أشرف على تأليف هذا الكتاب الضخم بيير ـ ايتيين ويل الأستاذ في الكوليج دو فرانس وميري ديلماس ـ مارتي الأستاذة في جامعة السوربون. وشارك فيه ما لا يقل عن عشرة باحثين آخرين.
وربما كان أضخم كتاب في اللغة الفرنسية عن الصين وحاضرها ومستقبلها. والسؤال المطروح هو التالي: هل ستتوصل الصين إلى الديمقراطية مثلما توصلت إلى الرأسمالية؟ بمعنى آخر: هل ستؤدي الرأسمالية الاقتصادية بشكل أوتوماتيكي إلى الليبرالية السياسية والديمقراطية؟ ومعلوم أن بعض الأطروحات الماركسية تمشي في هذا الاتجاه وتقول إنه لا يمكن أن يتغير الاقتصاد دون أن ينعكس ذلك على السياسة.وهذا ما كان يتوقعه الكثيرون، ولكن يبدو أن الأمور أكثر تعقيدا من ذلك. فالصين قارة لوحدها والرأسمالية لم تكن نافعة للجميع. فمئات الملايين من سكان الأرياف لا يزالون فقراء مدقعين. ووحدهم سكان المدن أو بعض شرائحهم استفادوا من الفورة الاقتصادية والانفتاح على الرأسمالية منذ عام 1980 في عهد دينغ هسياو بينغ؟
بل وظهرت طبقة من الأغنياء الجدد الفاحشة الثراء. وهي التي تمضي عطلتها السياحية في عواصم الغرب من باريس إلى لندن إلى برلين إلى نيويورك وتشتري العطور وأحدث أنواع السلع الاستهلاكية والكمالية بثمن باهظ.
ثم يردف المشرف العام على الكتاب قائلا: لا ريب في أن الصين استفادت من العولمة الرأسمالية وعرفت كيف تسيطر على اقتصاد السوق والتكنولوجيا العالية بسرعة مدهشة.
ولا ريب في أنها استدركت تأخرها بالقياس إلى الغرب وإلى اليابان في ظرف سنوات معدودات: عشرين سنة فقط. والكثيرون يتوقعون لها مستقبلا باهرا بل وأن تصبح القوة العظمى الأولى في العالم بعد ربع قرن أو ثلاثين سنة. ولكن على الرغم من كل هذه النتائج الباهرة والآفاق الواسعة إلا أن الصين لا تزال بلدا من بلدان العالم الثالث من الناحية السياسية.
فهي لا تزال محكومة بشكل استبدادي من قبل الحزب الشيوعي الصيني. وبالتالي فلا توجد فيها تعددية حزبية ولا صحفية ولا تناوب على السلطة ولا أي شيء مما يميز الدول الديمقراطية عادة. وبالتالي فهناك تناقض بين النجاحات الصارخة التي تحققها الصين على الصعيد الاقتصادي والجمود السياسي إن لم نقل الانغلاق الكامل من الناحية السياسية. وهذا انسداد خطير لا يمكن أن يدوم طويلا. وقد ينتهي بالانفجار كأي انسداد.
فهل يمكن أن يستمر الأمر على هذا النحو إلى أبد الآبدين؟ ألن تتغير الصين سياسيا أيضاً مثلما تغيرت اقتصاديا؟ وهل يمكن لها أن تنفتح اقتصاديا وتظل منغلقة سياسيا؟ ألا يتعارض ذلك مع المبادئ الماركسية للتطور البشري؟ أسئلة كثيرة تطرح على حاضر الصين ومستقبلها. وللإجابة عنها فإن الباحثين المشاركين قسموا الكتاب إلى العديد من الأجزاء والفصول. فالمقدمة كتبها المشرف العام على الكتاب البروفيسور بيير ـ ايتيين ويل.
يليها الجزء الأول تحت عنوان: التراث وإعادة البناء؟ وقد كتبه الباحث المذكور أيضا. وهنا يطرح إشكالية طالما شغلت المفكرين في الغرب والشرق: هل التراث الصيني عبء على النهضة والديمقراطية السياسية؟ هل يعرقل مسيرة الصين نحو التوصل إلى نظام سياسي تعددي، حر، ديمقراطي؟ هنا نجد أطروحتين متعاكستين لدى المثقفين الصينيين أنفسهم.
فاتباع الهوية والتراث يقولون لك بأن عقيدة الصين هي الفلسفة الكونفوشيوسية الموروثة منذ آلاف السنين وستبقى. وهي عقيدة مختلفة عن عقيدة الغرب من كافة النواحي. فالعقلية الصينية ليست قائمة على النزعة الفردية كما في الغرب وإنما على القيم العائلية والجماعية واحترام الصغير للكبير. وبالتالي فنظرية حقوق الإنسان التي يتباهى بها الغرب لا تنطبق على الشعب الصيني.
فلكل مجتمع قيمه وعاداته الراسخة ولا ينبغي فرض النموذج الغربي على كل الشعوب. ينبغي احترام خصوصياتها وهوياتها الثقافية. وبالتالي فليكف الغرب عن مهاجمة الصين والتشهير بها والقول بأنها لا تحترم حقوق الإنسان، الخ.
فالصين لديها تصور آخر عن حقوق الإنسان. وينبغي على الغرب أن يفهم ذلك. فحضارته ليست مطلقة ولا كونية على عكس ما يزعم وإنما نسبية.
هذا هو باختصار شديد موقف أتباع الأصالة والخصوصية التراثية الكونفوشيوسية في الصين. ولكن هناك تيار آخر مضاد له هو تيار التحديثيين أو المستغربين: أي المعجبين بالحضارة الغربية والذين يريدون نقل قيمها إلى الصين. وهؤلاء يقولون لك بأن الكونفوشيوسية هي سبب جمود الصين وتخلفها المزمن. وبالتالي فما على الشعب الصيني إلا أن يتخلى عن تراثه القديم ويتبنى الحداثة كنموذج أول وأخير للتطور.
وعلى هذا النحو تدور المعارك الفكرية في الصين بين أتباع التراث وأتباع الحداثة. وكل واحد يتهم الآخر بتهمة معينة لتشويه صورته. فالتراثيون يتهمون التحديثيين بالتبعية للغرب وخيانة القيم الصينية الأصيلة. والتحديثيون يتهمون التراثيين بالجمود الفكري والأصولية الكونفوشيوسية المتعصبة، بل ويقولون بأن لهم عقلية العبيد لأن الفلسفة الكونفوشيوسية تعلم الطاعة والخضوع باستمرار.
ولهذا السبب لم تشهد الصين على مدار تاريخها كله إلا أنظمة قسرية مستبدة. ولن تعرف الديمقراطية والحرية في حياتها إلا إذا قبلت بنقد التراث الموروث منذ آلاف السنين كما فعلت الأمم الأوروبية فيما يخص تراثها المسيحي.
لتوضيح كل هذه الإشكاليات يخصص الباحثون المشاركون في تأليف الكتاب فصولا عديدة للتحدث عن ماضي الصين البعيد والقريب ثم عن حاضرها الراهن. فالفصول الأولى مثلا مخصصة لدراسة الصين إبان العهد الإمبراطوري. والفصول اللاحقة مكرسة لدراسة حالة الصين إبان عهد ماو تسي تونغ. والفصول الأخيرة من الكتاب مكرسة لدراسة الوضع الحالي بعد الانفتاح على العالم الرأسمالي في عهد دينغ هسياو بينغ وخلفائه الحاليين.
ويلاحظ مؤلفو الكتاب أن الصين تتذبذب بين موقفين متناقضين. فهي من جهة تريد أن تصبح دولة حق وقانون مثلها في ذلك مثل دول الغرب. ولهذا السبب فإن دينغ هسياو بينغ أغلق المرحلة الماوية عام 1978 عندما صرح قائلا: لقد دخلنا عهد دولة القانون الاشتراكية. أما في عهد ماوتسي تونغ فكانت مصطلحات من نوع دولة القانون، أو حقوق الإنسان، أو الديمقراطية تثير الاستهجان والسخرية على أساس أنها قيم بورجوازية رأسمالية منحطة.
ولكنها أي الصين تصر من جهة أخرى على الارتباط بالقيم الآسيوية المختلفة عن قيم الغرب الفردية المتطرفة في حريتها. وأكبر دليل على هذا التردد أو التذبذب هو أن الصين وقعت عام 1993 على تصريح فيينا القائل بأن إعلان حقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة عام 1948 هو ذو طابع كوني وينطبق على جميع البشر. وبالتالي ينبغي على الصين أن تحترمه كبقية الأمم سواء بسواء.
ولكنها قبل ذلك بشهرين فقط كانت قد وقعت على تصريح بانكوك مع سنغافورة وماليزيا، وهو التصريح القائل بأن القيم الآسيوية ذات خصوصية ولا تتوافق بالضرورة مع القيم الغربية.
وبالتالي فإن مفهوم حقوق الإنسان بالمعنى الأوروبي أو الأميركي للكلمة لا ينطبق على الشعوب الآسيوية. هكذا نلاحظ أن الصين لم تحسم موقفها بعد من هذه المسألة الشائكة ولا يتوقع أن تحسمها في المدى المنظور. مهما يكن من أمر فإن مستقبل الصين يتوقف على عدة عوامل معقدة. وقد يسير في اتجاه الديمقراطية على الطريقة الغربية وقد لا يسير. والمستقبل مفتوح على كافة الاحتمالات والمفاجآت.
*الكتاب:الصين والديمقراطية
*الناشر: فايار ـ باريس 2007
*الصفحات: 894 صفحة من القطع الكبير
La Chine et la démocratie
Mireille Delmas - Marty, Pierre - Etienne Will
Fayard- Paris 2007
P.89