في استثناء نادر من القاعدة، أجرى موقع أمازون الإلكتروني الشهير هذا الحوار مع الروائي الأميركي جون غريشام بمناسبة صدور روايته الجديدة «الاستئناف» التي تعد أول رواية يطلقها في إطار روايات الإثارة القضائية منذ ثلاث سنوات، وهو يبادر إلى تشبيه روايته بالمرآة التي يشهرها في مواجهة الواقع الأميركي لتنعكس على صقالها تفاصيل الفساد الذي ينخر في عظام الحياة القضائية والسياسية الأميركية.

ويلقي الضوء على جوانب شتى في عالمه الإبداعي، ويعد القراء بأن يطل عبر رواية تنتمي إلى قالب الإثارة القضائية مرة كل عام في السنوات المقبلة، كما يشير إلى اهتمامه بالعمل خارج إطار القص، وذلك على الرغم من مقاومته لعناصر الجاذبية العديدة الكامنة في الاشتغال في هذا الإطار. وفي ما يلي نص الحوار:

* تنطلق روايتك الجديدة من حيث تنتهي معظم الأعمال الدرامية التي تتخذ من قاعات المحاكم ساحات لها، أي مع صدور الحكم في القضية موضع النظر. من أين جئت بفكرة قلب المسار المعتاد للأحداث رأساً على عقب على هذا النحو؟

ـ ليست المحاكمة الفعلية جزءاً بالغ الأهمية من الرواية، فمعظم الحدث والعنصر المشوق يبدأ بعد أن تنتهي المحاكمة بصدور الحكم وما يعقبه من استئناف.

* تشير رواية «الاستئناف» بوضوح إلى أن القضاة المنتخبين يمكن شراؤهم. وإذا كان المقصود بهذه الرواية أن تكون حكاية تحذيرية، فماذا بعد ذلك؟ الانتخابات الرئاسية الأولية؟

ـ لم لا؟ إن ما يزيد على مليار دولار سيتم إنفاقه في غمار الانتخابات الأولية والانتخابات العامة في الولايات المتحدة. ومع وجود هذه النوعية من الأموال فإن أي شيء يمكن أن يشترى.

* مادمنا قد تطرقنا إلى الحديث عن السياسات المتعلقة بالانتخابات، فإننا نلاحظ أنك قد ركزت بشكل كبير مؤخراً على آرائك السياسية، حيث قمت أولاً بدعم جيم ويب لعضوية مجلس الشيوخ، والآن تؤيد انطلاق هيلاري كلينتون إلى البيت الأبيض. هل فكرت في أن ترشح نفسك لمنصب عام؟

ـ لا، لقد ارتكبت هذا الخطأ منذ 25 عاماً مضت، ووعدت نفسي بأنني لن أقوم بذلك مرة أخرى أبداً. وأنا استمتع بمتابعة الحياة السياسية والمشاركة فيها من بعيد، لأن من الأفضل للمرء أن يظل على مسافة منها.

* تعد رواية «الاستئناف» أول رواية تصدرها في قالب روايات الإثارة القضائية منذ ثلاثة أعوام. ما هو شعورك حيال العودة إلى هذا القالب الذي أثار الاهتمام بأعمالك في المقام الأول، فهل يمكن لمحبي أعمالك أن يتوقعوا صدور رواية من هذا النوع خلال العام المقبل؟

ـ لا زلت أستمتع بكتابة أعمال الإثارة القضائية، ولست أعتزم الابتعاد عنها كثيراً. ومن الواضح أنها كانت جيدة للغاية بالنسبة لي، وهي لا تزال تحظى برواج كبير. وأنا أعتزم تأليف رواية من هذا النوع سنوياً على امتداد الأعوام المقبلة.

* يواصل كتابك «البريء» الذي ينتمي إلى عالم الأعمال التي تقع خارج إطار القص تصدر قوائم أكثر الكتب ذات الغلاف الورقي مبيعاً، فهل وصلت في غمار اهتمامك بهذا المشروع إلى أحداث تتعلق بمن أدانتهم المحاكم خطأ تدفعك إلى كتابة المزيد من هذه النوعية.

ـ هناك بصورة حرفية المئات من الأحداث الكبرى المتعلقة بالمتهمين الذين أدانتهم المحاكم خطأ، وهذه الأحداث تثير دهشتي باستمرار، وأنا أقاوم غواية الانطلاق من جديد إلى خارج عالم القص.

* ما الذي أثار اهتمامك أصلاً بالموضوع الذي يدور حوله كتابك «البريء»؟

ـ لقد أرسلنا 130 شخصاً في الولايات المتحدة للوقوف في طابور من ينتظرون حكم الإعدام، وقد تبين لاحقاً أنهم إما أبرياء أو لم تتم محاكمتهم على الوجه الصحيح. وهذا يعني 130 شخصاً أودعوا السجن لينتظروا الموت، وقد أمضوا سنوات هناك، بمن في ذلك رون وليامسون الذي تناولته في كتاب «البريء».

حسناً، إذاً لم يثر هذا ضيقك، فإنني أتمنى أن تقف في طابور انتظار تنفيذ حكم الإعدام. ورد فعلك الأول حيال مثل هذا الوضع هو التساؤل: كيف يمكن لأحد أن يقدر له البقاء على قيد الحياة هنا؟ كيف يمكن أن تحيا؟ فأنت تعيش في زنزانة ضيقة لا تتجاوز مساحتها أقداماً عدة في أقدام عدة أخرى، وأنت هناك غالباً مع رفيق زنزانة شرس.

وعلى امتداد ثلاث وعشرين ساعة يومياً فإن عليك أن تكافح في مواجهة الجنون. ولكن كيف يمكن أن تحتفظ بعقلك؟ إن معظمهم يفلح في القيام بذلك. وهم يبقون على قيد الحياة، في ظل ظروف بالغة الصعوبة. إنني لا أقول إن السجن ينبغي أن يكون مكاناً يسهل العيش فيه. ولكن تخيل أنه مكان صعب بما فيه الكفاية إذا كنت مذنباً، إذا كنت قاتلاً ارتكب سلسلة جرائم متتابعة، فسوف تجده مكاناً صعباً بما فيه الكفاية.

ولكن ماذا إذا كنت بريئاً؟ ماذا إذا كنت تعرف أنك لم تقترف الجريمة التي تمت إدانتك بارتكابها، ومن قام بالقتل يمضي مطلق السراح؟ إنك داخل السجن بدلاً منه، وما من أحد يصغى إليك. ما من أحد يستمع إليك. ما الذي تستخلصه من ذلك؟

* عودة إلى رواية «الاستئناف»، ما الذي يشكل جوهر هذا العمل في اعتقادك؟

ـ هذه الرواية تضم عناصر سياسية أكثر من أي عمل آخر قمت بتأليفه، الكثير من العناصر السياسية، العديد من العناصر القضائية المثيرة للاهتمام. كل كتبي تقوم على أساس شيء حدث بالفعل بدرجة ما. هناك عنصر من الحقيقة في كل هذه الكتب. وهذه الرواية تدور حول انتخاب قاضٍ في محكمة عليا في ولاية مسيسبي.

هناك أكثر من ثلاثين ولاية ينتخب القضاة فيها، وهو نظام سيء، لأنك إذا سمحت بدخول الأموال الخاصة، تماماً كما في حملة انتخابية، تماماً كالحملة الانتخابية التي نشهدها اليوم، فإنك ترى القائمين على الشركات الكبرى وهم يلقون المال في الساحة، وتجد أشخاصاً بارزين، والسيولة تتدفق لانتخاب قاض قد ينظر في قضيتك.

فكر في ذلك! إن لديك قضية تنظرها المحكمة، وأنت تريد إعادة تشكيل المحكمة، لكي تجعل شخصاً ما ينتخب قاضياً. وهذا هو ما حدث في ولايات عدة. فالأموال الطائلة تتدفق وتقتنص قاضياً سيئاً، أو قاضياً غير متعاطف من وجهة نظر أصحاب هذه الأموال فتقوم باستبعاده وتحل محله شخصاً آخر أكثر تعاطفاً معهم. وهكذا يتم إصدار الحكم في القضية موضع النظر بسهولة ويسر.

* هل جوهر الرواية هو الشركة التي تلقي النفايات السامة في مصادر المياه فتلوث مياه الشرب؟

ـ الرواية تبدأ بصدور حكم في قضية. والفصل الأول هو حكم يصدر على شركة مواد كيماوية عملاقة قامت بتلويث بلدة صغيرة، بحيث لا يستطيع المرء شرب الماء فيها.

ومن ثم تصبح معقلاً للسرطان، ويلقى الكثيرون حتفهم، وهكذا ترفع قضية كبرى، وذلك هو مفتتح الكتاب، ثم يدور كل شيء حول ما تقوم به تلك الشركة، لأن من يمتلكها لا يعجبه تشكيل المحكمة العليا، وهو يدرك أنه بمقدوره تغيير هذا التشكيل. وهكذا فإنه..

* من خلال شراء نتيجة الانتخاب يمكنه شراء قاض؟

ـ يمكنك شراء قاض خاص بك. والأمر سيء على مستوى المحكمة العليا، ولكن حتى على المستوى المحلي.

* إنني أعرف أن الكتّاب لا يعرفون غالباً ما الذي أثر في أعمالهم، وهم غالباً لا يحبون أن توجه أسئلة إليهم حول هذا الموضوع. ولكن هل تعتقد أن معتقداتك هي التي شكلت هذا الشعور بالظلم الذي نشهده كثيراً في أعمالك؟ هذا التصدي لمن يقتنصون الآخرين ويبطشون بهم.

ـ نعم، في كتبي الأخيرة. أما في كتبي الأولى فقد ألفت كتابين أو ثلاثة من نوعية مختلفة. أولاً تجد الكتب الأولى منتمية إلى نوعية الإثارة القضائية ـ روايات الشركة، مذكرات بليكان، العميل ـ وتلك نوعية جديدة تماماً، وكانت مليئة بعناصر التشويق، وحققت هذه الكتب رواجاً هائلاً. وكانت تسلية خالصة فحسب.

لم تكن هناك رسالة، ولم تكن هناك قضية. ولم يكن في هذه الكتب شيء جدي، وإنما كانت محض تسلية، وقد توجت بالنجاح على نحو جميل، ولكن مع مرور الأعوام وجدت نفسي أتبنى قضية بصورة متزايدة، حيثما كان ذلك بوسعي، سواء أكانت قضية عقوبة الإعدام أو التشرد أو شركات السجائر الكبرى أو إساءة استغلال التأمين أو ما إلى ذلك.

ولكن عندما يكون بمقدوري إثارة مشكلة أو قضية وتقديم رواية تدور حولها وجعلها جذابة وآسرة وحافلة بالتشويق وكذلك جعل القارئ يفكر، ربما للمرة الأولى، حول المشكلة المطروحة من وجهة نظر مختلفة، فإن تلك هي أفضل كتبي.

وكلما أوغلت في تأليف الكتب، كلما بدا أنني أفكر في الظلم الاجتماعي والقصص التي اعتزم كتابتها في المستقبل، فهناك الكثير من الأفكار الإضافية المتعلقة بما هو خاطئ في النظام الأميركي وربما كيفية معالجته. ولا يرجع ذلك إلى أنني أعرف كيفية العلاج، ولكنني يمكنني بالتأكيد إيضاح الجوانب الخاطئة في هذا النظام.