بين «الشندغة» وماضيها القديم روحٌ حيةٌ لا تزال تنبض بالحياة الجميلة على ضفاف الخور. وبين المكان وروحه علاقة حب أزلية يمكن لنا أن نتلمسها؛ فالشندغة حكاية للمكان.

دائماً يُعاد مجدها الثاني في ذاكرة ثانية، بعيداً عن قصيدة الغوص الأثيرة وأغنية اللؤلؤ التي أتقنها بحّارة الماضي فلا تزال بقاياها شاخصة في عصر حلّ بها ولها وعليها وحولها ودارت دورته السريعة في فلك التاريخ والأساطير وخرائط الرحّالة وحكايات البدو الرحّل الذين صنعوا مجد المكان بروح الحاضر وأصالة الماضي. وليس مبالغة في القول إن دبي عبارة عن ماض التحق بالحاضر ومدّ قامته إلى المستقبل بشكل لا يخفى عن الأعين. لذا فهذه الإمارة الصغيرة الكبيرة تتجدد وتعيش أبهج انطلاقاتها الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، منبعثة من إرث نابض بالديمومة والبقاء.

رؤية الحداثة

لهذا ليس غريباً أن يطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي مشروع خور دبي الثقافي برؤية حداثية مستقبلية تشد الماضي إلى الحاضر لتفخر بقيم التأسيس الأول الذي كان زاهياً ببساطته وشفافيته، ليكون هذا المشروع علامة فارقة في العالم الثقافي ومبادرة نوعية لرسم صيغ المستقبل الثقافي الذي يرتبط بالهوية الثقافية الوطنية بدلالاته النفسية والتاريخية والاجتماعية والتراثية.

إحياء الشندغة هو إحياء لماض زاهر وزاخر بالتاريخ والتراث والثقافة والعمران رغم اتساع رقعة الإمارة بنشاطاتها الاقتصادية والتجارية التي جعلتها قبلة أنظار العالم، لكن المكان يزدهي بروحه القديمة وعبق الأصالة فيه.

لذا فالقادمون إليه يرونه شاخصاً كما هو بمفردات التراث التي تحكي زمناً قديماً ومبانيه التي لم تزل أمثولة عمرانية صمدت مع الزمن غير أن الزمن الجديد سيحيطها برعايته ثانية عبر ترميم مبانيها بأشكالها القديمة، لكن بحداثة الآلة ورؤية المستقبل ومفردات التكوين الحديث للمسارح وصالات العرض ومعاهد الثقافة والفنون والمتاحف، لتكون الشندغة؛ وهي الحارة الصغيرة التي تلاصق البحر وتعيش على رئته؛ درساً مثمراً منذ أن سكنته أسرة آل مكتوم منذ أواخر القرن الثامن عشر (1896) لتزيد من إصراره على البقاء والتحدي والاتساع والوصول إلى ساحل النجاة بفرادة نادرة.

القائمون على هذا المشروع الفريد من نوعه يرونه فرصة لإبراز الحضارة القديمة وصنوف التراث وأنماط المعيشة المختلفة والبنيان والتقدم والتطور والعمران والحداثة المعمارية والعالمية ولا تتوقف عند جعل دبي وعموم الإمارات مركزاً سياحياً عالمياً فالمشروع الجديد حالة نادرة يوفر فرصة ذهبية للاستفادة من زخم الإمارات التاريخي في ظل الواقع الجديد لخور دبي الثقافي والفني الذي يمثل خور دبي أكبر وأشمل مشروع ثقافي وفني في العالم.

مركز كبير للحضارات

يأتي مشروع خور دبي الثقافي، ليشكل الوجهة الأشمل في العالم والمركز الأكبر للحوار الحضاري الفاعل والمنتج. واحد وخمسون معلما ثقافيا، وأنه يشكل من دون شك إضافة نوعية ومتميزة إلى البنية الثقافية في الدولة ويعطيها زخما متميزا، هذه البنية التي تشهد نهضة غير مسبوقة وتعيش حركة نمو أحدثت فيها نقلة نوعية في الجانبين الكمي والنوعي على السواء.

قرية الغوص

تقع قرية الغوص في منطقة الشندغة وتم بناؤها إحياءً للتراث البحري الذي شكل محور النشاط في خور دبي ومركزها في عام 1997. تتكون القرية من عدة مبان تتخللها منطقة مفتوحة لعرض مكونات الحياة البحرية، كما تشمل على ساحة لعرض نماذج القوارب التقليدية، وتحيط بها محلات تجارية لبيع التحف ويوجد في القرية مطعم ومقهى شعبي بالإضافة إلى ساحة لإقامة المهرجانات.

72 معلماً ثقافياً

تكلفة مشروع خور دبي الثقافي نحو 184 مليار درهم وينفذ على مراحل بالتعاون بين القطاعين العام والخاص على مسافة 20 كيلومترا بدءا من منطقة الشندغة وحتى الخليج التجاري. يتضمن المشروع 72 معلما ثقافيا وتراثيا منها 10 متاحف و9 مكتبات عامة و14 مسرحا و7 معاهد فنية وثقافية و11 صالة فنية ودارا للأوبرا. وسيجعل من الخور الوجهة الثقافية هي الأشمل في العالم.

وارد بدر سالم