أصبح المعجم يشكّل أداة تواصلية مهمة بين القارئ والمستجدات المختلفة. فهو الهوية اللغوية والثقافية والحضارية للأمة. فكيف تنظر المدارس اللغوية الحديثة إلى المعجم؟ وما موقف المعجميين واللغويين من الصناعة المعجمية؟ وما هي أنواع المعجمات؟ وكيف تتم معالجة العناصر المعجمية (اللغوية والتقنية) في المعجمات العربية الحديثة ؟
مثل هذه الأسئلة وسواها يجيب عنها هذا الكتاب لمؤلفته الدكتورة صافية زفنكي، وهي باحثة سورية أكاديمية في مجال اللسانيات التطبيقية في جانبي المعجمية والمصطلحية. لها عدد من المؤلفات في هذا المجال منها: «المناهج المصطلحية: مشكلاتها التطبيقية ونهج معالجتها» و«معجم الألفاظ الأجنبية في اللغة العربية الحديثة والمعاصرة». يهتم الكتاب بمجال صناعة المعجم وهو قسم من أقسام اللسانيات التطبيقية التي تخلو منها معظم الجامعات العربية، ويهدف إلى صناعة معجم عربي يواكب الحركة المعجمية المتجدّدة ضمن الخصوصية العربية لغة وثقافة. ويتوزّع على بابين الأول منهما نظري والثاني منهما تطبيقي، تثير من خلالهما عددا من القضايا المعجمية المهمة التي تتعلق بالصناعة المعجمية وآفاقها المستقبلية.
تتوقف الباحثة في القسم النظري المشتمل على أربعة فصول عند أبرز العلوم اللغوية التي ظهرت في العصر الحديث مثل: علم اللغة المقارن، وعلم اللغة التاريخي، وعلم اللغة النفسي والاجتماعي، وعلم اللغة الجغرافي، وعلم اللغة الوصفي.
ثم تعرّج على البنيوية، والنظرية التوليدية التحويلية، ونظرية القوالب، وحلقة براغ، والنظرية التوزيعية، ونظرية الحقول الدلالية، والمدرسة الاجتماعية السياقية الإنجليزية، والنظرية التحليلية. فتعرض الخلفيات التاريخية والعلمية والفلسفية لهذه العلوم والاتجاهات، وانعكاساتها على التطبيقات المعجمية.
ثم تنتقل إلى عرض مواقف كل من المعجميين واللغويين تجاه الآخر ومنظور كل منهما إلى الصناعة المعجمية، مبينة العلاقة المتباينة والمتفاوتة بينهما تبعا للنظريات المختلفة ومدى إفادة الصناعة المعجمية الحديثة من النظريات اللغوية.
ثم تتوقف عند التعريفات المختلفة لمصطلح «المعجم» وتطور مفهومه من عصر إلى آخر، منطلقة من بدايات التأليف المعجمي عند السومريين، والأوغاريتيين، والهنود، والصينيين، والإغريق، والعرب، والأوروبيين.
وتنتقل إلى التأليف المعجمي في العصر الحديث، مبرزة عوامل تطور هذا النوع من المؤلفات، ومصنّفة المعاجم الحديثة إلى عدد من الأنواع منها: معجمات التأصيل الاشتقاقي، والمعجمات التاريخية، والمعيارية، والوصفية، والموسوعية، والمتخصصة، ثم المعجمات الكبيرة من حيث الحجم، والمتوسطة، والوجيزة، ومعجمات الجيب، ومعجمات المراحل السنيّة، ومعجمات اللغات المتعدّدة.
وتخصّص الباحثة الباب الثاني من هذا الكتاب للدراسة التطبيقية التي تهتم بمعالجة المداخل المعجمية، وعرض إشكالاتها من خلال خمسة فصول. فتعرض في الفصل الأول جهود المعالجة الدلالية للمواد المعجمية عند عدد من المدارس اللغوية مثل: التاريخية والوصفية والبنيوية والوظيفية والتوليدية، ثم عند أصحاب نظرية الحقول الدلالية، وأصحاب نظرية السياق الاجتماعية.
وتنتقل إلى دراسة نقد الدارسين المحدثين للمواد المعجمية عند المعجميين العرب القدماء، فتصنف انتقاداتهم تبعا للمدارس اللغوية الحديثة التي تأثر بها هؤلاء الدارسون، وتبين اقتراحات المحدثين لتحديث مواد المعجمات العربية.
ثم تتوقف عند مستويات الاستعمال في المعجم العربي ومنها المستويات المعيارية التي سادت عند المعجميين العرب بعد عصر الاحتجاج، ومستويات الاستعمال التاريخية، فتدرس تصنيفاتها وتقسيماتها القديمة والحديثة مثل المولّد والمعرّب والدّخيل والأعجمي، ومفاهيمها، ومواقف القدماء والمحدثين منها.
وسبل معالجة المواد الأجنبية في المعجمات العربية القديمة والحديثة، والموقف من اللهجات العامية، وإشكالات تدوين العامية في المعجم العربي. وتتوقف الباحثة عند إشكالات معالجة المواد المعجمية من حيث العلاقات الدلالية، ومفاهيم الترادف والاشتراك والأضداد، والمواد الموسوعية.
ثم تنتقل الباحثة في الفصل الثاني إلى دراسة تطور معالجة المعلومات الصرفية والنحوية في المعجم، ممهدة بحديث عن مسألة اختلاف أقسام الكلام تبعا للمدارس اللغوية واتجاهاتها، ثم تتناول دراسة تطور معالجة المعلومات الصرفية والنحوية في المعجم، وذلك بعرض الاقتراحات التي قدمها الباحثون المحدثون في سبيل تحديث هذه المعلومات، وتنتهي إلى مقارنة سبل المعالجة العربية ببعض المعجمات الغربية الحديثة.
وتتوقف في الفصل الثالث عند إشكالية تمثيل النطق والهجاء في المعجم ومشكلاته مشيرة إلى إِشكالات التهجئة في اللغة العربية واللغات الأوروبية، والنقد الذي وجهه الدارسون المحدثون إلى طرق معالجة النطق والهجاء في المعاجم العربية على ضوء النظريات اللغوية الحديثة .
أما في الباب الرابع فتفصل في طرق شرح المواد الموسوعية وشرح المعنى في المعجمات العربية فترى أنها قد تعددت وتطورت مع تطور التطلعات الحضارية، ومع تعدد النظريات اللغوية واختلافها.
حيث ظهرت طرق عدة للتعريف والشرح، ووسائل مختلفة للإيضاح والتفسير منها: الشرح المنطقي، والوظيفي، والشكلي، والتشبيهي، والتحليلي، والاشتمالي، والتقليدي. ثم الشرح بالشواهد، والشرح بالصور والرسوم.
وتحت عنوان: طرق الترتيب في المعجم ومشكلاتها، تتحدث الباحثة في الفصل الأخير عن بدايات الترتيب عند العرب، وأشكال ترتيب المداخل الرئيسية في المعجم، ما بين ترتيب جذري وترتيب نطقي، وترتيب ناجم عن دمج الترتيبين السابقين. ثم أشكال ترتيب المداخل الثانوية التي تتركز في الترتيب الصرفي لمواد المعجم.
ثم تعرض ترتيب دلالات مواد المداخل الثانوية في المعجم، من ترتيب تاريخي، ووصفي، ودلالي، وترتيب بحسب الأفضلية. وأخيرا تعرض ترتيب المداخل المعجمية بحسب هدف المعجم، دراسة مدى تطبيق كل شكل من أشكال الترتيب السالفة الذكر في المعجمات العربية الحديثة.
وتخلص الباحثة إلى أن معظم مشكلات المعجم المعاصر تدور حول مدى تناسب المناهج المعجمية المختلفة مع أحجام المعجم المحدودة، ومع نوعيتها بما يتناسب والفئات المتعددة والمستويات المختلفة، التي قد تعجز المعجمات الورقية عن استيعابها.
لذلك فهي تقترح حلا لمعظم المشكلات المعجمية النوعية والكمية باعتماد المعجمات الإلكترونية المخزنة على CD) ( شريطة أن يكون القائمون على التخزين من العلماء المختصين وليس جهة تجارية.
وإذا كان هذا الاقتراح مثار أخذ ورد لأن المعجم سيقتصر في هذه الحالة على فئة مستخدمي الحاسوب من ناحية، كما سيتحفّظ عليه بعض الدارسين المحافظين الذين لا يثقون بالابتكارات الجديدة من ناحية ثانية، فإن الباحثة ترى أنه إذا كان لا بدّ من المعجم الورقي فإنها تقترح وضع معجمات لغوية تسجل المخزون اللغوي كله.
وبمختلف عصوره الزمنية من قديمة وحديثة ومعاصرة، وبمختلف مستوياته الاجتماعية من مستويات رفيعة إلى مستويات متدنية، ومن لغات رسمية إلى لغات غير رسمية، وبمختلف اللهجات، وبمختلف درجات اللغة، من لغة انتقائية معيارية إلى الظواهر اللغوية الشاذة والاستثنائية، إلى الظواهر المطّردة.
وذلك إما بعرضها في معجم كبير شامل أو في معجمات منفردة ومتخصصة متوجهة لشريحة معينة، أو لفئات تخصصية علمية مختلفة أو مستويات عمرية من خلال معجمات تاريخية أو وصفية أو اجتماعية أو بنيوية أو توليدية وغيرها.
وتشير الباحثة في خاتمة كتابها إلى أن صناعة المعجم باتت تعتمد على اختصاصات عدة، وتحتاج إلى تمويل مادي ضخم، ومن هنا فهي تدعو المؤسسات العلمية والأكاديمية إلى إصدار هذه المعجمات بإسهام علماء اللغة، وعلماء من اختصاصات علمية ومعرفية عدة، حتى تستطيع مواكبة كل جديد على صعيدي الحركة اللغوية والحركة المعجمية.
نذير جعفر
*الكتاب:التطورات المعجمية والمعجمات اللغوية العامة العربية والحديثة
*الناشر:الهيئة العامة السورية للكتاب ـ دمشق 2007
*الصفحات:376 صفحة من القطع الكبير