عمل فيليب شورت لعدة سنوات صحافياً في ال«بي.بي.سي»، وأصبح بعد ذلك أحد أهم الأخصائيين بمنطقة الهند الصينية وبالصين، حيث قدّم كتابا ضخما نال شهرة كبيرة عن سيرة حياة ماوتسي تونغ.
يتمحور هذا الكتاب «بول بوت، تشريح كابوس» على شخصية أحد أكبر السفاحين في القرن العشرين. إنه بول بوت، الذي أعدم عدة مئات الآلاف من الكمبوديين، بل وبلغ الذين قتلهم خمس سكان البلاد، أي ما يقارب المليون ونصف من الكمبوديين، ذلك على أيدي المنظمة الشيوعية التي كان يترأسها والتي اشتهرت في العالم أجمع بتسمية «الخمير الحمر».يبدأ الكتاب برسم ملامح شخصية بول بوت منذ أن كان شابا صغيرا حيث كانوا يدعونه ب«الطالب المتخلّف». ولكن ذلك الطالب غير اللامع أصبح هو الآمر الناهي في كمبوديا خلال الفترة الواقعة بين عام 1975 وعام 1978، وجعل منها «معسكر اعتقال واسع»، لم تكن معتقلات ستالين سوى نموذج بسيط لما عرفه من رعب.وإذا كانت سيرة حياة بول بوت تحظى بالجزء الأكبر من هذا الكتاب، فإن القارئ يجد فيه أيضا تاريخا دقيقا لكمبوديا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى الوقت الحاضر.
ولا يتردد المؤلف في القول أن هذه البلاد الصغيرة التي لا يصل عدد سكانها إلى الثمانية ملايين نسمة كانت قد عرفت طيلة فترة الحرب الباردة حالة اضطراب سياسي، في ظل ذلك التنازع الكبير الذي عرفته القوى الكبرى آنذاك، وعلى رأسها القوتين العظميين الأميركية والسوفييتية السابقة، هذا إلى جانب الصين التي كانت تعتبر أن كمبوديا تقع في إطار مجالها الإستراتيجي.
كذلك كانت الحرب الفيتنامية التي استمرت سنوات طويلة و تدخلت فيها الولايات المتحدة الأميركية عسكريا ومنيت بالفشل الكبير المعروف الذي لا تزال آثاره تلاحقها حتى اللحظة الحاضرة. وكمبوديا مجاورة لفيتنام، ولهذا سعت القوى الكبرى كلها إلى عقد تحالفات معها بحثا عن موضع قدم لها في تلك المنطقة.
على الصعيد الداخلي الكمبودي، حاول الأمير سيهانوك حاكم كمبوديا في مطلع السبعينات أن يصل إلى موقف متوازن ويربط الخيوط مع جميع القوى المتصارعة. وإذا كان قد بدأ بتبنّي سياسة القمع ضد الشيوعيين في المرحلة الأولى فإنه عاد إلى التقرّب منهم، بل والتعايش معهم ممثلين بالخمير الحمر الذين وصلوا إلى السلطة عام 1975.
بكل الحالات ابتعد عن السلطة عندما وصلوا إليها وعاد إليها عام 1978 عندما تمّت الإطاحة بهم وحيث بقي على رأس البلاد لسنوات طويلة لاحقة.
السمة الأولى التي يؤكد عليها المؤلف في شخصية بول بوت هي أنه كان رجلا يميل بطبيعته إلى السر والكتمان والبقاء بعيدا عن الأضواء. ولم يخرج من الحياة السرية عمليا سوى في عام 1976، أي بعد وصول الخمير الحمر إلى السلطة بحوالي عام من الزمن.
ويشير المؤلف إلى أن خروجه من شخصية «الرجل المجهول» إلى شخصية «بول بوت» أثارت دهشة كبيرة لدى رفاقه الذين لم يكونوا يتصورون أن ذلك الرجل «الخجول» الذي ما كان لهم أن يشكّوا أبدا أنه هو قائد الخمير الحمر.
إن مؤلف الكتاب يعتمد كثيرا في تحليلاته ورسمه لصورة بول بوت على اللقاءات العديدة التي أجراها مع أشخاص كانوا قريبين من الدكتاتور الكمبودي.
وعلى سؤال حول الأوراق الرابحة التي كان يمتلكها وسمحت له بفرض نفسه على قيادة الحركة، أجابوا بالإجماع تقريبا أن السر الحقيقي الكبير يكمن في هدوئه، وسيطرته الكاملة على أعصابه بحيث لم يكن يهزه أي أمر، بل كان يقوم بكل الأعمال ويصدر أخطر الأوامر «دون أن يرف له جفن».
انخرط بول بوت في الحزب الشيوعي الكمبودي عندما كان شابا، لكنه لم يتعمّق أبدا بدراسة النظريات الماركسية ـ اللينينية كما يؤكد مؤلف هذا الكتاب. وهكذا لم يأخذ منها عمليا سوى المواقف المتطرفة. وهذه ليست خصوصية له وحده وإنما هي إحدى سمات حركة الخمير الحمر كلهم.
الأمر الذي يعبر عنه المؤلف بالقول أن «الخمير الحمر كانوا يميلون باستمرار إلى التطرف في جميع الأمور». الهدوء إذن مضافا إليه التطرف وكانت النتيجة هي قتل مئات الآلاف من الكمبوديين «وهو يبتسم».
تجدر الإشارة إلى أن «بول بوت» ليس الاسم الحقيقي لذلك الذي كان قائدا للخمير الحمر ووراء ذلك الرعب الكبير الذي لا يزال التاريخ يؤكد عليه كإحدى الحالات الاستثنائية في تاريخ الإنسانية فيما يخص القمع على الصعيد الداخلي. الاسم الحقيقي له هو «سالوت سار». ويركز المؤلف على دراسة طفولته، وذلك على قاعدة قناعته أنه ليس هناك في إيديولوجيته الشيوعية ما يمكن أن يقدم تفسيرا كافيا ووافيا على قتله لمليون ونصف من مواطنيه.
والنقاط التي يؤكد عليها في طفولته تتمثل في كون أنه أمضى عاما كاملا، خلال تلك الطفولة في أحد الأديرة البوذية وهذا يشكّل برأيه السبب في كون أن حركة الخمير الحمر قد تبنّت بعض القيم البوذية مثل رفض النزعة الفردية والتأكيد على قيمة الانضباط والإخلاص الكامل في الالتزام. هذه القيم جرى توظيفها في خدمة الحركة وتنفيذ الأوامر الصادرة مهما كانت قاسية.
كذلك يشير المؤلف إلى تأثر بول بوت إلى حد ما بالثقافة الفرنسية. ذلك أن ذلك الطالب «الكسول» وغير اللامع حصل في عام 1949 على منحة دراسية في فرنسا. وفي العاصمة باريس بالتحديد اكتشف الماركسية عن طريق جمعية الطلبة الكمبوديين التي كانت آنذاك هي المسيطرة على الحركة الطلابية الكمبودية في فرنسا، وذلك في سياق حالة ازدهار مختلف حركات التحرر من الاستعمار في مختلف أنحاء العالم.
بل وانخرط بول بوت كعضو في الحزب الشيوعي الفرنسي.ويؤكد المؤلف على أن بول بوت كان معجبا جدا بالثورة الفرنسية الكبرى لعام 1789.
وكان يعتبر أن الوضع في فرنسا قبل تلك الثورة كان شبيها «إلى حد كبير» مع الأوضاع القائمة في بلاده. فالأمير «نوردوم سيهانوك» كان يمثّل بالنسبة له «لويس سادس عشر جديد». ولهذا كان بول بوت يردد باستمرار هذه المرجعية «التاريخية».
إن الحياة السياسية النشيطة لبول بوت بدأت بعد «تجربته الفرنسية». وقد دخل إلى صفوف الحزب الثوري للشعب الكمبودي (الحزب الشيوعي الكمبودي) عام 1951، أي منذ تأسيسه. وخاض معارك ذلك الحزب الذي لم يكن يمثل في البداية سوى أقلية صغيرة هامشية في الحياة السياسية للبلاد. كان الهدف المعلن للنضال هو جلاء الاستعمار والحصول على الاستقلال الذي تحقق عام 1953. وبعد الاستقلال انخرطت حركة «بول بوت» في الصراع ضد نظام سيهانوك.
دخل الحزب الثوري للشعب الكمبودي مرحلة النضال السري، وكان بول بوت آنذاك أستاذا للتاريخ وللأدب الفرنسي. والتحق بالثوار في أدغال كمبوديا في عام 1963 بمنطقة قريبة من الحدود مع فيتنام. أمضى بول بوت تسع سنوات من حياته في الغابات مع رفاقه ومع المرأة التي تزوجها وكانت تكبره قليلا بالعمر، وكانت امرأة على قدر هام من الثقافة لكنها عانت من بعض الاضطراب العقلي خلال سنوات السبعينات.
ما يؤكده المؤلف هو أن تلك السنوات التسع التي أمضاها في الغابات لم تكن بعيدة عن الذهنية «المتوحشة» التي اكتسبها بول بوت. وإذا كان لا يجزم بالقول أنها كانت وراء سلوكياته القمعية اللاحقة، فإنه يشير إلى أنه حاول أن يفرض على الكمبوديين نمط حياة قريب إلى حد كبيرمن ذلك النمط الذي عاشه في الغابة.
وكما ناضل حزب بول بوت ضد سيهانوك استمر في النضال أيضا ضد نظام «لون نول» الذي أطاح به عام 1970. واستطاع الخمير الحمر أن يستولوا على السلطة في بنوم بنه، العاصمة، بتاريخ 15 أبريل 1975، وذلك بعد حرب أهلية طاحنة استمرت طيلة خمس سنوات.
حاول بول بوت أن يقيم في كمبوديا مجتمعا يقوم على المساواة الكاملة في ظل دولة قوية ومواطنين من طراز جديد وكما كانت تنص المقولات الماركسية. ولكن النتيجة كانت سيادة «يوتوبيا قاتلة» وكان المثال الأعلى ل«الإنسان الجديد» هو الفلاّح الفقير فالمدينة مصدر «إفساد». وهكذا لم يتورع عن طرد سكان العاصمة، مع سقوط ما يزيد عن 000 20 قتيل، إلى قرى للعمل في الأرض. وألغيت الملكية وألغي المال أيضا ومُنعت الملابس الملوّنة.
على الصعيد الفكري تمّ الشروع بتربية جديدة «تلغي» الأنانية، وذلك عبر جلسات يومية للنقد الذاتي وتمجيد روح الانضباط والتنظيم. باختصار أصبح كل شيء، بما في ذلك أكثر العلاقات حميمية، مربوطا بما يقرره الخمير الحمر. وكان يتم فصل الأطفال عن أهاليهم مع منع تداول تعبيري «أب» و«أم»، وكانت المنظمات الحزبية هي التي تقرر من يتزوج من.
كان بول بوت، كما يقول المؤلف، يرمي إلى الوصول لإقامة مجتمع الاكتفاء الذاتي عن طريق الزراعة حصريا. وهذا جلب المجاعات والموت الجماعي. وكل تشكيك كان يعني «التخريب» وبالتالي «التصفية».
بعد الإطاحة بحكمه من قبل الجيش الكمبودي عام 1978، عاش بول بوت في الأدغال حتى عام 1994. حُكم عليه بالإعدام بعد اعتقاله ولكنه توفي «بهدوء» على سريره بتاريخ 15 أبريل 1998.
*الكتاب:بول بوت: تشريح كابوس
*تأليف:فيليب شورت
*الناشر:جون ماكروي بوكس
نيويورك 2007
*الصفحات: 560 صفحة من القطع المتوسط
Pol Pot : anathomy of nightmarel
Philip Short
John McRoe Books
New York 2007
P.560