ايان شامبيرز هو أستاذ في كلية الآداب والفلسفة في المعهد الجامعي الشرقي في نابولي بإيطاليا، وهو أحد الباحثين المعروفين في ميدان الدراسات الثقافية، كما أنه عضو في مجموعة جامعة برمنغهام للدراسات في الميدان نفسه .
يكتب ايان شامبرز باللغتين الانجليزية والإيطالية وهو ذو اهتمامات متعددة المشارب ، فضلا عن الثقافة، الموسيقى والعمارة والمسائل العمرانية. له العديد من الكتب من بينها إيقاعات مدينية: موسيقى البوب والثقافة الشعبية، و«حوارات مباشرة: يوميات ما بعد الحداثة»، تمّت ترجمة أعماله إلى العديد من اللغات.يقدم ايان شامبرز في هذا العمل الجديد «معابر متوسطية» رؤية متعددة الجوانب، ومتعددة أدوات البحث ومشاربه، لمنطقة حوض البحر الأبيض المتوسط من زاويتين أساسيتين هما التاريخ والثقافة وتداخلاتهما.
ويبدأ بالإشارة إلى أن البحر المتوسط قد بُدئ بالتعامل معه كـ «مفهوم» ثقافي في أوروبا ابتداءً من القرن التاسع عشر. لكن كموضوع دراسة فيتم اعتباره كـ «نتاج» لتصنيفات جغرافية وسياسية وتاريخية.
ما يؤكد عليه المؤلف هو أن البحر الأبيض المتوسط لم يكن مجرّد معبر للتجار والجنود والقراصنة وإنما كان أيضا، وعبر تاريخه الطويل، ملتقى للشعوب المحيطة فيه ولثقافاتها. ويتم التركيز أيضا على أنه كان بوتقة لغوية وأدبية وموسيقية وفكرية للثقافات العربية واللاتينية والتركية واليهودية. ويتم التركيز أيضا على أنه كان أيضاً معبراً للأشخاص وللبضائع وخاصة للأفكار. وهذا ما تريد أن تتجاهله، حسب رأي المؤلف، وجهات النظر المتزمتة التي شاعت خلال قرون طويلة من الزمن.
ويولي المؤلف اهتمامه لدراسة العلاقات بين أبناء حوض المتوسط بما عرفه تاريخهم عن مجابهات ومن أشكال تواصل، وخاصة في الفترة ما بعد الاستعمارية، وهي الفترة التي كان قد خطّها عمليا بدراساته.
وهو يؤكد في هذا السياق على ضرورة إعادة فتح ملف التاريخ وإعادة النظر ذلك عبر إليه ليس سهماً عبر الزمن الفارغ وإنما كشهادة متشابكة وغير مكتملة للحياة كما سارت داخل إطار عالمي. أي بتعبير آخر عدم القبول دون أي نقاش للمقولات التاريخية الشائعة التي (كتبها المنتصرون).
ومن الأفكار التي تتردد في الشروحات المقدمة هناك التأكيد على أن الثقافات هي باستمرار نوع من تصفية حسابات جارية وأفعال تتصادم فيما بينها أو تتلاقى.
وفي الحالتين يكون الحوار مستمرا ولو كان حسب آليات متباينة. ولذلك يتم التأكيد على أهمية دور المراقب الذي يهتم بتفحّص خرائب الزمن مثلما تفحص التماثيل المشادة هنا وهناك. نقرأ: ينبغي أن تتخلّى كل ثقافة عن بعض تشددها وأن تنسى بعض ما كانت قد حفظته عن ظهر قلب وأن تصبح هي نفسها أقل نرجسية.
إن البحر المتوسط كما يراه المؤلف يبدو كنسيج متعدد الخيوط، أو ك«مرآة متعددة الأوجه». إنها رؤية مبعثرة تليق جيدا بـ «مفترق طرق» أو بـ «معابر متعددة الاتجاهات. هذا على الرغم أن المتوسط هو بحر مغلق إنما تعيش على جوانبه شديدة الاختلاف ولكنها في الوقت نفسه شديدة التشابه.
وبكل الحالات إن هذه الشعوب التي، وإن كانت تعيش جنبا إلى جنب أو بعضها في مواجهة البعض الآخر فإنه محكوم عليها بـ «التعايش معاً»، لاسيما وأنها تواجه إلى حد كبير في المشاكل نفسها ولها بالخط العريض « التطلعات نفسها».
ويؤكد المؤلف في هذا السياق على وجود نوع من الجدل بين التقليد والحداثة في المجال الثقافي المتوسطي، وذلك بالمعنى الذي تشمل فيه الثقافة المعارف والمعتقدات والفنون والعادات ومجمل ما يمكن للبشر أن يكتسبوه داخل المجتمعات التي يعيشون فيها. وهذه الميادين كلها، ودون أي استثناء حسب الشروحات المقدمة، خاضعة لمبدأ التثاقف، أي للتأثير المتبادل فيما بينها. والنتيجة هي أن الفعل الإنساني، أي الثقافي في نهاية التحليل، يشارك في تطوير الهويات الثقافية باتجاه التقريب بينها.
إن هذا الجدل بين التقليد والحداثة يبدو أكثر حدّة في الطرف الجنوبي من البحر الأبيض المتوسط، أي في البلدان العربية الإسلامية وتركيا، وذلك أن الغرب، أي في شمال البحر المتوسط، قد خاض عمليا معركة الحداثة وانتصر فيها إلى هذه الدرجة أو تلك، بل وتتم الإشارة إلى أن الحداثة نفسها التي شكّلت عامل التوحيد الأهم في أوروبا، هذا في الوقت الذي شكّلت فيه عامل (تفريق) في العالم العربي ـ الإسلامي.
بالتوازي مع النقاش المتعلق بالجدل بين التقليد والحداثة يتم التأكيد على نقاش آخر بين ما هو كوني يونيفرسال وما هو «خصوصي». البعد الكوني أصبحت له دلالته ذات الصلة بـ «العولمة». الفكرة التي تتردد في هذا السياق تتمثل في التركيز على مفهوم الجرعة والذي يتحدد على أساسها الذهاب في اتجاه أو في آخر.
إن الإغراق في التأكيد على الخصوصية، أو الخصوصيات، يستدعي الانكفاء على الهوية وبالتالي رفض الآخر، والإغراق في التأكيد على البعد الكوني يعني مواجهة الإشكاليات التي تطرحها العولمة كظاهرة متعددة الأوجه. وهي لا تقتصر على الاقتصاد لكنها تشمل مختلف مناحي الحياة بحيث أن العالم يشكل سوقاً واحدة وثقافة واحدة مع القيم نفسها.
ويتم التأكيد على أنه إذا كان حوض المتوسط قد شهد فترات عديدة ازدهرت فيها العلاقات والمبادلات على صعيد الاقتصاد وعلى صعيد الثقافة، فإنه لا بد للعولمة الراهنة من أن تزيد من جرعة التبادل، أو من تسارع الحركة بالنسبة للسلع والخدمات والبشر ورؤوس الأموال والتكنولوجيات، ولكن أيضا وخاصة القواعد الثقافية.
إن العولمة مرتبطة عمليا مع الانتشار الكبير للنشاطات الإنسانية وتداخلها مما يؤدي في نهاية المطاف إلى أن المجتمعات، ومهما كانت درجة تبايناتها الثقافية، تواجه عمليا في الأنماط نفسها من المشاكل، ووجود مجتمع إنساني واحد يعني بالضرورة أيضا مواجهة في الأخطار نفسها.
من جهة أخرى، تفترض العولمة تبنّي بعض القيم المشتركة في مقدمتها الديمقراطية واقتصاد السوق والبنى الثقافية والاجتماعية الليبرالية. لكن إمكانية استقبال مثل هذه القيم تختلف من منطقة إلى أخرى، وهي تجد مقاومة حقيقية عندما تبدو مرادفة إلى هذه الدرجة أو تلك، لتعميم النموذج ـ الموديل ـ الغربي، بل وبدقة أكبر في السياق الحالي، تعميم النموذج الأميركي، أو ما يسمى بـ «أمركة» العالم.
إن مؤلف هذا الكتاب يؤكد عبر التحليلات التي يقدمها على أن البحر المتوسط قد شهد، طيلة تاريخه، تيارات ثقافية وتاريخية متنوعة، وبذلك يتجاوز «تاريخه» جميع المستلزمات والشروط المباشرة التي تفرضها النزعات القومية أو الهويات المنكفئة على ذاتها. مما يسمح بالحديث عن انتماء متوسطي لأبناء هذه المنطقة يتجاوز خصوصياتهم القومية والعقائدية.
وعلى ضوء مثل هذا الانتماء يمكن، حسب رأي المؤلف، القيام بنوع من إعادة النظر في الماضي والحاضر وتصور المستقبل بطريقة تتجاوز حدود الفكر الغربي السائد حيال المتوسط ولعل من أهم مميزات هذا العمل هذا العبور الذي يقوم به المؤلف بين الماضي والحاضر، وبين ما هو فردي إلى ما هو عام وشامل وبحيث يبدو الأفراد والشعوب بمثابة كيانات تتداخل وتتفاعل.
وهذا كله على خلفية وصف منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط بأنها منطقة تعجّ بالتناقضات وبالتشابهات، مما يجعلها بالتالي منطقة مستعصية إلى حد كبير على مختلف التصنيفات ويتطلب فهمها، بالضرورة، الاعتماد على رؤية شاملة لما أنتجته هذه المنطقة من العالم من فلسفة وأدب وموسيقى وقصص وأساطير شعبية وفنون وسياسات وحروب. وهذا كله في لحظة معينة من التاريخ، ذلك أن التبدل هو إحدى السمات الثابتة في هذا المفترق الثقافي المتطور باستمرار.
كتاب يجمع مؤلفه بين صفتي الخبير بمختلف التيارات الفكرية والثقافية والفلسفية التي عرفها حوض البحر الأبيض المتوسط عبر تاريخه، والمراقب الذي يسجل كل دقائق الحياة اليومية لسكان هذه المنطقة ولاهتماماتهم.
*الكتاب: معابر متوسطية، سياسات حداثة مقطوعة
*الناشر:جامعة دوك 2008
*الصفحات:181 صفحة من القطع المتوسط
Mediterranean crossings : the politics of an interrupted modernity
Iain Chambers
Duk University Press 2008
P.181