مؤلف هذا الكتاب هو عادل الجوجري رئيس تحرير مجلة الغد العربي، ومدير المركز العربي للصحافة والنشر، ويهتم بالكتابة عن سيرة وأعمال بعض الشخصيات السياسية التي تلعب أدواراً هامة في بلدانها، حيث أصدر في هذا المجال كتاب «النمر الآسيوي ـ مهاتير محمد ـ من شاب متمرد إلى بطل إسلامي، 2004 و«كتاب» أحمدي نجاد ـ رجل في قلب العاصفة، 2006».
وفي كتابه الذي بين يدينا يهتم بسيرة حياة وأعمال الزعيم الكوبي فيدل كاسترو، حيث يعرض لنشأته وانخراطه في العمل السياسي الثوري، وتزعمه الثورة الكوبية، ثم حكمه لكوبا المستمر منذ عام 1959 إلى بداية العام 2008 الحالي، حيث استقال فيدل كاسترو من رئاسة كوبا ومن قيادة الجيش في 19/2/2008 بعد صراع دام 19 شهراً مع المرض والهرم و تولى الحكم بدلاً منه شقيقه راؤول كاسترو.ينتمي فيدل كاسترو إلى أسرة أحد ملاك مزارع قصب السكر الكوبيين، حيث ولد في 13 أغسطس 1927 في مزرعة «بانكار» الواقعة في ضاحية مدينة «بيران» والتابعة لقضاء «مياري»، أمه أصلها لبناني، وجده اسكندر روز أو روس كان تاجراً حراً، عاش في بيروت، وتجول في مصر والعراق قبل أن يرحل إلى كوبا.
أما شقيقه راؤول فولد بعده بأربعة أعوام. والتحق كاسترو بالمدرسة الابتدائية في دولر في سنيتاغو رغم أن الأولاد أقرانه كانوا لا يلتحقون بالمدارس الخاصة، التي تستلزم دفع مصاريف كبيرة مقارنة بمستوى الدخل، ولكن والد أنجلو كان يملك مزرعة للقصب في المقاطعة الشرقية.
وهي مزرعة انتزعها من قلب الغابة بعرقه، وبالتالي كان الأب ميسوراً، فدفع ابنه إلى دراسة عالية المستوى على أيدي الآباء اليسوعيين، الذين زرعوا فيه حب قراءة التاريخ، وعلموه أن السيد المسيح جاء إلى الناس بثورة تبدل أفكارهم وتنقلهم من الظلمات إلى النور.
كان كاسترو في صباه يعلق على صدره سلسلة ذهبية عليها فيها صورة لمريم العذراء، وكان يحرص على الطقوس الدينية، وقد تزوج في الكنيسة، ويقال إنه تأثر كثيراً لما طلبت زوجته الطلاق وهو في غياهب السجن بسبب مواقفه الثورية. وعشق كاسترو في صباه هواية تربية ديوك المعارك.
وفي 1947 قاد أول تظاهرة ضد نظام الديكتاتور باتيستا، وشارك فيها مئات الطلاب، وكانت في إحدى المقاطعات، لكن التظاهرة فشلت لأنها لم تنجح في استقطاب المواطنين إلى صفوفها.
وحاول كاسترو ورفاقه من دون أن تكلل محاولته بالنجاح، الإطاحة بحكم الجنرال فولجنسيو باتيستا في 26 يوليو 1953، الأمر الذي أسفر عن إيداعه السجن لمدة عامين. و لدى إطلاق سراحه توجه إلى المكسيك للتخطيط للقيام بغزو كوبا، وفي ديسمبر 1956 بدأ حملة حرب عصابات أسقطت حكم باتيستا بالفعل، فهرب باتيستا إلى جمهورية الدومينيكان. وبدأت مرحلة جديدة في حياة الشعب الكوبي، وكما يقولون عادة أن ما بعد الحرب أو الثورة أصعب أو أن المحافظة على النصر أصعب من الحصول عليه.
شغل كاسترو منصبي رئيس كوبا و رئيس وزرائها منذ 1959، ولفت أمران نظر من استمعوا لفيدل كاسترو للمرة الأولى، الأمر الأول هو قدرته الرهيبة على استقطاب مستمعيه، والآخر هو هشاشة صوته. وقد خلص أحد الأطباء، لدى سماعه ذلك الصوت المبحوح، إلى أنه حتى من دون الخطب الماراثونية، التي تتدفق منه باستمرار، فإن من المقدر لفيدل كاسترو أن يفقد صوته في غضون خمس سنوات.
وعقب فترة قصيرة، وعلى وجه التحديد في أغسطس 1962، بدا أن هذا التشخيص قد تلقى أول تأكيد مثير للانزعاج له عندما احتبس صوته بعد إلقائه لخطاب أعلن فيه تأميم الشركات الأميركية. لكن تلك كانت نكسة مؤقتة لم تتكرر. وقد انقضت سنوات عديدة منذ ذلك الحين.
يرى المؤلف أن كاسترو قارئ شديد الشغف بالكتب حتى ليلتهمها التهاما. وما من أحد بمقدوره أن يوضح الكيفية التي يمكنه بها أن يجد الوقت أو أي سبل يستخدمها ليقرأ كثيراً، على الرغم من أنه يشدد على أنه ليس هناك شيء مميز فيما يتعلق بهذا الجانب.
في سياراته، ابتداء من الأولدزموبيل العتيقة للغاية، وصولا إلى سيارات (الزيل) السوفييتية المتتابعة، حتى سيارات المرسيدس الحالية، هناك على الدوام ضوء للقراءة ليلاً. وعديدة هي المرات التي أخذ فيها كتاباً في ساعات ما قبل الفجر و عقّب عليه في صباح اليوم التالي.
لاشك أن ثورة كاسترو دخلت التاريخ باعتبارها ثورة من أجل تحرير الإنسان الكوبي من الفقر والاستغلال والعبودية، وفي المقابل هي ثورة من أجل التنمية والتقدم ورفع مستوى المعيشة، ودخول الإنسان الكوبي إلى العصر بكل ما فيه من تقدم.
وبصدد علاقة كاسترو مع تشي غيفارا، يرى المؤلف أن «تشي» كانت له نظرة مثالية إلى الإنسان الاشتراكي الغريب، في مجتمع تجاري، وإنه كان يحكم بقسوة على النجاح الصناعي في الاتحاد السوفييتي فيقول: «كل الناس تعمل وتكد وتنشط لتتجاوز نفسها، لكن الهدف الوحيد هو الربح. وأنا ضدّ الربح، ومع الإنسان.
ماذا يفيد المجتمع، أي مجتمع، إذا ربح الأموال و خسر الإنسان». وكان غيفارا قد التقى في المكسيك مع راؤول الذي كان ماركسياً مثله، بينما كاسترو كان وطنياً مسيحياً، ثم صار الثلاثة نواة الثورة.
وفي مارس 1965، عاد غيفارا إلى هافانا بأفكار جديدة، بعضها انتقادي للاتحاد السوفييتي، وتحمل ميلاً إلى النموذج الصيني الذي كان غيفارا يسميه «النقاء الصيني»، وبسبب حرص كاسترو على علاقات مميزة من الاتحاد السوفييتي انتهى الأمر إلى مغادرة غيفارا كوبا وتركه لجميع مناصبه فيها.
ويؤكد المؤلف أن غيفارا لم يكن خلال الفترة التي تقلد فيها مناصب وزارية ذات علاقة بالاقتصاد والتخطيط هو «رجل الثورة الكوبية الاقتصادي» فحسب، بل كان رجل المهمات السرية والخاصة.
حيث كان كاسترو يرسله كدبلوماسي متجول إلى الأرجنتين والأمم المتحدة وجنيف وإلى دول العالم الثالث، فقابل عبد الناصر ونهرو وسوكارنو، ووقع في موسكو سنة 1962 الاتفاق السري الذي سوف يؤدي إلى نشر الصواريخ السوفييتية في كوبا، وما سينتج عنها من توتر دولي، حيث أراد الاتحاد السوفييتي، في ذلك الوقت، أن يقوم بنشر صواريخ بالستية، كي تحول دون محاولة الولايات المتحدة من غزو الجزيرة.
وفي 15 اكتوبر عام 1962، اكتشفت طائرات التجسس الأميركية منصات الصواريخ السوفييتية في كوبا، ورأى الساسة الأميركيون فيها تهديداً مباشرا للولايات المتحدة نتيجة المسافة القصيرة التي تفصل بين كوبا والولايات المتحدة (حوالي 90 ميلاً).
وقامت البحرية الأميركية بتشكيل خط بحري يعمل على تفتيش السفن المتوجة إلى كوبا. وفي 27 نوفمبر عام 1962، بعث الرئيس الكوبي كاسترو برسالة خطية للرئيس السوفييتي يحثه فيها على شنّ هجوم نووي على الولايات المتحدة الأميركية، ولكن الاتحاد السوفييتي لم يستجب لهذا الطلب.
وقام الاتحاد السوفييتي بإزالة الصواريخ الكوبية شريطة أن تتعهد الولايات المتحدة الأميركية بعدم غزو كوبا، وكذلك التخلص من الصواريخ البالستية الأميركية في تركيا. وباستتباب الأمن وزوال الخطر، اتسمت العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية وكوبا بالعدائية، واستمرت الولايات المتحدة بدعمها لمحاولات اغتيال كاسترو.
ويذكر المؤلف العديد من المحاولات الأميركية لاغتيال كاسترو، حيث يورد ما جاء في كتاب «المشروع الكوبي» لوليام تيرنر من مكتب التحقيقات الفيدرالية، الذي أفاد بأنه جرت 15 محاولة لقتل كاسترو في عامي 1959 ـ 1961، وأن معظم المؤامرات كانت تنطلق من قاعدة غوانتانامو البحرية، التي استأجرتها أميركا في غفلة من الزمن ولا تريد إعادتها لأصحابها.
وفي عهده المديد، تولى الرئاسة في الولايات المتحدة عشرة رؤساء هم على التوالي: دوايت ايزنهاور، جون كنيدي، ليندون جونسون، ريتشارد نيكسون، جيرالد فورد، جيمي كارتر، رونالد ريغان، جورج بوش الأب، بيل كلينتون، وأخيراً جورج بوش (الابن).
كتب كاسترو مرة رسالة إلى زميل له في العام 1958 قائلا أنا ذاهب لإطلاق آخر وأطول حرب موجهة ضدهم الأميركيين. ويسخر كاسترو من الانتخابات الأميركية والنزعة الاستهلاكية لديهم والميل لتغيير السيارات كل بضع سنوات واللامبالاة بالنسبة للمجتمع الأقل حظاً.
ومن المعروف أن الإدارات الأميركية المتعاقبة، قدمت ملايين الدولارات لدعم المعارضة الكوبية، وإسقاط نظام الرئيس الكوبي كاسترو، إلا أنها فشلت في تحقيق أي تقدم في هذا الطريق بعد أن قامت 600 محاولة.
وبدأت في يوليو 2006 ما أطلقت عليه خطة «تعزيز الديمقراطية في كوبا» من خلال صندوق رأسماله 80 مليون دولار لتمويل الجهود الرامية إلى تحقيق ذلك. وفي 20 اكتوبر 2004، سقط كاسترو من منصة أمام عدسات الكاميرا بعد إلقائه خطاباً في «سانتا كلارا»، فكسرت ركبته اليسرى وأصيبت ذراعه اليمنى برضوض.
وفي 31 يوليو 2006 أجريت له عملية جراحية لإيقاف نزف في المعدة، واضطره إلى التنحي عن السلطة مؤقتاً وتسليم سلطاته إلى شقيقه راؤول، الذي يبلغ من العمر 75 عاما، وذلك للمرة الأولى منذ تسلمه السلطة عام 1959.
*الكتاب: فيدل كاسترو.. الأب الروحي للثورة ومحرر أميركا اللاتينية
*الناشر: دار الكتاب العربي القاهرة، دمشق 2007
*الصفحات: 335 صفحة من القطع الكبير
عمر كوش