إيمانويل سادا، مؤرخة وباحثة في ميدان علم الاجتماع وأستاذة في مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية في باريس. قدّمت العديد من الدراسات حول رعايا الحقبة الاستعمارية. تفتح المؤرّخة والباحثة الاجتماعية في هذا الكتاب صفحة جديدة في تاريخ الاستعمار الفرنسي، أو ما عُرف بعهد الإمبراطورية الفرنسية، وذلك تحديدا من زاوية علاقات السيطرة والتهميش والاستبعاد التي مارستها الإدارة الاستعمارية حيال أبناء المستعمرات من خلال مجموعة من الإجراءات القانونية والإدارية.
وتبتعد المؤلفة في تحليلاتها عن الخوض في النقاش الدائر حول «مناقب» الاستعمار و«مسالبه». وهو النقاش الذي اتخذ أحيانا الانقسام إلى تيارين عريضين. تيار الذين تحدثوا عن «المظاهر الإيجابية» للاستعمار وتيار آخر لم ير في الاستعمار سوى السلبيات. ولا تتردد مؤلفة هذا الكتاب في القول أن النظام الاستعماري الفرنسي أقام واقعا من «التمييز العنصري» بعيدا عن جميع المبادئ و«الشعارات» المرفوعة الخاصة بالحرية والمساواة والأخوّة، وبعيدا أيضا عن السعي إلى تحقيق درجة عالية من «الاندماج» في بوتقة اجتماعية واحدة.
تنطلق المؤلفة في تحليلاتها من مرسوم جرى نشره في الجريدة الرسمية لمنطقة الهند الصينية الفرنسية في عام 1928 وحدد «المكانة القانونية للأطفال الهجناء المولودين «لأهل غير معترف قانونيا بزواجهم». وكان ذلك المرسوم ثمرة عدة عقود من الجدل حول الوضعية القانونية للأطفال ثمرة الزواج المختلط في المجتمع الاستعماري. كما أنه كان الخطوة العملية الأولى في الاعتراف بمنح الجنسية الفرنسية للأطفال المولودين من أم تعود أصولها للمستعمرة وأب «غير معروف». تعبير «غير معروف» هذا عنى في واقع الأمر «الذي يسود الاعتقاد أنه فرنسي» أو «الظنين على أنه من العنصر الفرنسي» حسب الصيغة القانونية المستخدمة.
في الواقع الملموس استطاع عدة آلاف من الأطفال الذين وُلدوا نتيجة علاقة «عابرة» بين جنود الاستعمار أو العاملين في إطاره بأية صفة كانت وبين نساء من الهند الصينية على حق التخلّي عن المكانة القانونية التي تصفهم كـ «رعايا» إلى المكانة القانونية للمواطنين، وذلك شريطة أن يستطيعوا الإثبات أمام المحاكم حقيقة انتمائهم إلى «العرق» الفرنسي.
وهذا ما ترى به مؤلفة الكتاب في الوقت نفسه تراجعا» عن المفهوم الجمهوري الكوني ـ يونيفرسال ـ المثبّت في القانون الفرنسي للتأكيد على مرجعية «العرق» في مسألة منح الجنسية الفرنسية، وذلك قبل الإجراءات «العنصرية» التي تبنّاها نظام حكومة فيشي أثناء الحرب العالمية الثانية ضد اليهود. إن المؤلفة توسّع في هذا الإطار منظور تحليلاتها كي يشمل مفهوم «العرق» في القوانين الاستعمارية كلها.
وتعيد المؤلفة فترة النقاشات الأولى حول المشكلة القانونية التي يطرحها الأطفال الهجناء ـ المولودين نتيجة علاقة مختلطة في ظل الواقع الاستعماري ـ إلى سنوات التسعينات من القرن التاسع عشر في منطقة الهند الصينية ثم في مدغشقر فكاليدونيا الجديدة فإفريقيا جنوب الصحراء (إفريقيا السوداء). وكان أول الذين طرحوها هم رجال القانون والإدارة لتتعمم بعد ذلك كي تطال النخبة الاستعمارية كلها.
لقد طرح الهجناء مشكلة حقيقية على «جدول» التصنيفات الرمزية للنظام الاستعماري. ذلك أن هؤلاء كانوا فرنسيين بواقع أن أحد الأبوين ـ الأب عامة ـ هو من عرق فرنسي وأيضا بواقع لون البشرة بالتالي، ولكنهم كانوا في الوقت نفسه من أبناء المستعمرات من حيث وضعيتهم القانونية ـ قبل التجنيس ـ ومن حيث وضعيتهم القانونية وخاصة من حيث عاداتهم ونمط عيشهم.
الزيجات «المختلطة» بين الاستعماريين والذين استعمروهم خلقت حالة من «التشوش» فيما يخص الحدود «البيولوجية» و«القانونية» بين الطرفين، وكان البعض قد اعتبروا أن المسألة تتعلق بـ «تشوش في العرق» يمكن أن تكون آثارا مخرّبة. وفي مواجهة ذلك «التمييز العنصري» حاولت بعض الجمعيات الخيرية في فترة أولى العمل على «إنقاذ» الأطفال «المتروكين لمصيرهم» لكن لم تكن الجمعيات بعيدة في تفكيرها عن النظر إلى «العرق» الفرنسي فيهم. وبالتالي عن انتزاعهم من الآثار المفسدة لمجتمعاتهم الأصلية. كذلك حاولت في السياق نفسه «تأمين اندماجهم وتمثّلهم» عبر تعليمهم «على الطريقة الفرنسية».
إن المؤلفة تركز في تحليلها على إيضاح مدى الجمع والتداخل في تلك الحقبة من الزمن بين البعدين المتعلقين بـ «الوراثة الدموية» وبـ «الوسط الاجتماعي». لقد كان شرط الحصول على الجنسية الفرنسية لا يكتفي أن يكون الطفل المعني بها ذا «دم فرنسي» يجري في عروقه وإنما كان ينبغي أيضا أن يكون قد اكتسب اجتماعيا قواعد «التمدّن» عبر العيش في وسط عائلي مشبّع بالثقافة الفرنسية. لكن في الوقت نفسه كانت مرجعية «العرق» ترمي آنذاك إلى «الدمج» داخل النسيج الاجتماعي الفرنسي وليس «الاستبعاد»، كما يتم استخدامها في الفترة الراهنة من قبل العديد من القوى السياسية وأحيانا تأخذها بعض الجهات الرسمية في اعتباراتها عند التعامل مع الأجانب.
ومن الواضح أن المؤلفة تركز أيضا في جميع تحليلاتها على واقع تعقيد «المفاهيم العرقية» ذات البعدين «البيولوجي» و«الثقافي» في الوقت نفسه، وهي بالتالي تتجاوز كثيرا ما تتم تسميته بـ «تباينات لون البشرة». على الرغم من أن هذا المعيار تحديدا كان له وزنه «في المحاكم» من أجل إثبات أن أحد الأبوين من دم فرنسي.
وترى المؤلفة أن نص مرسوم 1928 لم يكن يرمي في الواقع، إلى «معاقبة» الهجناء وإنما بالأحرى إلى «نجدتهم» عبر انتزاعهم من «المحيط السيئ» الذي يمكن ل«هويتهم ذات الحد المزدوج» أن تدفعهم إليه بين أبناء مجتمعهم حيث لا يتم اعتبارهم كـ «أعضاء» فيه بشكل كامل وليسوا في الوقت نفسه مواطنين كاملي الحقوق في المجتمع الاستعماري. وكان أحد الحلول المقترحة هو إرسال الأطفال المعنيين بكل بساطة إلى فرنسا بعيدا عن الوضع الاستعماري برمّته. بل وجرت بعض الدراسات لمعرفة «أفضل المناطق» من أجل استقبال «الدفقات» القادمة.
تتمثل إحدى الميزات الأساسية لهذا الكتاب في كون أن مؤلفته تناقش الكيفية التي تعامل فيها القانون الاستعماري «تدريجيا» مع مسألة «الأطفال الهجناء»، ومما ساهم من جهة في توضيح معطياها ومن جهة ثانية تحديد ما يمكن أن تشتمل عليه من «تهديدات» ويكتشف القارئ أن المحاكم الاستعمارية قد نظرت قبل فترة طويلة من مرسوم 1928 في طلبات تقدّم بها أصحابها أو ممثلوهم من أجل الحصول على «الاعتراف» أنهم ينحدرون من «أب فرنسي».
وكانت بعض الاحتجاجات قد ظهرت آنذاك ممن تتم تسميتهم بـ «المراقبين الاستعماريين» الذين أعلنوا عن خشيتهم من أن يقوم بعض المستعمرين (المستوطنين) بقبول الاعتراف بأبوّتهم لأطفال من أبناء المستعمرات بهدف وحيد هو أن يكتسب أولئك الأطفال جنسية «آبائهم». من هنا شكّل معيار «العرق» في مرسوم 1928 أحد «الحواجز» أمام الاعتراف «المزيّف» بالأبوّة.
إن مثل هذا اللجوء إلى معيار «العرق»، نظر إليه المدافعون عن مرسوم عام 1928 على أنه ذو طبيعة «إيجابية» من حيث استخدامه بقصد إعطاء الحقوق وليس من أجل الشجب أو الاستبعاد. لكن هذا لا يمنع واقع أن ذلك المعيار الخاص بـ «مفهوم العرق» تنقصه الدقّة، لاسيما فيما يتعلق بإثبات الانتماء إلى فرد. كان القضاة الاستعماريون، الذين كانوا يفتقرون إلى التكنولوجيات التي يمكن أن تحدد اليوم الانتماء الدموي بين الابن والأب عن طريق اختبار الحمض النووي، يلجأون إلى إعطاء الأولوية للتربية وللوضع الاجتماعي، وأيضا إلى «المؤشرات الجسدية للانتماء الاثني» اعتماداً على ملاحظات رجال قانون أو على وثائق يصدرها أطباء.
لقد جرى تطبيق مرسوم 1928 في العديد من المناطق المستعمرة. ونظرا لعدم وجود رؤية مركزية قانونية بالنسبة للمجال الاستعماري كله جرى تطبيق المعايير الخاصة بالجنسية بشكل انتقائي. لكن بالنتيجة تغيرت الهوية الاجتماعية للآلاف من «أطفال الاستعمار» وأصبح دورهم هو أن يكونوا، واقعيا، بمثابة «الكوادر الجديدة للاستعمار». لكن مؤلفة هذا الكتاب تؤكد أنه لم يتوصل هؤلاء المواطنون «باسم العرق» إلى تشكيل مجموعة لها هوية حقيقية.
*الكتاب:أطفال المستعمرة، هجناء الإمبراطورية الفرنسية بين الرعايا والمواطنين
*الناشر: لاديكوفيرت ـ باريس 2007
*الصفحات :336 صفحة من القطع المتوسط
Les enfants de la colonie, les métis de l'empire français entre
sujétion et citoyenneté
Emanuelle Saada
La Découverte- Paris 2007
P.336