إذا كان من الصعب التحديد الدقيق لفترة ظهور الأشكال المتعددة من المسارح التي خرجت عن المعايير الصارمة للمسرح الكلاسيكي منذ اليونان القديمة، فإنه قد يمكن المجازفة والقول ان المناخ الذي تطورت فيه مثل هذه الظواهر الفنيّة يعود إلى السنوات الأولى التي أعقبت قيام الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789.
فقد اتخذت السلطات المسؤولة بعد قيام تلك الثورة قرارا في عام 1793 بإنهاء احتكار قطاع المسرح من قبل فئة صغيرة مرتبطة بقصر فرساي، مقر ملوك السلطة السابقة. وبسرعة ازدهرت ظاهرة افتتاح صالات العرض والاستعراض. لكن كان لا بد من الانتظار حتى نهايات القرن التاسع عشر كي تنتشر في باريس مئات الحانات التي بدأت تقدّم لروادها وصلات موسيقية بقصد جلب اعداد أكبر منهم. آنذاك أصبحت باريس ليست مدينة النور بالمعنى الفكري فحسب وإنّما أيضا مدينة التسالي بامتياز على الصعيد الأوروبي كلّه.
بعد عقود من الركود المسرحي والفنّي عامة في النصف الأول من القرن العشرين الذي عرف حربين عالميتين انطلقت شرارتهما الأولى من أوروبا وكانت مسرحهما الرئيسي، عادت الحيوية من جديد إلى عالم الإبداع بكل مشاربه. وفي هذا السياق بالتحديد برز نوع جديد من النشاط المسرحي أطلقت عليه تسمية« المقاهي ـ المسارح».
وفي عام 1968 قام شابان مغامران مع عدد من الأصدقاء بشراء منشأة ميكانيكية صغيرة في أحد الأزقّة الضيقة في قلب باريس كانت تقوم بتصنيع مراوح التهوية الكهربائية. كان أحد الشابين هو «كولوش» الذي أصبح فيما بعد أحد أكبر الممثلين الكوميديين في فرنسا خلال القرن العشرين كلّه؛ وهو أيضا مؤسس سلسلة المطاعم المعروفة باسم « مطاعم القلب» التي لا تزال نشيطة حتى اليوم وهي تقدّم الأطعمة مجانا للفقراء خلال فترات الشتاء القارسة.
كان الهدف من شراء تلك المنشأة الميكانيكية هو تحويلها إلى صالة لتقديم العروض المسرحية القصيرة والتي لا تخلو من الغرابة. الصالة الجديدة حملت اسم «مقهى المحطة» بسبب قربها من إحدى محطات القطارات.
لم يتم تزويد ذلك المقهى بمسرح صغير وحسب وإنما أيضا بفرقة مسرحية هي « فرقة مقهى المحطة ». قدّم «مقهى المحطة» أوّل عروضه المسرحية عام 1969 وانتقل سريعا الى مكان أوسع في حي الـ «ماريه» بالقرب من الباستيل. هكذا كان « مقهى المحطة » وفريقه المسرحي نقطة الانطلاق الأساسية في ولادة ظاهرة «المقاهي ـ المسارح».
هناك محطة أساسية أخرى شكّلت نقطة اعلان مهمة في تعزيز هذه الظاهرة ففي عام 1975 قام فريق صغير من الفنانين الشباب «المغمورين» بشراء ورشة قديمة لنشر الخشب في حي الـ ( ماريه) أيضا وحولوها إلى مقهى ـ مسرح تحت أسم «أرملة ريشارد». بعد ثلاث سنوات من افتتاحها قام المالك الجديد لتلك «الأرملة » بتعميدها باسم : «نقطة ـ فاصلة».
لم يكن حي الـ «ماريه» آنذاك سوى مجرّد حي شعبي وهامشي يتجنبّه أبناء الطبقات «الراقية ». لكن هذا الحي أصبح اليوم أحد أكثر أحياء العاصمة الفرنسية «عراقة » على الصعيد الفني. وكانت نقطة انطلاقه هي في الفترة التي أصبح فيها وجهة العديد من الفنانين الشباب ذوي الإمكانيات المادية المحدودة الذين كانوا يبحثون عن أمكنة لا تتطلب استثمارات كبيرة.
« مقهى المحطّة » و« نقطة فاصلة» أصبحا من بين أكثر مسارح باريس شهرة، وملتقى أهل الفن الذين يبحثون عن التجديد. وعلى غرارهما قامت عشرات، بل مئات، المقاهي بتحويل نشاطاتها إلى« مقاهي ـ مسارح ». وقد أعطت بذلك الفرصة للعديد من الفنانين الشباب الذين بدأوا مسيرتهم الفنية على مسارحها قبل أن ينطلقوا إلى فضاءات الفن الرحبة. لكن ما هو الفرق بين المقهى ـ المسرح والمسرح التقليدي المعروف؟.
على هذا السؤال دلّ استطلاع للرأي أن الفرق الأساسي هو أن «المقهى ـ المسرح» مرتبط بالضحك والتسلية : وأنه مسرح شعبي ذو طبيعة كوميدية. لكن لا بد من القول ان صفة «الشعبي » قد تنطبق عليه من حيث الأوساط التي نشأ فيها وشكّلت جمهوره الأول. إن الصورة قد تغيرت كثيرا فـ « عالم المرح يجمع كل الطبقات الاجتماعية على صعيد الفنانين كما على صعيد المشاهدين » حسب قول أحد المشرفين على مقهى ـ مسرح «نقطة ـ فاصلة ».
جمهور« المقاهي ـ المسارح» له خصوصيته مع ذلك وخاصة بفضل وجود جو من الحميمية والحرارة بين المشاهدين أنفسهم على خلفية إدراكهم المعلن، أو غير المعلن، أنهم قد جاءوا من اجل الحصول على لحظات من المرح. ودائما في جو متجدد، فالمشاهد يعرف أن هناك «مفاجآت» تنتظره وأنه سوف يلقى شيئا «جديدا» وليس «مكررا» كما في المسارح التقليدية.
وإلى جانب تجدد الموضوع هناك أيضا تجدد الأسلوب. وبكل الحالات هناك علاقة مباشرة بين الممثل أو الممثلين وبين الجمهور. قد يكون هناك ممثل واحد يتوجه إلى جمهور « الروّاد »، رواد المقهى حيث يتم التعرّض لمختلف مواضيع الساعة السياسية أو الاجتماعية. والجمهور هو الذي قد يقترح أحيانا المواضيع التي يناقشها معه الممثلون ارتجالا.
وتأخذ العروض المسرحية أحيانا صيغة سلسلة من «الاسكتشات »القصيرة. وليس من النادر أن تنتقل بعض هذه العروض القصيرة إلى المسارح الكبرى في حال نجاحها. مسرحية « توقفي عن البكاء.... يا بنلوبي » التي حازت على شهرة كبيرة بدأت كأحد العروض في«مقهى المحطّة » وانتهت إلى مسرح فونتين، أحد أكبر مسارح باريس.
كانت«المقاهي ـ المسارح »، ولا تزال، ممرا مهماً يعبره الفنانون الشباب إلى أن تهتم بهم وسائل الإعلام وأهل «الكار». مديرة احد المقاهي ـ المسارح الكبرى في باريس قالت بهذا الصدد : «البحث عن الجواهر النادرة ، وعمل كل شيء ممكن من أجل إظهار المواهب الشابّة أمام الجمهور وأمام خبراء الحرفة والاهتمام بهم ؛ هذا يشكّل ملح مهنتنا». لكن بوّابة المقاهي ـ المسارح ليست بالتأكيد السبيل الوحيد لصعود سلّم الشهرة الفنية.
ولعل من أهم الميزات التي تشجّع الفنانين الشباب على تقديم إنتاجهم في« المقاهي ـ المسارح» هو قلّة التكلفة. إن بعض« المقاهي ـ المسارح»لا تتقاضى أجور الصالة من الفنانين الشباب وإنّما تتقاسم معهم ريع العروض التي يقدمونها وحيث يتقاضى الفنانون حوالي 40 بالمئة مما يجري تحصيله.
امتياز« المقاهي ـ المسارح» قد يكمن في اهتمامها بالفن الحقيقي.. وذلك على خلاف برامج تلفزيونية من شاكلة « ستار أكاديمي » التي تعد الفائزين بـ « الشهرة الفورية » وبالأضواء والكاميرات. ممثلو« المقاهي ـ المسارح » هم « فنانون حقيقيون » ومبدعون يبحثون عن الفرصة التي تدفعهم إلى الأمام.
والآن إلى أين آلت أحوال« المقاهي ـ المسارح» في باريس؟
ـ هناك اليوم في باريس 800 مقهى ـ مسرح تقدّم عروضها كل مساء. المنافسة إذن كبيرة، لكن افتتاح الصالات المسحية من هذا النوع مستمر.
يبقى السؤال : هل هذه الزيادة الكميّة هي على حساب النوعية؟.
كل ما يمكن تأكيده هو أن المشاهد أصبح اليوم أكثر حذرا حيال «الوجبات» المسرحية المعروضة عليه.
بكل الحالات تبقى « المقاهي ـ المسارح» ظاهرة ثُقافية مهمة. ومثل كل الظواهر، إنّها تتطور وتبدّل من أساليبها وأدواتها. ولكنها لا تزال تعطي وتعد بروافد فنيّة جديدة.
مسرح المحطّة
تأسس مقهى ـ مسرح المحطّة عام 1968 من قبل «عصابة» من الأصدقاء على أنقاض ورشة ميكانيكية بالقرب من محطة «مونبارناس» للقطارات. كان من بين المؤسسين كولوش وميوميو وباتريك براوير. ودعمها فنانون كبار مثل جورج موستاكي وجاك بريل وجون يان وغيرهم .
قدّم «مقهى المحطّة» عرضه الأول بتاريخ 21 يونيو ـ 1969 من «تأليف وإخراج وإنتاج وتمثيل المؤسسين. انضم لفرقة مقهى المحطّة المسرحية ممثلون آخرون من بينهم جيرار دوبارديو وجوزيان بالاسكو وأنيمون وجيرار جونيو وغيرهم ممن أصبحوا بين فناني فرنسا الأكثر شهرة.
كان الممثل هو سيّد النص الذي يقدّمه. وكان يتم اقتسام الدخل بالتساوي. ولم تكن هناك عقوبات، فقط كان ينبغي على الذي يريد الانسحاب أن يجد بديلاً عنه. في مثل ذلك الجو دبّت خصومات بين الفريق المؤسس وانسحب العديد منه. ثم انتقل «مقهى المحطّة»، مع احتفاظه بنفس الاسم، إلى مكان آخر أوسع وأرحب. «مقهى ـ مسرح المحطّة» هو الأول والأكثر شهرة (450 مقعداً) بين المقاهي ـ المسارح بباريس. ويبقى قبل كل شيء تعبيراً بليغاً عن مغامرة إنسانية رائعة.
فنانون شباب مروا من هنا
«المقاهي ـ المسارح» كانت ولا تزال، ممراً مهماً يعبره الفنانون الشباب إلى أن تهتم بهم وسائل الإعلام وأهل «الكار». فقد أكدت إحدى المسؤولات عن هذه المقاهي ـ المسارح الكبرى في باريس أن «البحث عن الجواهر النادرة، وإظهار المواهب الشابة أمام الجمهور وأمام النقاد والمتابعين للاهتمام بهم يشكل ملح مهنتنا». لكن بوابة المقاهي ـ المسارح ليست بالتأكيد السبيل الوحيد لصعود سلّم الشهرة الفنية.
ظاهرة ثقافية
«المقاهي ـ المسارح» تحولت إلى ظاهرة ثقافية مهمة مثل كل الظواهر في باريس، فهي تطوّر وتبدل من أساليبها وأدواتها ولكنها لا تزال تعطي وتعد بروافد فنية جديدة وتمتاز هذه المقاهي باهتمامها بالفن الحقيقي.. وذلك على خلاف بعض البرامج التلفزيونية الدارجة.
المسرح الارتجالي
تبنّت بعض المقاهي ـ المسارح صيغة «الارتجال المسرحي» في العروض التي تقدّمها. ومن المألوف أن نقرأ في إعلانات هذا المقهى ـ المسرح أو ذاك عن برامجه جملة كالتالية: «إنكم لا تعرفون ماذا ستشاهدون... والممثلون لا يعرفون ماذا سوف يقدّمون. أنتم سوف تقترحون المواضيع مكتوبة وسيقوم فريق التمثيل باختيار موضوع، أو مواضيع، السهرة بواسطة القرعة. ثم يرتجل الممثلون الشخصيات الملائمة. التاريخ والأدب والسياسة كلّها أدوات في الارتجال المسرحي».
الموسيقى أيضاً تكون «مرتجلة» والذي، أو الذين يؤدونها يقومون بتكييفها مع المواضيع التي تتم معالجتها. بعض المقاهي ـ المسارح تبنّت صيغة «مباراة الارتجال المسرحي». هذه الصيغة عرفت بداياتها في كوبيك بكندا عام 1977. كان المقصود بها آنذاك هو شد الجمهور إلى المسرح بعد أن برزت ظاهرة العزوف عنه لمشاهدة مباريات «الهوكي».
دخلت «مباريات الارتجال المسرحي» إلى فرنسا منذ حوالي عشرين سنة ولاقت نجاحاً كبيراً.
جوهر «المباراة» يكمن في وجود فريقين «يرتجلان» مسرحياً النصوص بوجود «حكم» لضبط«الأدوار». يذكّرنا هذا بمباريات الجل وبـ «زغلول الدامور»؟. لقد «انقرض» تقريباً هذا الفن عندنا وغداً على «الموضة» في مسارح باريس.
د. محمد مخلوف