مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور محمد حسام الدين إسماعيل حاصل على شهادة الدكتوراه عام 2002 من جامعة القاهرة وجامعة إنديانا وهو أستاذ الإعلام الدولي والدراسات الثقافية بكلية الإعلام جامعة القاهرة، صدر له من قبل كتاب «العولمة وصورة الإسلام» و«المسؤولية الاجتماعية للصحافة» و«الإعلام وما بعد الحداثة».
في كتابه الذي نعرض له يعنى المؤلف بمسألة العلاقة بين الصورة والجسد وأيديولوجية وسائل الإعلام. فالصورة، كما يرى المؤلف، ما هي إلا تفاعل بين فكر وجسد ووسيط إعلامي وبالتالي فهو يحلل وينقد هذه الصورة ويعالج كيفية تكونها. ويحفل الكتاب بأسئلة وإشكاليات مهمة من أبرزها: هل ثمة علاقة بين صورة الأجساد النازفة ألماً على الفضائيات الإخبارية في فلسطين والعراق وصورة الأجساد شبه العارية على الفضائيات الترفيهية؟ ثم من يملك إنتاج هذه الصور؟ ولأي هدف؟
ولماذا يزدهر إعلام القنوات الدينية والغيبيات على الشاشات متزامنا مع صعود ثقافة الصورة وتداعي ثقافة الكلمات؟ ولماذا هجرت الصورة واقعنا العربي إلى واقع مغترب عنا؟ وإذا كانت الصور تصنع الأحلام، والأحلام تحكم السلوكيات، فأي مستقبل ينتظره العالم جملة وعالمنا العربي خاصة؟ لقد استدعى ذلك كله دراسة تحليلية موضوعية ومعالجة انتقادية جعلت من هذا الكتاب لبنة أساسية في صرح الدراسات الإعلامية والنقدية.
يرصد المؤلف في الفصل الأول الظروف الاقتصادية والفكرية والتقنية وراء صعود الصورة وسقوط الكلمة بدءا من المجتمعات الغربية وحتى مجتمعاتنا العربية الإسلامية، تلك الظروف التي تشكل المشهد الإعلامي الراهن.
ويعالج المؤلف في هذا الإطار تيار ما بعد الحداثة متمثلا في التأصيل التاريخي بدءا من مرحلة ما قبل الحداثة ثم حداثة التنوير مرورا بالأصوات المعارضة لها وحتى نهاية الحداثة. ويرصد مصفوفة قيم ما بعد الحداثة ومنها النسبية الاجتماعية والحتمية الثقافية ورفض النزعة الإنسانية وإنكار الميتافيزيقا والأديان.
وكذا رفض العقلانية وتفسير كل شيء من خلال القوة. ثم يقدم دراسة مفصلة للقيم ما بعد الحداثية في وسائل الإعلام الغربية حيث يعرض المؤلف تمثلات مصفوفة قيم ما بعد الحداثة كما ظهرت في الدراسات الإعلامية التي تناولت الصحافة المكتوبة والصور والتليفزيون والإعلانات والإنترنت وتكنولوجيا الواقع الافتراضي.
ففي إطار إشارته إلى الصحافة المكتوبة مثلا يشير المؤلف إلى أن قيم ما بعد الحداثة ظهرت في الصحافة المطبوعة في الغرب الرأسمالي خاصة الولايات المتحدة وعلى رأسها النسبية الاجتماعية والحتمية الثقافية، إذ إن لكل جماعة حقيقتها فضلا عن نسبية المعايير والأخلاقيات بالتبعية وهو ما ساعد على تشظي وتفكك المجتمع الأميركي.
وعلى صعيد التليفزيون يشير المؤلف إلى أن الأغاني المصورة مثلا سكتت عن نقد النظم السياسية القائمة بشكل مباشر كما فعلت الأغاني التي صاحبت حرب فيتنام في نهاية الستينات وأوائل السبعينات في الولايات المتحدة وركزت على السلطات الأخرى كالأب في المنزل والمدرس في المدرسة والأبيض بالنسبة إلى بقية الأجناس والرجل بالنسبة إلى المرأة.
أما بالنسبة للإعلانات فعلى صعيد المحتوى فإنه بينما زادت نسبة المشاهد الجنسية والإباحية في الأفلام والأغاني المصورة بما يؤثر على الروحانية الشرقية فقط احتفظت الإعلانات بمشاهد نظيفة لا تصدم المشاهد الشرقي وهو ما جعل رسائلها أكثر قبولا وإقناعا.
وفي إطار محاولته الإجابة عن سؤال عما إذا كان هناك مستقبل لتيار ما بعد الحداثة يشير المؤلف إلى أنه في المستقبل المنظور سنرى تمثلات كثيرة لأفكار ما بعد الحداثة وقيمها وستظهرها وسائل الإعلام الكوكبية وهو يؤسس ذلك على سببين الأول الاقتصادي والثاني سياسي، فالاقتصادي يتمثل في الاحتكار شبه الكامل للطبقة الرأسمالية العابرة القومية لقوى الإنتاج وعلاقاته والسياسي هو سعى الولايات المتحدة للوصول إلى الإجماع الإمبراطوري المعبود، أي الاجتماع العالمي أو الكوكبي بأن الولايات المتحدة هي الإمبراطورية المتفردة في العالم في القرن الحادي والعشرين.
وعما إذا كان لقيم الحداثة تأثير في إعلام العالمين العربي والإسلامي يرى المؤلف أن هناك أسبابا تجعلنا نرجح بمقتضاها وجود مثل هذا التأثير منها اقتناع أغلب النخب السياسية والاقتصادية لدينا بعمليات الخصخصة والاندماج والتشبيك كطريق تنموي شبه وحيد في غياب بدائل عملية أخرى وهى عمليات العولمة التي طالت الإعلام بدخول عدد كبير من المستثمرين في مجال الإعلام الفضائي في شكل قنوات تليفزيونية خاصة وحالة التبعية للغرب.
ثم يقدم لنا المؤلف في الفصل الثاني قضية الأغاني المصورة العربية المعاصرة من زاوية الدور الذي تمثله على مستوى الفصام الثقافي والتأثير العولمة وقد حلل المؤلف 45 أغنية بث إرسالها عبر القمر الصناعي المصري «نايلسات» على قنوات متخصصة مثل قنوات مثل «مليودي» و«مزيكا» و«دريم» و«زين».
ويشير المؤلف إلى أن الأغاني المصورة يمكن أن تدلل على ظاهرة الفصام الثقافي، ففي أغنية «امرأة عربية» للمغني اللبناني يوري مرقدي تتناقض نصوص كلمات الأغنية مع النصوص البصرية الفيديوية للأغنية، فالمطرب يصف حبه لامرأة عربية بينما يرتدي ملابس نجوم الراب الغربيين وكذلك تفعل الموديل الذي تظهر معه في الأغنية.
ويتكرر هذا الأمر في أغنية «شوف العين» للمطربة اللبنانية نيللي مقدسي فهي تضغط زرا أمامها لتبدو في ثياب عربية ثم تضغط زرا آخر لتبدو في ثياب وإكسسوارات غربية. ويرى المؤلف أن الأغاني العربية المصورة بعناصرها الاستثارية تشبع أحلام اليقظة لدى جموع الجماهير العربية مثلما كانت تفعل حكايات «ألف ليلة وليلة» في العصور الوسطى.
ويرى أن الحقائق المريرة المخيفة في العالم العربي كارتفاع سن الزواج وزيادة العنوسة في ظل أزمات اقتصادية لا ترحم في الدول المكدسة بالسكان في مصر وسوريا والمغرب تفسر الولع بمشاهدة الأغاني المصورة وأن هذا الإقبال يثير علامات من الخيالات المحتدمة يعوض الجماهير العربية بأوهام تمنحهم ما لا يمنحهم الواقع.
ثم ينقلنا المؤلف إلى الحديث عما يسميه بالاقتصاد السياسي لثقافة الصورة في الفصل الثالث، متخذا من العارضات الفائقات النجومية نموذجا، ويتساءل المؤلف كيف احتلت مجموعة من الفتيات الجميلات هذه المكانة في المجتمع الغربي وما سبب هذه النجومية التي تصنعها وسائل الإعلام ؟ فيشير إلى أن جذور ظاهرة العارضة أو المانيكان موغلة في القدم ولكنها مرتبطة ،بلا شك، أشد الارتباط بوسائل الاتصال المرئية.
وعلى عكس أبطال ثقافة القراءة أو ثقافة الكلمة الذين تعرف وجوههم بعد معرفة أسمائهم مقرونة بإنجازاتهم، فإن أبطال ثقافة الصورة تعرف وجوههم والأجسام قبل معرفة الأسماء ويكون الوجد والجسد الجميل هما الإنجاز الذي يتضاءل بجانبه أي إنجاز آخر.
ويشير المؤلف في هذا الإطار إلى أن هناك حوالي 450 عارضة أزياء محترفة في الولايات المتحدة يمثلن نوعا من القوات الخاصة التي يتم نشرها بطريقة تجعل ما يزيد على 15 مليون فتاة وسيدة ينتظرن في صف طويل حتى يسعدهن الحظ بالالتحاق بهذه الوحدة الخاصة المحظوظة. مضيفا أنه في اقتصاد يعتمد على العبودية لا بد من تطوير وترويج صور للعبيد تبرر مؤسسة العبودية وتجعل هؤلاء من نخبة العبيد هم المثل الأعلى المرتجي.
ثم يتناول المؤلف في الفصل الرابع التحليل الثقافي للعرى الإعلامي وهو العرى المقدم في كافة الوسائط الإعلامية منذ نشأتها وحتى وقتنا الراهن من السينما الصامتة وحتى الأغاني المصورة ومن المجلات المطبوعة حتى شبكة الإنترنت.
وهنا يشير إلى أنه في الولايات المتحدة يتصارع تيارا الثقافة الغربية على كسب معركة العري الإعلامي فالتيار أو الجذر اليهودي المسيحي يناهض العري الإعلامي، بينما التيار او الجذر اليوناني الروماني يشجعه والصراع واضح بين التيارين في القارة الأميركية بينما قارب على حسمه الجذر اليوناني الروماني في القارة الأوروبية ليصل بالعري الإعلامي إلى آفاق غير مسبوقة في تاريخ القارة التي حملت يوما مشعل الحداثة والتنوير.
وفي شبه القارة الهندية، وهى ثاني أهم مناطق العالم في إنتاج العري الإعلامي، تقارب يوما ما التيار اليوناني أو الإغريقي للثقافة الغربية مع التيار الديني العاري في الثقافة الهندوسية وهو التقارب الحادث اليوم بقبول الثقافة الهندوسية لتأثيرات غربية كوكبية على نطاق إعلامي واسع فضلا عن إحياء تقاليد ثقافية أخرى تحفل بالجسد.
أما في المنطقة العربية الإسلامية فما أشبه الليلة بالبارحة، فالنخب المتعالية المتفردة ترى في العري الإعلامي المنظم وسيلة بين وسائل السيطرة الاجتماعية على أغلبية الرعية أو كأن هذا العري هو صمام الأمان في خزان البخار الذي يغلي تحت وطأة المظالم الاقتصادية والكبت السياسي، بينما تجاهد في هذا العري الإعلامي قلة سياسية تحمل لافتات إسلامية مقدمة للجماهير التي خدرها العري بديلا طوباويا متمثلا في دولة دينية تملأ الدنيا عدلا واحتشاما بعد أن ملئت جورا وعريا.
وهنا يشير إلى أنه في الغالب الأعم في الثقافة العربية الإسلامية يتم النظر الى العري على أنه امتهان سوء أكان للمرأة أم للرجل وتحت أي سياق، ولذلك كانت المشاهد التي تسربت من سجن أبوغريب العراقي وصورت الانتهاكات الأميركية للكرامة العربية صادمة للمجتمع العربي ككل والذي ارتبط وما زال يرتبط فيه العري بالمحرم الديني.
وهنا يشير إلى الازدواجية الموروثة منذ الخلافة الأموية التي سمحت في قصورها ومجالسها بأنواع من التحرر الذي وصل أحيانا إلى حد المجون والابتذال على حين أنكرته هذه العائلات أو الطبقات الحاكمة على المجتمع وهى الازدواجية التي تصنع بشكل غير مباشر التناقض العربي الإسلامي تجاه العري الإعلامي بشتى صوره.
*الكتاب:الصورة والجسد
*الناشر:مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت 2008
*الصفحات: 254 صفحة من القطع الكبير
ألفت عبد الله