جمال الدين الأفغاني، فإن هذه الغيرة والأسى برأي الكاتب كانا محكومين بالخوف الشديد، الخوف من قوة المشروع الغربي وطموحه وقدرته على الاجتياح.

ويرجع المؤلف مشكلة النهضة وتعثرها لأنه تم تناولها على مستوى الفكر أو الثقافة وتم الفصل بينها وبين النشاط العملي، لقد كانت نهضة أفكار أكثر مما كانت نهضة واقع، فقد كان الجانب العملي الاقتصادي متراجعاً ومتخلفاً عن الفكر.

فالامتحانات التي خضعت لها النهضة برأي الكاتب أكدت ضرورة ألا تكون أسيرة نهج واحد، بل يجب أن تكون من الديناميكية والجدلية بحيث تستطيع استخدام أساليب متعددة، ويعتمد ذلك على واقع الحال وشكل ونوع العقبات التي يجري العمل للتغلب عليها فالتدرج والإصلاح ليسا بديلاً عن الثورة، والثورة ليست بديلاً عن التدرج والإصلاح المهم في مثل هذه العمليات أن يتم إرساء قيم وخطوات راسخة لا تغفل جزئيات فاعلة، ستكون بمثابة الألغام المطمورة يمكن أن تنفجر غداً أو بعد غد فتدمر ما تم بناؤه.

وفي سياق آخر تطرق إبراهيم أحمد إلى النهضة في أوروبا التي تمثلت في مجموعة من الثورات المتلاحقة وعلى كافة الأصعدة والمجالات، وهي وليدة فكر البرجوازية أو الطبقات الصاعدة الثورية، إلا أنها في بلادنا العربية كانت حركة ذات صبغة مجتمعية عبر عنها مثقفون احتكوا بالحداثة الأوروبية، ومن ثم حاولت السلطات السياسية الترويج لأفكار النهضة تحسيناً لصورتها وتسويقاً لمشاريعها.

كما يؤكد الكاتب أن ما تم إنجازه من تقدم ونهوض على مستويات عدة، وفي كافة أقطار الوطن العربي لا يمكن تجاهله إلا أنه لم يصل إلى مستوى الطموحات ولم يلبي الحاجات الملحة. وينتقل الباحث إلى الدور الذي يلعبه العمل في النهضة باعتباره مكتسباً إنسانياً يتم تطويره وإدخال التعديلات الضرورية عليه ليصبح أكثر جدوى وهذه الجدوى تقاس بالمردود المادي أو المعنوي.

ومن القضايا التي تدل على التثمين العالي للعمل ودوره في الرقي والتقدم في النظام الإسلامي، يشير الكاتب إلى تحريم الربا باعتباره زيادة في المال لم تنتج عن عمل، وهذا يدل على تشجيع قوي للعمل باعتباره المعيار والرافعة الأساسية للحصول على الدخل وإحداث تنمية، وإن التنمية التي تنتج عن غير هذا الطريق هي محط تبخيس وتجريم، وهذا أحد المبررات الأخلاقية التي برزت كأحد عناصر النظام الاقتصادي في الإسلام.

وعن أهمية العمل لنهضة فاعلة اعتبره الباحث المحدد الأساسي لقيمة الإنسان ودوره الاجتماعي الذي يوظف له جل مواهبه، ونظراً لأهميته في إحداث نهضة عربية فاعلة إلا أن المشاريع النهضوية العربية كانت متعثرة.

وفي السياق نفسه يؤكد الكاتب أن فكر عصر النهضة كان متيقظاً إلى دور العمل في النهوض بالحياة العامة لكن الجهود النهضوية لم تثمر في تكريس قيم العمل كقيم حياتية فاعلة يتم التشبث بها واحترامها، حيث تشير تقارير التنمية الإنسانية إلى أنه لا مخرج لنا إلا بتحسين الإنتاجية، أي مردودية العمل باعتباره أحد السبل للوصول إلى مستقبل آمن.

وتطرق إبراهيم أحمد إلى ضرورة توسيع هامش الديمقراطية وإشراك كل فئات المجتمع في معركة التنمية بكل قنواتها في حين نحن بحاجة إلى التأسيس النظري للحياة العملية أي إلى جهد فكري يقوم به المفكرون والمثقفون لتوطين قيم العمل في حقل الأفكار.

كما أننا بحاجة إلى تكوين رأي عام حول قضية العمل، يضغط في الاتجاه الصحيح وهذا يحتاج إلى سياسة وطنية جريئة لا تختبئ وراء إنجازات ضئيلة أو خلبية أو لا ترقى إلى مستوى هموم الوطن الكبرى.

باعتبار العلم ركيزة تطور البشرية، فالعلم أساس الحداثة ومحرك الشعوب نحو تجديد حياتها على أسس لم تكن موجودة والاختلاف حول مسألة دور العلم غير وارد مع أن الاختلاف قد يشمل معظم الجوانب التي يقاربها الفكر الحديث.

محورية العلم في النهضة حسب إبراهيم أحمد هي من الموضوعات الثابتة، وهو صانع الحضارات فالحضارة لا تصبح حضارة إلا إذا استوعبت سابقتها وأضافت إليها جديداً لتعد برهاناً على اختلاف وعلى تدشين عهد جديد فيه استيعاب للسابق وفيه شيء ما لم يعرف سابقاً.

وإدخال العلم برأي إبراهيم أحمد في مجالات الحياة يعني إفساح المجال له وإزاحة العقبات من طريقه كي تتأسس الأعمال على مناهج العلم ومعطياته ونظرياته دون تدخلات إرادية من جهات وصائية سياسية أو دينية، كما يعني السعي لتكوين رأسمال بشري متسلح بالعلم وهذا يقتضي توسيع الاستثمار في مجال العلم لتكوين رأس المال هذا، وهذا ما يتطلبه دخول العالم العربي عالم الحداثة.

مشروع النهضة

يعتبر الكاتب إبراهيم أحمد ان المشاريع الفكرية لها أهمية تضاهي المشاريع السياسية في حمل المسؤولية عن استمرار النهضة وفتحها على آفاق متحركة، فسجنها ضمن مشروع واحد أو في إطار رؤية واحدة، مهما كانت مشروعيتها وقوتها ودقة توجهها والذي يدخل حسب الكاتب في باب القتل المتعمد لها، وذلك بتحويلهاإلى نهضة جماعةأو فئة لا نهضة أمة أو وطن.

ناهد رضوان

الكتاب: مداخل ومقدمات لنهضة متجددة

تأليف: حسن إبراهيم أحمد

الناشر: دار كنعان دمشق 2008

الصفحة : 295 صفحة

القطع: الكبير