مؤلفا هذا الكتاب هما باحثان اجتماعيان أخصائيان بدور الدولة في المجتمعات الغربية الاستهلاكية المعاصرة. يعمل غوستا اسبينغ ـ اندرسن أستاذاً لعلم الاجتماع في جامعة «بومبو فابرا في برشلونة». سبق له وقدّم العديد من الأعمال حول «الدولة المانحة»، أي التي تدير المنظومة الاجتماعية بأكملها، وقد أصبحت أعماله كمرجعيات في هذا الميدان. ومن كتبه: «المؤسسات الاجتماعية في الاقتصادات ما بعد الصناعية» و«السياسات ضد الأسواق: الطريق الديمقراطي الاجتماعي للسلطة».
أما برونو بالييه، فهو باحث في المركز القومي الفرنسي للبحث العلمي، وهو أخصائي بمنظومات الحماية الاجتماعية في أوروبا. من كتبه: «إصلاح منظومات الصحّة» و«إصلاح منظومات التقاعد». يرى الكثيرون اليوم أن النفقات التي تتحملها «الدول المانحة» من تأمين التقاعد والضمان الصحي قد أصبحت باهظة جدا إلى درجة أنه من الصعب عليها تحملها، بالطريقة التي استمرت عليها منذ عدة عقود من الزمن. المطلوب إذن هو «تقليصها» أو على الأقل «قنونتها».
الملاحظة الأولى التي يتم التأكيد عليها بالنسبة للمجتمعات الاستهلاكية ما بعد الصناعية هي أنها تعاني من الشيخوخة. ومن المستجدات أيضاً الدخول الكبير للنساء إلى سوق العمل، وكذلك تعاظم زيادة اللامساواة داخل هذه المجتمعات. هذه الأمور كلها قد تستدعي إعادة تعريف لمهمات «الدولة المانحة». «الدروس الثلاثة» التي يحتويها هذا الكتاب تعالج كل هذه المستجدات وإنما خارج الإطار التقليدي لمناقشة السياسات الاجتماعية.
ذلك أن المؤلف يأخذ في اعتباره مسارات الأفراد وروابطهم مع مجتمع المعرفة الذي خلقته تكنولوجيات المعلوماتية، مع ظهور أشكال جديدة من اللامساواة بين الأجيال والمجموعات الاجتماعية. هذه التحولات كلها دعت إلى التحول من الدولة المانحة «التي تعالج» إلى الدولة المانحة التي «تستثمر».
وتشكل منظومات الضمان الاجتماعي المظهر الرئيسي للدولة المانحة في أوروبا الغربية. وكانت هذه المنظومات قد شهدت ولادتها في القرن التاسع عشر مع الثورة الصناعية وما ترتب عليها من نتائج اجتماعية لازمت التزايد الكبير في عدد أصحاب الرواتب. وكان الهدف الأول من إقامة منظومات الضمان الاجتماعي هو حماية العاملين الذين يفقدون أعمالهم بانتظار حصولهم على عمل جديد، وأيضاً تأمين الإخلاص والاستقرار والنوعية الجيدة بالنسبة لأرباب العمل.
وتتم الإشارة إلى أن العقود الثلاثة التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية شهدت زيادة كبيرة في النفقات الاجتماعية التي بلغت نسبة ما بين 5 بالمئة إلى 25 بالمئة من إجمالي الإنتاج الداخلي الأوروبي. بدا آنذاك أن السياسات الاقتصادية والسياسات الاجتماعية تآزر كل منها الأخرى.
وكان ذلك وراء خلق عدد كبير من فرص العمل في قطاعات الرعاية الصحية وإدارات الضمان الاجتماعي وفروعه العديدة. وأدّى ضمان وجود دخل إلى زيادة الاستهلاك بشكل عام. وبهذا المعنى كانت سنوات الثلاثينات المجيدة في أوروبا ما بين 1945 و1975 قد قامت بشكل أساسي على المزج بين تطور الصناعة المكرّسة للاستهلاك وبين تعميم منظومات الحماية الاجتماعية.
وكان من النتائج «المباشرة» للنشاطات الاجتماعية للدولة المانحة، زيادة معدّل «أمل الحياة» إذ لم يكن عمر الإنسان يزيد إلا نادرا عن 65 سنة، وأيضاً مكافحة الفقر عبر عملية إعادة توزيع الأدوار الاجتماعية. ذلك أنه في الوقت الذي كان ينكبّ فيه الجميع على العمل في المجتمعات الزراعية حيث كان الرجال والنساء والأطفال يذهبون جميعا إلى الحقول، تغيّرت الصورة في المجتمعات الصناعية حيث أصبح الرجال يعملون كي يؤمّنوا الدخل والحماية الاجتماعية لجميع أفراد الأسرة.
وبالتالي كان الأطفال يواظبون أكثر على المدرسة بينما تولت النساء عامة الأعمال المنزلية. بالطبع لم تطبق جميع البلدان الغربية نفس منظومة الضمان الاجتماعي، ولكن عندما تغيّرت الشروط الاجتماعية والاقتصادية، فإن منظومات الحماية الاجتماعية في مختلف هذه البلدان واجهت صعوبات كبيرة في هذا الميدان.وكان الانفتاح التدريجي للاقتصادات العالمية ودخول بلدان جديدة في اللعبة الاقتصادية الدولية قد أدّى إلى هز مواقع اقتصاد البلدان الصناعية التقليدية وإلى طرح التساؤلات حول العلاقة بين السياسات الاقتصادية والسياسات الاجتماعية.
وساهمت «عولمة» المبادلات الدولية إلى خلق منافسات بين الشركات الأوروبية بحيث برزت ظاهرة نقل العديد من المؤسسات في أوروبا الغربية لنشاطاتها باتجاه بلدان وسط وشرق القارّة بحثا عن تخفيض كلفة التشغيل والإنتاج. باختصار بدت السياسات الاجتماعية في السياق الاقتصادي الجديد الذي انتهجته العولمة «غير منتجة»، وذلك خاصة بسبب آليات تمويلها والمنافسة الضرائبية بين الدول.
وبالتالي لم يعد يتم تقديمها على أنها وسيلة لمساعدة الاقتصاد. بل إنها غدت في العديد من الحالات سببا في فقدان فرص العمل وسحب عدد من الأفراد من سوق العمل عبر تبنّي الإحالة على التقاعد في سن مبكّرة. وهذا ما يتم التعبير عنه بالقول «على غرار الاقتصاد ما بعد الصناعي الذي لا يشبه الاقتصاد الصناعي فإن المجتمع ما بعد الصناعي لا يشبه المجتمع الصناعي». ففي المجتمع الجديد «النساء يعملن والطلاق يتزايد بين الزوجين وعدد الولادات ينخفض وأمل الحياة يطول كثيرا والفقر يغيّر من مواقعه».
كانت النساء تمثل ثلث العاملين في سنوات الستينات المنصرمة في فرنسا وأصبحن الآن يمثلن النصف. وكانت نسبة النساء العاملات هي 40 بالمئة بين النساء من شريحة عمر 25 ـ 49 سنة في فرنسا خلال مطلع الستينات أيضاً ووصلت هذه النسبة إلى 80 بالمئة حاليا.
وهناك اليوم حالة طلاق من أصل كل ثلاث زيجات في فرنسا وحالة طلاق من كل حالتين في المنطقة الباريسية.إن منظومات الحماية الاجتماعية تأثرت مباشرة أيضاً في البلدان الغربية الصناعية بالتبدلات الديموغرافية والعائلية. ذلك أن شيخوخة السكان تطرح مشاكل تمويل منظومة التقاعد كما لها أثرها على مسألة إعادة تقسيم العمل.
وتبيّن تحليلات هذا الكتاب أن الدولة المانحة توجه عددا من التحديات في القرن الحادي والعشرين، وهذا ما يشرحه المؤلف تحت عنوان: «العائلة وثورة دور النساء» حيث يؤكد أن النساء هن «بصدد تغيير العالم. وذلك على اعتبار أن «التغير الاجتماعي الأكثر أهمية خلال العقود الأخيرة هو دون شك رؤية النساء يدخلن بأعداد كبيرة إلى سوق العمل».
ويتم التأكيد أنه من المهم جدا تشجيع عمل النساء ومساواتهن مع الرجل عبر تطوير الخدمات الاجتماعية فيما يخص العناية بالأطفال. هذا في منظور تأمين قدر أكبر من الأمان في الحياة العائلية كما في الحياة المهنية. وهذا يتضمن أيضاً «إعادة موازنة» الأعمال المنزلية بحيث يتولى الرجال «حصتهم» منها.
والتحدي الآخر يتم تحديده في تأمين المساواة في حظوظ العمل بالنسبة للأطفال. وإذا كان نظام الحماية الاجتماعية الحالي ينفق كثيرا على شريحة الطاعنين في السن، أو أصحاب «العمر الثالث» كما تتم تسميتهم، فإنه ينبغي عليه أيضاً أن يتوجه نحو «الاستثمار» في مجال «الأطفال»، وذلك عبر تبنّي سياسات وقائية بدلاً من التصدي للمشكلة عند وقوعها ومكافحة «التهميش والاستبعاد» الاجتماعيين عندما يصبحان واقعا.
بتعبير آخر تنبغي معالجة المشاكل «عند المنبع» وليس «عند المصب». وبهذا المعنى يصبح الاستثمار في قطاع «الأطفال» هو استثمار باتجاه «المستقبل». وهذا الاستثمار يعني ضمان دخل حد أدنى لجميع الأسر وتشجيع تطوير الأنماط الجماعية للاهتمام بالطفل وتأمين أفضل الشروط للتعلم والدراسة.
وإذا تمّ التوصل إلى زيادة نسبة النساء العاملات وضمان أفضل الأعمال لليد العاملة المستقبلية (أطفال اليوم) فإنه يمكن عندها رصد مبالغ أكبر لحماية المتقاعدين. وهذا ما يشرحه المؤلف في فصل يحمل عنوان «الشيخوخة والعدالة». وفي هذا الميدان يتم التأكيد على أهمية تحقيق مبدأ المساواة بين الأجيال وداخل الأجيال. ثلاثة تحديات، يقدمها عالم الاجتماع الكبير غوستا اسبينغ ـ اندرسون على أنها «ثلاثة دروس حول الدولة المانحة».
*الكتاب:ثلاثة دروس حول الدولة المانحة
*الناشر: سويل ـ باريس2008
*الصفحات : 140 صفحة من القطع المتوسط
Trois leçons sur l'Etat
- providence
Gosta Esping - Andersen, Bruno Pillier
Seuil - Paris 2008
P.140