يندرج أدب السيرة الذاتية في حقل السرود الأدبية التي أضحت تشكل مشهداً واسعاً من الثقافة الإنسانية العامة، وجنساً أدبياً مستقلاً يكشف ويوثق المستتر من الحياة الإجتماعية والسياسية والاقتصادية للأدباء والعلماء والفنانين والسياسيين، لا بوصفه كشافاً ذاتياً حسب، بل هو كشاف اجتماعي ـ سياسي- ثقافي وشاهد على مرحلة أو مراحل وطنية وقومية شاملة بكل ما فيها من صراعات مختلفة.
داخل العزلة أن المسافة بين الطفولة والرجولة تُقطع في خطوة واحدة. خطوة واحدة ووحيدة. وباتخاذكم تلك الخطوة تنفصلون عن الأب والأم. تصبحون أنفسكم. أنها خطوة داخل العزلة. لا أحد يتخذها بشكل كامل حتى أشد النسّاك قداسة.. أن معظم الناس لم يتذوقوا قط طعم العزلة.. أنهم لا ينفردون بأنفسهم..من الصعب يا أصدقائي أن نعيش بلا ألم .. من مذكرات هيرمان هيسه (إذا ما استمرت الحرب)أنتجت ثقافتها العامة عبر انعكاساتها على الذات وما يفرزه المجموع (الإجتماعي ـ السياسي) على الفرد الذي يكون في زمان ومكان مشخّصَين.
هذا النوع من الكتابات الذي يحظى باستقبال شعبي ونخبوي معاً هو جنس أدبي خالص لن تحدده «قوانين» أدبية ونقدية، بوصفه نتاجاً عقلياً فردياً مستخلصاً من تجارب حياتية متداخلة، اختلط فيها الشخصاني «الفردي بالعام» الجمعي والاجتماعي بالسياسي والأدبي بمكوناته وتياراته المستحدثة في ظرف من ظروف الولادات الأدبية المستمرة.
أشهدُ أنني عشتُ
تنطلق بعض السير الذاتية من الخاص إلى العام فتؤرخ مساحة أدبية واجتماعية وسياسية، كما فعل بابلو نيرودا في مذكراته الشهيرة «أشهد أنني عشت» حيث ترافق الشعري باليومي، واليومي هنا سياسي واجتماعي وأدبي؛ كما ترافقت رؤيا نيرودا بالأحداث السياسية الكثيرة التي شهدها وعاشها لا كشاعر فحسب، إنما كفرد اجتماعي قيض له أن يكون شاهداً وموثقاً على فترات عصيبة من تاريخ تشيلي.
روائيون وشعراء وفنانون من شتى الأجيال، شرقاً وغرباً؛ نتعامل مع مستخلصاتهم الأدبية لا بطريقة الفحص الداخلي، لكن بطريقة الفحص الجمالي ونتطلع إلى مقدار الفن الذي يميز أعمالهم، وقد نستشف «بعضاً» من سيرهم الذاتية وصورهم القديمة، لاسيما في السرد الروائي، لكنها غير كافية لإقرار ( النوع الشخصي) في تلك الأعمال ويقع في خانة (غير المصرح به) علناً مع إنّ الكتّاب عادة ما يسقطون الشيء الكثير من سيرهم الشخصية وذكرياتهم البعيدة في مشغلهم الأدبي.
البعض يعمد إلى استخدام مهارته الفنية في كتابة سيرته بشكل عمل روائي أو بطريقة روائية، يختلط فيها الواقع بالخيال، عماده اللغة والتداعيات والاسترسالات والصور، ليوفر مساحة عريضة تستوعب دروس حياته الحاشدة، كما فعل ماركيز في مذكراته «عشت لأروي» التي تعد عملاً روائياً غنياً بالمعلومات والأحداث والمواقف التي وظفها ماركيز في جلّ رواياته.
وكذلك ما تركه لنا رسول حمزاتوف من مذكرات شيقة في كتابه «داغستان بلدي» الذي يعد موسوعة معرفية وجمالية عن داغستان اختلط فيها الجغرافي الجبلي الأسطوري بخرافاته وحكاياته وأشعاره، بالحياتي الذي لا نظير له في حياة الجبليين، بالإيديولوجي الذي تعامل معه حمزاتوف بانتماء كبير، حتى بدت مذكراته وذكرياته عن الجبل الداغستاني ملحمة داغستانية في قصيدة شعرية بدت ولم تنته حتى اللحظة!
الصين الشيوعية
أيضاً عمدت الصينية «تنغ ـ هسنغ يي» في «ورقة الرياح القارسة» إلى كتابة سيرتها بطريقة روائية مؤثرة تحدثت فيها عن الصين الشيوعية إبان الثورة الثقافية التي قادها ماو تسي تونغ وما تلا ذلك من أحداث ووقائع مهولة عصفت بالمجتمع الصيني بعد وفاته. وبقدر ما كانت هذه المذكرات شخصية جداً.
إلا أنها رسمت بانوراما اجتماعية وسياسية لحياة الصين في حقبة عصيبة من حقبها الإيديولوجية التي فرضت نواميسها القاسية في المجتمع المؤدلج، فقدمت «تنغ» وثيقة تاريخية مهمة مُحْكمة الوقائع.وما فعلته نيلوفر بازيرا في مذكراتها الرائعة «بساط من الزهر الأحمر ـ البحث عن أفغانيّ» يُعد تسجيلاً وافراً لحياة شعب منطلقة من سيرة ذاتية روت فيها ذكرياتها الطويلة عن أفغانستان الممزقة بالحروب.
مذكرات في المكان
«تقرير إلى غريكو» ملحمة كريتية كتبها نيكوس كازانتزاكيس في أوج تألقه الشعري والروائي بسرد باهر توفر على تقنيات روائية تستعرض وجوده الحياتي والتاريخي والأدبي والاجتماعي والمكاني أيضاً لحاضنته الوطنية، ليعطي بانوراما واسعة عن جزيرة كريت وصراعاتها المسلحة مع قراصنة البحار.
ويركز كازانتزاكيس في هذه الملحمة على المكان وكيف صنع قدره ككاتب وإنسان وكيف التصق بالتربة الكريتية تاريخاً ووجوداً، ومثله النوبلي التركي أورهان باموق يستثمر إمكاناته السردية في الكتابة عن المدينة التي أمدته بفيوضات ثرية من الرؤى الواقعية والتاريخية، فأصدر«اسطنبول ـ المدينة والذكريات» متعمقاً في المكان الذي رسم له طريق النجاح الأدبي عبر سرد طويل لمكونات طفولته وشبابه وما رافقهما من مؤثرات مختلفة ليصل إلى نتيجة مبدئية بأن «قدر المدينة أن يكوّن شخصية الإنسان».
شخص غير مهم
يعترف النمساوي ستيفان تسيفايج في مذكراته «عالم الأمس» بأنه شخص غير مهم ولا تغري حياته بالقراءة، لكنه يروي قدر جيل كامل عايش معه وتعايش مع أحداثه إبان الحرب العالمية الثانية.
وعالم الأمس الأوربي متهم هو الآخر بالحروب والكوارث والمطاردات، ولما كان تسيفايج نمساوياً يهودياً انتحر مع زوجته في البرازيل في 23 فبراير 1942 فإنه لا يترك هذه الفاصلة المهمة في حياته وتأثيراتها في حركة التاريخ الأوربي وبطريقة المقالات المنفصلة يكتب هيرمان هيسه صاحب «لعبة الكريات الزجاجية» مذكرات في الحرب والحب والسلام بعنوان «إذا ما استمرت الحرب» مؤكداً فيها على أهم ثلاثة مؤثرات في حياته وهي الروح المسيحية اللاقومية وقراءة مؤلفات المفكرين الصينيين وقراءة أعمال المؤرخ السويسري ياكوب بركهارت.
بيكاسو وفان كوخ
فرانسواز جيلو تكتب «حياتي مع بيكاسو» كمذكرات شخصية عاشتها مع هذا الفنان الفريد في نزوعه إلى التجريب الفني والتجديد والابتكار. تروي جيلو بدقة تفصيلية نزعات بيكاسو إلى الخلق عبر تحليل وتدقيق في شخصية بيكاسو المتمردة على واقعها كما تروي علاقتها به حبيبة وزوجة وأماً وتقف على هوسه النسائي وزيجاته المتكررة، ولا تكف جيلو لحظة واحدة عن استعادة الحوارات البيكاسوية الطويلة معها لتؤكد على عمق بيكاسو وثقافته الواسعة التي دفعته إلى مغايرة مجايليه الذين عاصروه.
هذا النوع من المذكرات هو الكتابة عن الآخر. والآخر هنا ليس رمزاً غامضاً كلياً، إنما هو زوج وإنسان مفتوح القلب لشريكته التي كانت تسجل كل إرهاصاته الفنية والنفسية وتجمع من أجل ذلك كل الشوارد التي صنعت من بيكاسو رجل عصره، فكان هذا السفْر الوحيد الذي كشف جانباً مهماً من شخصيته المركبة،وهذه الكتابة تنطوي على تشريح داخلي لشخصيته الاجتماعية فتوفرت على الكثير من المصداقية كون جيلو كانت لسنوات غير قليلة قريبة من أنفاسه ومن نزواته الكثيرة.
لكن الكتابة عن الآخر بطريقة خارجية قد لا تتوفر على مصداقية معقولة، فما كتبه إيرفنج ستون عن الفنان فنسنت فان كوخ بطريقة رواية المذكرات يشوبه الالتباس النسبي، فتدخل الخيال في صناعة الكثير من المواقف الذي قد يُبعد الكتاب عن هدفه الفني وهو يتتبع حياة فان كوخ ويسجل يومياته. المؤلف ستون يعترف بأنه عمد إلى « استخدام بعض الافتراضات توخياً للسهولة..» وإن «الحوار..وُضع بعد عملية إعادة تخيل..»
مذكرات وفضائح
هناك من الأدباء يعمدون إلى كتابة سيرة أدبية متجنبين ما هو حياتي لصالح الأدبي، فالحياتي يقود إلى الأدبي بالنتيجة وهو مغذ له بالضرورة كما فعل الشاعر الهندي طاغور في «ذكرياتي» حيث تطغى النشأة الأدبية وتكونها على النشأة الإجتماعية التي تشوبها سرية مقصودة من الكاتب، فهو يؤرخ لمرحلة أدبية نشأت في ظرفها الأدبي لا إلى مرحلة حياتية، فالخصوصية الاجتماعية تتنحى لصالح الخصوصية الأدبية والثقافية .
ويمكن اعتبار كتاب «الشباب» للأفريقي كويتزي موائماً لهذا الجانب وإن سرده مسرداً روائياً، لكنه روى قصته مع الكتابة الأدبية وصراعه كواحد من الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا وبالتالي هجرته إلى لندن. كذلك فعل أرسكين كالدويل في مذكراته «اسمها تجربة» فهو يشرح نجاحاته الأدبية معتمداً على ما بقي من ذاكرته وذكرياته كأنما يتقصى رواية تجاربه وإن كشف بعضاً من أسرار حياته.
وبعض الأدباء والكتّاب مَن ينحّي الأدبي على حساب الاجتماعي والسياسي لمزيد من تعرية الذات وكشف المستتر من الحياة الشخصية الداخلية كما فعل تينسي وليامز في مذكراته الإباحية الصادمة التي كشفت شذوذه ونزواته وانحرافاته الأخلاقية.
باريس الشباب
وعدتُ نفسي بباريس كهدية للعام الأول من حريتي الجديدة. وكنت قد عرفتُ هذه المدينة التي لا تتعب من زيارتين سابقتين. وكنت أعلم أن مَن يعيش فيها عامين وهو شاب يحمل معه ذكرى سعيدة لا ينساها أبداً. فما من مكان آخر يتنشق فيه الشاب جو الشباب كما يفعل في هذه المدينة التي تسلّم نفسها للجميع، ومع ذلك لا تتيح لأحد أن يسبر غورها..
من مذكرات ستيفان تسفايج (عالم الأمس)
القدوم إلى نيويورك
عند نهاية شهر مايو 1933 وبعد بضعة أيام من رفض المحكمة في نيويورك التهمة الموجهة ضد « أرض الله الصغيرة» كنت في مكان يبعد ستين ميلاً إلى الجنوب من نيو أورليانز أقاتل البعوض داخل كوخ من أكواخ صيادي القريدس المبنية على عوارض خشبية في مستنقعات خليج باراتاريا.
كنت كاتب سيناريو مبتدئاً في موقع التصوير مع وحدة الإنتاج السينمائي التابعة لشركة مترو- غولدوين ماير أما السبب في وجودي هناك فيعود إلى أن ماكس ليبر وليلاند هوارد قد عرفا بأني أنفقتُ آخر دولار أملكه من أجل القدوم إلى نيويورك لحضور إجراءات المحاكمة وشعر كل منهما أن من الأفضل لي أداء عمل لتحسين وضعي المالي..
من مذكرات أرسكين كالدويل ( اسمها تجربة)
الفقر إلى جانب التاريخ
هل أن سر اسطنبول هو أن تعيش الفقر إلى جانب التاريخ العظيم، ومقابل كل هذا الانفتاح على التأثيرات الخارجية تستمر بالحياة الجمعية وحياة الحي المنغلق على نفسه وكأنه سر، خلف الجمال النصبي الموجّه إلى الخارج، فيما تنبني الحياة اليومية على علاقات مهلهلة ومحطمة؟
من مذكرات أورهان باموق (اسطنبول ـ المدينة والذكريات)
حبة غبار
ذات يوم كنا نتأمل الغبار يتطاير عبر شعاع متسرب من إحدى النوافذ فقال «لا أحد يهمني حقاً. إن الآخرين يشبهون حبات الغبار هذه التي ترقص في الشمس. يكفي ضربة مكنسة قوية وإذا بهم يندثرون» وغالباً ما لاحظت أنه يعامل الناس بهذه الطريقة لكن لحسن حظي كنت حبة غبار صغيرة مزودة بحركة ذاتية ولم أكن بحاجة إلى ضربة مكنسة..
من مذكرات فرانسواز جيلو «حياتي مع بيكاسو»
وارد بدر السالم