لا أحد يشتهي السير في الغابة، ليس لأنها مخيفة، صعبة في مسالكها ومباغتاتها، وإنما لأنها تواجه المفكّر فيها، فيما تواضع عليه فكره، فيما تصوَّره أو تخيله، أو سطَّره عن الغابة، كما لو أن الغابة موجودة كفكرة، قبل أن تكون واقعة حسية.

ثمة حديث تاريخي، متداول، عن قانون الغاب، مثلما هو الحديث الآخر الذي يضع الغابة تلك في الحد الأقصى من المسالك والممالك الجغرافية الجديرة بالعيش أو التفكير فيها، كما يجب، وما يجب هو في صعوبة تقبُّل الغابة كمجتمع يؤخذ به.

ثمة نوع من الطوطمية المعكوسة تميّزنا، ونحن في موقفنا السلبي منها، في نظرتنا المتخيّلة إزاء الغابة هذه. إن الغابة لا تخيف بوصفها غابة، فالخوف خاصة من خصائصنا المستحدثة والتربوية المكانية قبل كل شيء، لتكون الغابة بالصورة المستخرجَة هكذا لأننا اعتبرناها وعهدناها مراراً وتكراراً، ولأن الغابة في جوهرها، كنوز مجتمعة ومتفرقة مرئية تمثل ما هو كوني، وعلى الأرض.

ولكنها تلك الكنوز التي تتحدى من يريد التوغل فيها، أو من يبتغي العيش فيها، أو التكيف معها، في جملة مسلكيات، صعبة التطبيق أو التنفيذ، تناسباً مع قانون الغابة الضمني، وليس كما يشاع عنه، فالكنوز دائماً مرهوبة الجانب، لأنها كنوز طبعاً(أذكر هنا الكتاب الجميل للإيطالي امبرتو إيكو: «نزهات في غابة السرد»، وهو يربط قابلية القراءة النقدية الحصيفة، لأي نص أدبي، بكيفية السير في الغابة، ومعرفتها في شُعبها وجهاتها المختلفة)، وربما كان عليه أن ينطلق من ملحوظة رئيسية، وهي: الغابة التي تسكننا!

ثمة الكثير من المسافات الشاسعة الواسعة والعميقة بيننا وبينها، فيما نقول ونعمل، فيما نتفكر ونتدبر! ولعل أبسط ما يمكن التحدث عنها، هو أنها تمثل في المدى البعيد(السالف هنا، إنجاز التعبير): براءتنا التي تتردد فيما بيننا في بعض الحالات، تكويننا الطبيعي ما قبل الأرضي المجتمعي الخاضع، لمنطق القانون الذي يبث فيها البعثرة، أكثر من يحث على الجمهرة.

إن الغابة هي البدء الشعري لولادتنا الكونية، أو الفني الطابع عموماً، تلك الولادة الغريبة كلياً، أو كثيراً، عما نلجأ إليه، ونستعذبه، مثلما نلوذ به ونحن في غاية الانتشاء الروحي، ونحن نعيش مناخات شعرية، أو تحولات في حِمى الفن الرحبة!

الغابة مجتمع كامل متكامل، من نوع مغاير لكل ما عهدناه وتعاهدنا عليه حتى اللحظة، إنها أصولنا الطبيعية التي تنكَّرنا لها، يفاعتنا التي كانت تمد في حدود أحلامنا الكريستالية شفافيةً، وتثري تكويننا الشعري، كون الشعر وسيطاً شامانياً يستشرف بنا أفقاً تلو آخر، ومكاشفة الأجمل من خلاله، إنها ليست هناك( مفارقتنا)، وإنما هي قائمة، ممتدة فينا، نعيشها ليلاً نهاراً.

ولكننا لا نستشعرها، لأننا أنِسنا بغابة مختلفة تماماً، تلك هي غابتنا التي مارسنا فيها وصفاً وتوصيفاً، من خلال عبارة مزكومة مريعة، ألا وهي (قانون الغاب)، الغابة تعيش اكتفاءها الذاتي، تمارس دورتها الطبيعية، بنوع من الانهمام بالذات من الداخل وفي صمت، فتلك هي بلاغتها، حيث كل ما نشير بها إليها يعنينا، وليس تلك.

لا عتمة في الغابة: إنها وجه من وجوه التجلي الحياتي، عنفوان البقعة الأرضية المغطاة بالأوراق والنباتات المعتبرة صغيرة، ثمة تنظيم جمالي مدهش لمجتمع الغابة هنا! ليس من شجر طويل، باسق، وآخر قصير، قزم، وسواه، بالكاد يُرى، ليس من بقعة مضاءة أكثر من سواها، ليس من حيوان يشد الآخر إليه، بمنطق الغريزة المحكومة به، أو ينفّره منه، إن كل ما ينتمي إلى الغابة، يعيش فورة اللاحدودية، يعيش له وللآخر.

لا الشجر الباسق يراهن على صغيره من نوعه، أو ما هو مختلف عنه، أو يساوم عليه، أو يزاحمه بقوة ملحوظة ضاغطة، تجسيداً لقانون أصولي، في غير محله تاريخياً، وهو (الصراع من أجل البقاء، والبقاء للأقوى)، فالشجر لا يضحي بشجره، ولا ينحيه جانباً، لا يستضيء باعتباره الأمضى، ويترك «الأقل» قدرة منه، في العتمة.

كما لو أنه المستبعد المحكوم بالسجن، بقدر ما أن قانوناً يشد كل نوع إلى شبيهه، مثلما يرفقه بنقيضه(وهو مكمله) في مجتمع الغابة المستقر من الداخل، مثلما أن حيواناً يسمى بالشرس، لا ينقض على المعتبر ضعيفاً، لأن قانون الغابة يلزم بذلك، إذ ليس من اعتبارات من النوع الذي يميزنا، يجمع ويفرق بين كائن حيواني وآخر، إنما هو الود الغابي، التراحم الغابي.

فما هو في الغابة يعيش في نسبه الغابي، وما كان غابياً، يعزز في ذاته، بقوة مولَّدة ـ مولَّدة، قانون الانتماء الغابي، وليس من احتجاج ضمني، حيث النور والظلام(كما نقول نحن)، يشكلان حقيقة الغابة هذه، وحيث تكون أصولنا التي سبقت فينا ظهور اللغة، أو المشاعر التي ترسم اللغة حدودها، وتمنحها أوصافاً أو تضعها في خانات متفاوتة القيمة، وليس للغابة دخل في كل ذلك.

إن القدرة الكبرى التي تبقي الواحد منا، وهو في أوج إبداعه، مائزاً، شديد الوله بما هو كوني، تتمثل في كونه ينفتح على الغابة التليدة التي في داخله، على حمولة الغابة المعرفية الصامتة، فالغابة هذه لا «تزعم» أنها كذا وكذا مدحاً أو مفاخرة، بقدر ما تعيش صمتها الملهِم لها ولكائناتها، لأنها الوحيدة القادرة على تفهُّم ما تريد لها ولكائناتها، وفي وحدة واحدة.

الغابة حقيقة شعرية، مثلما كينونة فنية بامتياز، وإنما من نوع غير مألوف، وليس من شعر فعلي، وهو مألوف، لأن شرط الشعر هو لا مألوفيته، هو مواجهته لقارئه أن ثمة سحراً يشع من داخله، هو وجود تلك الغابة الهائلة البنيان، أو شاسعة الأبعاد تومض بين الكلمات والسطور، ولهذا يكون الشاعر المبدع أكثر من أي كان، الوحيد الذي يدرك ما تعنيه الغابة له، وإن لم يسمها، كما يجب، وأظن الفن عموماً هو هكذا، لأن شرط الإبداع هو أن يبقي مجهوله الملهَم له، دون تسميته، كما هي الغابة.

لهذا، ربما، لا شيء يهدد الغابة من الداخل، إنما من الخارج، وحين يحاول التنوع فيها، ويبعثرها، أو يعبث بقانونها، كما هو الجاري منذ عصور طويلة، وعلى هذا الأساس، يكون موت كل غابة( زوالها)، تجسيداً لمتعة وهمية، مدنية مزعومة، تسطيحاً أكثر لما هو إنساني، وتعريضاً له لما هو مهدّد له، إزاء قانون غابته المركَّب داخله.

والشعراء قبل سواهم، هم الذين يشكلون حراس الغابات الكبرى، والقيّمين الأصلاء عليها، لأن نفحة البراءة المغيَّبة مجتمعياً، يمكن معايشتها فيما يقولونه، أعني، فيما يهمسون به في الحالات التي يقاومون غابتهم المركَّبة، بتلك التي تلهمهم فعلاً، مثلما أنها تزكّيهم الأمناء على ما هو كوني وجميل في كوكبنا الأرضي، أما الفنانون فهم شهود الغابة والشعراء معاً، إذ يحيلون كلماتهم وأصواتهم ألواناً «غابية».

إبراهيم محمود