مؤلف كتاب «مشتهى العقول في منتهى النقول» هو العلامة «جلال الدين عبد الرحمن بن الكمال السيوطي» المولود سنة 849هـ في «أسيوط» في أسرة علم ودين، تلقى «السيوطي» علوم عصره المختلفة على عدد من الشيوخ أربوا على مئة وخمسين شيخاً، ونال منهم إجازات عدة في تدريس العوم المختلفة.

إلا أنه لم ينقطع عن التحصيل طوال عمره، فكان يعلّم ويتعلم، وقد تتلمذ على يديه عشرات من الأعلام، وقد جاب «السيوطي» جانباً من العالم الإسلامي، طالباً العلم ومنها: الشام واليمن والهند والمغرب والحجاز. وكان عصره عصر سعي العلماء لجمع وحفظ التراث العربي، بعد أن غزا المغول «بغداد» وأحرقوا وأغرقوا ما وجدوه من خزائن الكتب، فظهرت الموسوعات في كل علم وفن.

لقد حفظ «السيوطي» القرآن الكريم وهو ابن ثمان، وحفظ كتب التنبيه لأبي اسحق الشيرازي، وتهذيب الفروع للبغوي. وروضة الطالبين، والمنهاج للنووي، وجميعها في الفقه الشافعي، ومنهاج الأصول للبيضاوي، وعهدة الأحكام للحافظ المقدسي في الحديث الشريف، وألفية ابن مالك في النحو، وهو فتى.

ومن وقف على هذه الكتب، أدرك قوة الذاكرة الحافظة الواعية التي وهبها الله سبحانه لهذا الشاب، وأدرك أيضاً ما ينعم به من حب علم طلب العلم. لقد ترك لنا السيوطي مكتبة كاملة، فلقد كتب سنة 904 هـ فهرساً بمؤلفاته فبلغت ثمانية وعشرين وخمسمئة كتاب موزعة كما يلي:

ستة وثلاثون منها في فن التفسير وما يتعلق به.

ثلاثة ومئتان في الأصول والعقائد والتصوف.

تسعة وستون في الأدب والنوادر والإنشاء والشعر.

ثلاثة وستون في اللغة والنحو والصرف.

تسعة وعشرون في التاريخ.

تسعة في كتب جامعة لفنون عدة.

فإذا علمنا أنه عاش بعد ذلك سبع سنين، هي أكثر أيامه إنتاجاً، أدركنا صعوبة حصر كتبه، حتى قيل إنها بلغت التسعمئة كتاب. أما كتابه «مشتهى العقول في منتهى النقول» فهو طريف ونادر فالمعروف أن المكتبة العربية قد حفلت بعدد من المصنفات التي استقلت برصد الأوليات، وقد بدأ التأليف فيها مبكراً، ففي أواخر القرن الهجري الثاني، وضع هشام بن الكلبي كتاب الأوائل.. ولم ينقطع هذا التصنيف في هذا الباب.

على أن رصد منتهيات الأشياء وغايات الأمور لم تقدم من قبل، ولعل السيوطي، هو أول من كتب في هذا النوع من الكتابة. جمع «السيوطي» في هذا الكتاب بعض منتهيات الحوادث وغايات الأمور، انتقاها من تقدمه، كما يوحي بذلك عنوان الكتاب «منتهى النقول».

وقد قدم «السيوطي» لكتابة هذا بمقدمة وجيزة بيّن فيها أن ما يحويه هذا المجموع، ما هو إلا ثمار منوعة اقتطفت من كتب متعددة، وجمعت دون عناية بترتيب وتبويب وتزويق فلا نلمس نظاماً معيناً في ترتيبها، فهي أشبه بكشكول، أو مخلاة صغيرة، جمعت نقولاً لا رابط بينها، سوى كون كل منها صدر بقولنا: منتهى. من الكتاب: منتهى الليالي: ليلة القدر، قال الله تعالى: (ليلة القدر خير من ألف شهر، تنزّل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر).

منتهى الحفظ لـ «ابن جرير الطبري»، فريد في علم التفسير وكان يحفظ حمل ثمانين بعيراً. منتهى المدائن بغداد، حماماتها ستون ألفاً، ومساجدها ثلاثمئة ألف، ومفتوها بالأسواق أربعة وعشرون ألفاً. منتهى كرم الوزراء «البرامكة» كاد ألا يوجد أحد من العلماء والحكماء والندماء والعظماء إلا وللبرامكة عليه كرم نما كماء السماء. وهكذا يقدم لنا السيوطي مادة طريفة وجديدة وقريبة للقلب.

M _alfahed@yahoo.com