يدعو جان فلوري في كتابه الجديد «الإسلام ونهاية الأزمان» إلى نسيان علوم عصرنا وثقافته المنطقية العقلانية والغوص في أعماق الزمن لكي نفهم عقلية أسلافنا في العصور الغابرة. فهم ما كانوا يفكرون مثلنا ولا ينظرون إلى العالم نفس نظرتنا. مثلاً كان المسيحيون آنذاك يعتقدون بأن نهاية الزمن سوف تحصل عام 1000 للميلاد، أي قبل ألف سنة.
هذا الاعتقاد لم يكن حكرا على المسيحيين، بل إن المسلمين واليهود كانوا يشاركونهم نفس النظرة.. كان الجميع آنذاك محكوما بالنظرة القديمة لأن عصر العلم والتكنولوجيا لم يكن قد حصل أو ظهر بعد. ولذلك كانوا يعتقدون بأن يوم القيامة اقترب وأن نهاية العالم أزفت. وما علينا في هذه الحالة إلا أن نحضّر أنفسنا للقاء ربنا بعد أن انتهت الحياة على هذه الأرض. لتوضيح كل هذه الأفكار يقسم المؤلف كتابه إلى عدة أقسام وفصول. فالقسم الأول يتحدث عن النبوّة وعلم الآخرة قبل الإسلام. وفيه يستعرض جان فلوري موضوعات شتى كالنصوص التأسيسية لليهود والمسيحيين، وكيسوع ونهاية الزمن، وكوصف يوم القيامة في العهد الجديد أي في الإنجيل، الخ.
أما القسم الثاني فيتحدث عن تاريخ أوروبا المسيحية بدءا من ظهور النبي محمد صلى الله عليه وسلم والإسلام وحتى عام 1000 للميلاد. وهنا يخصص المؤلف فصلا كاملا للتحدث عن الهيمنة العربية على المشرق بعد الفتوحات الإسلامية ويعرض لنا نظرة المؤلفين المسيحيين في ذلك الزمان إلى هذا الحدث الذي أرعبهم وأزعجهم جدا. يقول بما معناه:
كان المؤلفون المسيحيون في ذلك الزمان ينتمون إلى طبقة الكهنوت في معظم الأحيان. وكانوا يفسرون الأحداث التي تقع في عصرهم على ضوء ما ورد في الكتاب المقدس: أي التوراة والإنجيل. ففي رأيهم انه يحتوي على القصص الصحيحة لشعب الله وعلى كل ما حصل وما سيحصل في العالم.
أليس هو كتاب معصوم من الخطأ والذي يعرف كل شيء؟ ولكن الكتاب المقدس لا يتحدث إلا عن الشعوب التي كانت تعيش في ذلك الزمان السحيق قبل ظهور العرب والإسلام على مسرح التاريخ. فكيف يمكن لنا إذن أن نفسر سبب هذا الظهور المفاجئ والانتصارات التي حققها المسلمون في سنوات معدودات؟ وكيف استطاع هؤلاء الأعداء أن ينجحوا ويكتسحوا البلاد التي كانت مسيحية في معظمها؟ نقصد بلاد الشام (سوريا)، والعراق، ومصر وبيزنطة، بل وحتى اسبانيا، الخ.
كان هذا السؤال يقض مضاجع السلطات المسيحية وكبار رجال الدين والمفكرين في ذلك الزمان. وكان يؤسفهم أن القدرة الإلهية سمحت لهؤلاء الناس بالقضاء على دين المسيح وإحلال الإسلام محله في هذه الأقطار. فكيف يمكن أن نفسر ذلك؟ بعض المؤلفين المسيحيين في القرون الوسطى قالوا ان الله عز وجلّ أراد أن يمتحن عباده الصالحين.
فهل هم قادرون على مقاومة هذا التحدي أم لا؟ وقال البعض الآخر ان ذلك كان عقابا للشعب المسيحي لأنه عصى أوامره وانحرف عن مبادئ الدين الصحيح. ولولا ذلك لكان سمح للمسلمين بأن يحققوا كل هذه الفتوحات على حساب المسيحية.ثم يردف البروفيسور جان فلوري قائلا: هكذا نلاحظ أن التفسيرات كانت أسطورية في معظمها لا تاريخية ولا علمية.
والسبب هو أن عقلية الناس في تلك العصور الوسطى كانت طفولية تؤمن بالخرافات والمعجزات وكأنها حقيقة واقعة. وهذا ما لم نعد ندركه نحن اليوم لأننا مغموسون بالعقلية الفلسفية أو الحسابية الرياضية والفيزيائية من أعلى رأسنا إلى أخمص قدمينا. ومعلوم أن المسيحيين واليهود كانوا آنذاك من ألد الأعداء. وكان المسيحيون يتهمونهم بأنهم قتلة المسيح. وهي أكبر تهمة في التاريخ.
وقد اضطهدوهم بسببها كثيرا وأما اليهود فقد رفضوا الاعتراف بالدين المسيحي أو بالمسيح. وظلوا مصرّين على أن دين التوحيد الوحيد الصحيح هو الدين اليهودي. وأما المسيحية فهي ليست إلا زندقة أو بدعة أو انشقاقا عن اليهودية. لهذا السبب تحارب اليهود والمسيحيون على مدار التاريخ قبل أن يتفقوا أخيرا في أوروبا ويصبحوا كتلة واحدة، وهي كتلة موجهة ضد العدو المشترك: أي الإسلام والمسلمين.
وفي القسم الثالث من كتابه يتحدث المؤلف عن المرحلة الثانية من العلاقات بين المسيحيين والمسلمين. وهي مرحلة الحروب الصليبية. في المرحلة الأولى كان العرب المسلمون هم المتفوقون والفاتحون والمنتصرون. وأما في المرحلة الثانية التي ابتدأت منذ القرن العاشر أو الحادي عشر فقد انعكست الآية. لقد أصبح المسيحيون هم المهاجمون.
والواقع أن الحضارة الإسلامية كانت قد بلغت أوجها في ذلك الزمان وأوشكت على الأفول. ولم تعد قوية مزدهرة كما كان عليه الحال سابقا. وابتدأ الانحطاط منذ القرن الحادي عشر بوصول السلجوقيين الأتراك إلى السلطة وتهميشهم للخليفة العباسي. ثم تراجعت الحياة الاقتصادية المزدهرة التي كانت دعامة الفقر الفلسفي والعلمي والعقلاني طيلة عدة قرون.
المؤلف في سطور
جان فلوري أستاذ علم التاريخ في الجامعات الفرنسية. وهو مختص أساساً بالعصور الوسطى والعلاقات بين الإسلام والمسيحية والحروب الصليبية. ويشرف البروفيسور جان فلوري حالياً على معهد الدراسات العليا للحضارة القروسطية في جامعة بواتييه. وكان قد نشر سابقاً عدة كتب لفتت الانتباه، نذكر من بينها: الحرب المقدسة (2001)، ثم: الحرب المقدسة، والجهاد، والحروب الصليبية (2002).
الكتاب: الإسلام ونهاية الأزمان
تأليف: جان فلوري
الناشر: سويل ـ باريس 2007
الصفحات: 309 صفحة
القطع: المتوسط
L'islam et la fin des temps
Jean Flori
Seuil-Paris 2007
P.444