يتناول كتاب (قضايا علمية معاصرة) للدكتور فتح الله الشيخ الأستاذ بجامعة سوهاج ثلاث قضايا علمية هي قضايا التكنولوجيا الحيوية (البيوتكنولوجيا) والاحتباس الحراري (الاحترار العالمي) والطاقة النووية التي برزت من خلال النصف الثاني من القرن العشرين وما زالت حتى يومنا هذا تثير الكثير من الجدل والمفارقات وتشابك وتضارب الأفكار بين المؤيدين والمعارضين.
ولهذه القضية تشعباتها من روافد وفروع، ولها نتائجها الطيبة وغير الطيبة. فهي تغطي طيفا عريضا من الاستخدامات يمتد من الطب والعلاج وإنقاذ حياة البشر إلى الحروب والقتل وإفناء البشر.
ويؤكد المؤلف أنه لم يحاول أن يفرض رأيا معينا على القارئ، بل عرضا لكل الآراء بحيدة وموضوعية ، وفى حدود الطبيعة البشرية التي يصعب جعلها محايدة في بعض الأحيان، لكنه أحيانا ينحاز لرأي دون الآخر. حيث يرى أن السياسة الدولية قد لعبت ومازالت تلعب وستلعب دورا محوريا في القضايا العلمية المطروحة في الكتاب.
ود.فتح الله أستاذ الكيمياء الفيزيائية بجامعة سوهاج. ألف وترجم العديد من الكتب والمقالات العلمية للمجلس الأعلى للثقافة ولدار العين للنشر بمصر ولعالم المعرفة بالكويت وللدار العربية بليبيا وللمنظمة العربية للترجمة ببيروت ، منها ترجماته لكتب (الكون الأنيق: الأوتار الفائقة ، والأبعاد الدفينة، والبحث عن النظرية النهائية) لبرايان غرين، و(إبداعات النار) لكاتي كوب،وهارولد جولد وايت، و(العلوم عند المسلمين) لهوارد د. تيرنر ويقول د.فتح الله : التعريف الموسوعي للعلم هو «مصطلح يشير إلى كل المعلومات والخبرة المكتسبة، وبالأخص تلك التي يمكن إثبات صحتها».
كما أن كلمة «علم» تصف أي «مجال منهج للدراسة أو المعلومات التي تجيء نتيجة تلك الدراسة». وبصورة أكثر تحديدا فإن كلمة «العلم» تشير إلى «منظومة اكتساب المعرفة المبنية على الفرضيات والتجريب والتنظير، كما تشير الكلمة إلى كم المعرفة الإنسانية المكتسبة بواسطة هذا المنهج البحثي».
وقد أخذ العلم يتطور منذ بداياته الأولى حتى أصبح أحد أعظم المجالات وأهمها وأقواها تأثيرا في مسيرة البشرية. وتقوم فروع العلم المختلفة اليوم باختبار ودراسة كل شيء تقريبا يمكن ملاحظته أو استنتاجه. وبذلك يشكل العلم طريقة فهمنا للعالم ولكوكبنا ولأنفسنا وللكائنات الأخرى.
ويطرح العلم قضايا عديدة في مراحل تطوره المختلفة، إما لدواعي التطور والتحديث والتقدم أو لفرط تقادم بعض المفاهيم والأفكار وإزاحتها عن ساحة الحضارة البشرية وإحلال غيرها محلها. والقضايا العلمية المطروحة اليوم عديدة ومتنوعة: فمن التكنولوجيا الحيوية وتاريخها ودورها وتطبيقاتها المتعددة التي تثير كل منها قضايا وقضايا، إلى الخلايا الجذعية.
وهي شعبة من التكنولوجيا الحيوية، وما تثيره من قضايا أخلاقية وعلمية وطبية؛ إلى ظاهرة الاحتباس الحراري أو الاحترار العالمي وتراكم ثاني أكسيد الكربون وغازات الصوبة الزجاجية الأخرى، والأفكار والآراء التي تعارض أو تؤيد الظاهرة نفسها وتفند أو تدعم أسبابها وتداعياتها؛ إلى الطاقة النووية واستخداماتها السلمية والعسكرية والأحداث الدموية التي أحاطت بكل ذلك وملابسات التوصل إليها ومستقبلها.
ويضيف: هناك من القضايا العلمية الكثير والكثير الذي مازال محل خلاف مثل قضية نشوء الإنسان وارتقائه، وقضية اختفاء الديناصورات، وقضية الحياة خارج كوكب الأرض، وقضايا استعمار القمر أو المريخ أو قاع المحيط كمجالات حيوية مستقبلية للبشر، وقضية البيئة والحفاظ عليها واسترجاع مساحات الغابات المطيرة التي اختفت، وقضية التصحر وتآكل التربة الزراعية، وغيرها وغيرها الكثير.
وإذا كان من الممكن أن تتكرر نوعيات الكوارث والأخطار التي حاقت بالأرض في الماضي القريب أو الماضي السحيق، فإن هناك نوعيات محددة من كوارث وأخطار لم يعرفها كوكب الأرض ولا البشرية من قبل.
تلك هي الكوارث المرتبطة بالتطور التكنولوجي الذي حدث ويحدث الآن بوتيرة متسارعة، وكذلك الأخطار التي جاءت مع التقدم المفزع في «صناعة القتل»، أي في صناعة أدوات الحرب والقتال، والكارثة الكبرى كذلك التي قضت على أكثر من مائتي مليون من البشر في القرن العشرين، وهي الحكومات، قد ساهمت بشدة في نوعيات الأخطار التي جاءت بها الحضارة البشرية، سواء عفويا أو بتعمد وعن قصد. وسنأتي هنا على ذكر بعض هذه الكوارث.
قد تؤدي القدرة النووية إلى ثلاثة أنواع من الكوارث: التلوث الإشعاعي، والتفجيرات النووية المحدودة، والحرب النووية الشاملة. ويخضع المخزون من السلاح النووي في الدول الصناعية المتقدمة لسلسلة من خطوات التأمين ضد الأخطاء العشوائية، لكن ما تملكه دول أخرى في شبه القارة الهندية أو الشرق الأوسط قد يتسبب في كارثة تذهب بأرواح عدة ملايين وتدفع المنطقة للخلف عقودا طويلة من الزمن.
أما قيام حرب نووية شاملة فقد يحصد مئات الملايين من البشر مخلفا وراءه شتاء نوويا سيحصد هو الآخر ـ بالإشعاع والجوع والأمراض ـ مئات الملايين. وسيستغرق الأمر قرنا أو أكثر لتستعيد الأرض اتزانها وصحتها، في الوقت الذي سيتراجع فيه التقدم العلمي والتكنولوجي وكل الإنجازات الحضارية المادية قرونا إلى الخلف.
قد يتمكن شخص ما أو عدة أشخاص في المستقبل من تصميم وتنفيذ كائن دقيق (فيروس أو ميكروب) للقضاء على الجنس البشري. لكن، ليتمكن حتى من مجرد المحاولة لا بد لهذا الكائن أن يتمتع بمجموعة من الخصائص مثل: الانتقال بسهولة من شخص لآخر، والانتشار السريع، ومقاومة المؤثرات البيئية، ومقاومة المضادات الحيوية وآليات المناعة في جسم الإنسان، وأن يتسبب في القضاء على من يصيبهم بنسبة 100 %. لكن، ليس بهذه البساطة يمكن القضاء على الجنس البشري، فسيستغرق الأمر عدة أشهر سيتمكن الإنسان خلالها من التغلب ـ سلبا أو إيجابا ـ على القاتل.
يخشي بعض الناس من الاندماج بين الإنسان الآلي والذكاء الصناعي وذلك تحسبا من نشوء جنس جديد يتسيد ولا يسمح للبشر بالتحكم في الموارد أو حتى التنافس معه عليها. لكن لا محل لهذه المخاوف، فالذكاء الصناعي لن يتضح تطوره النهائي قبل سنة 2200 ولن يتطور مباشرة إلى الذكاء الفائق.
وحتى لو حدث التكامل بين الذكاء الصناعي والحياة الصناعية بحلول القرن الثالث والعشرين، فإن الوقت والحاجة إلى الطاقة ستضع ضغوطا على الأشخاص الصناعيين تجعلهم أقل مقدرة على تسيد العالم من أجناس البشر (الأشخاص الطبيعيين).
ولن يكون في مقدور أول مسبار فون نيومان تبدعه البشرية أن يتغلب على دفاعات الأرض حتى لو أراد وحاول ذلك. ولكي تصبح هذه الـ فون نيومان مصدر خطر حقيقي، فإن عليها أن تتزود بذكاء حقيقي وتفوق عسكري على البشرية. ومثل هذا النوع لن يشارك في تحالف عدواني مع غرباء من خارج الأرض.
قد تصبح النانوتكنولوجيا أو التكنولوجيا فائقة الصغر، التي تتكاثر بنفسها (أي التي تنتج مثيلاتها دون تدخل من الإنسان) سرطانا للمحيط الحيوي لكوكب الأرض، فتقوم بإحلال «الحياة النانوتكنولوجية» محل حياة الحمض الريبونووي. وستكون محددات انتشار مثل هذه الحياة، مثل أي شكل آخر من أشكال الحياة، هي إمكانية الحصول على الطاقة التي يمكن استخدامها والمواد الضرورية للبناء.
وحيث إن أية مادة عضوية ستكون صالحة للاستخدام، فإن المحدد الأولي الذي سيضع القيود على الكيفية التي ستستهلك بها النانوتكنولوجيا الحياة العضوية سيكون إمكانية الحصول على الطاقة القابلة للاستخدام. وفي هذا الصدد فإن الوقود الحفري (كمصدر للطاقة) لا يتواجد في كل الأماكن، كما أن طاقة الاندماج النووي ليست سهلة الحمل والتنقل بها، وهكذا سيلجأ السرطان النانوتكنولوجي، تماما مثل الكائنات الريبونووية، إلى ضوء الشمس كمصدر للطاقة متاح في جميع الأماكن ولا تحتاج الـ «نانوكائنات» لحمله والتنقل به.
ومن المعروف أن التخليق الضوئي في الكائنات الريبونووية يقتنص 10 % فقط كحد أقصى من الطاقة الشمسية الساقطة عليها، بينما ستتمكن الكائنات النانوتكنولوجية من اقتناص 50% من هذه الطاقة على الأقل. ولا توجد طريقة لإيقاف السرطان «النانو» إلا بقطع إمداداته المادية أو حجب الطاقة عنه أو بالتدخل المباشر في آلية استخدامه للطاقة والمادة.
*الكتاب: قضايا علمية معاصرة
*الناشر:دار العين للنشر
القاهرة 2008
*الصفحات: 224 صفحة من القطع المتوسط
محمد الحمامصي