يعمل فرانك تيتار أستاذاً للعلوم السياسية في جامعة السوربون حيث كان قد أعدّ قبل سنوات أطروحة دكتوراه في الجيوسياسات. «كالينينغراد» التي يدرس المؤلف «جيوسياستها» هو اسم لمنطقة صغيرة تكاد تكون غير معروفة في أوروبا نفسها سوى للأخصائيين والمهتمين بالشأن الروسي. ومن هنا يبدأ المؤلف بتقديم تعريف لها.
«كالينينغراد» منطقة يبلغ عدد سكانها حوالي المليون نسمة وتزيد مساحتها قليلا على 000 15 كيلومتر مربع. كانت تشكّل حتى عام 1945، أي حتى نهاية الحرب العالمية الثانية الجزء الشمالي من بروسيا الشرقية. وعندما اجتمع الرؤساء الثلاثة ستالين وروزفلت وتشرشل في «يالطة» على شواطئ البحر الأسود بعد نهاية تلك الحرب من أجل رسم خارطة جديدة لأوروبا جرى الاتفاق على ضمّ المنطقة المعنية إلى الاتحاد السوفييتي وتمّ التصديق على ذلك في نفس السنة عبر اتفاقية «بوتسدام».
منذ نهاية الاتحاد السوفييتي إثر مسلسل الانهيارات التي عرفها المعسكر الشيوعي (السابق) ابتداء من سقوط جدار برلين عام 1989 أصبحت منطقة «كالينينغراد» تابعة لروسيا ـ الفيدرالية الروسية ـ ولكنها مقطوعة عنها بنفس الوقت بكل من لتوانيا وبيلوروسيا.
من هنا جاء العنوان الفرعي للكتاب «جزيرة روسية داخل الاتحاد الأوروبي». وهي محصورة بين بولندة ولتوانيا مما يجعلها في «قلب» المجال الجغرافي للدول الأوروبية الموقّعة على «اتفاق تشنغن» والتي أصبح الانتقال داخله حرّا تماما للأشخاص بعد رفع جميع الحواجز الحدودية «الداخلية».
كانت المنطقة المعنية تحمل حتى عام 1946 تسمية «كونيسبيرغ»، أي الاسم البروسي وجرى تعميدها آنذاك باسم «كالينينغراد» تيمنا باسم رئيس اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي يومها «ميخائيل كالينين». وبهذا المعنى تشكل «شاهدا بليغا» على الماضي الذي عاشته القارة الأوروبية القديمة.
وفي عام 1991 عندما انفجر الاتحاد السوفييتي السابق بدت كالينينغراد التي يمثّل الروس نسبة 80 بالمئة من سكانها مثل تهديد «إستراتيجي» بالنسبة للغرب. وأصبح هذا «التهديد» أكثر «قربا» اعتبارا من عام 2004 عندما جرى توسيع إطار الاتحاد الأوروبي ليشمل البلدان المحيطان بها جغرافيا (أي بولندة ولتوانيا) بالإضافة إلى بحر البلطيق الذي غدا يومها «بحراً داخلياً» في الاتحاد الأوروبي.
ما يؤكده المؤلف في تحليلاته هو أن عموم بلدان منطقة بحر البلطيق تولي اهتماماً كبيراً ب«كالينينغراد» التي تطالب بالسيادة عليها دولا مختلفة وتعاني من توترات مستمرة لم تستطع الاتفاقيات كلها أن تضع حدا نهائيا لها. وقد كانت موضوع رهانات جيوستراتيجية كبرى في أوروبا طيلة فترة الحرب الباردة بسبب قاعدتها البحرية والتي تشكل اليوم موقعا متقدما بالنسبة لروسيا اليوم وتبقى الآن ورقة رابحة بيد الكرملين فيما يتعلق بمفاوضاته مع الاتحاد الأوروبي.
وتدل الشروحات المقدّمة أن السلطات الروسية لم تول أهمية كبيرة لمصير هذه المنطقة الصغيرة خلال سنوات التسعينات. هذا ما دلّ بوضوح واقع أن عدد القوات الروسية في أسطول البلطيق كان يزيد على مئة ألف عنصر عام 1991 وانخفض هذا العدد إلى عشرة آلاف في نهاية ذلك العقد.
كذلك ظهرت آثار إهمال السلطات الروسية لكالينينغراد على الصعيد الاقتصادي، فرغم إعلانها منطقة حرّة عام 1993، فإن المنطقة اكتسبت شهرة أنها منطقة فقيرة، هذا فضلا عن أنها عرفت كل أشكال التجارة غير المشروعة من مخدرات وشبكات دعارة ومبيعات أسلحة، الخ.
بل ويتم التأكيد في هذا السياق أن المنطقة عرفت تدهورا واضحا على المستوى الصحي وظهر فيها من جديد مرض السل، كما أنها أحد أكثر مناطق أوروبا من حيث المصابين بفيروس مرض نقص المناعة المكتسب «الايدز». والوضع المتردّي أيضا يظهر على صعيد البيئة بفعل «دفن» كميات كبيرة من النفايات الكيماوية والنووية فيها، كإرث من الاتحاد السوفييتي السابق.
ويؤكد مؤلف هذا الكتاب أن جميع البلدان المجاورة لبحر البلطيق تولي أهمية خاصة لهذه المنطقة «الصغيرة»، وذلك بسبب موقعها الإستراتيجي المتميّز، وهذا أمر تدركه موسكو بشكل جيد، ولذلك كانت تشتكي باستمرار أثناء المفاوضات مع ممثلي الاتحاد الأوروبي من «المضايقات» التي يتعرض لها «المواطنون الروس» من سكان كالينينغراد عندما يريدون الذهاب إلى «الوطن الأم»،
إذ ينبغي عليهم في كل مرة أن يطلبوا وثيقة من السلطات اللتوانية. أما الجنود الروس فإنهم يتعرّضون أثناء عودتهم من كالينينغراد إلى روسيا لعمليات تفتيش دقيقة و«مهينة» أحيانا من قبل دوريات الجيش في لتوانيا. بهذا المعنى يستخدم الروس باستمرار «كالينينغراد» كورقة للمساومة حول أية تنازلات يكون من المطلوب منهم تقديمها.
كذلك تؤكد التحليلات المقدّمة على أن دول الاتحاد الأوروبي تستخدم من جهتها «مخاوفها ذات الطبيعة الإستراتيجية» من وجود هذه «البؤرة الروسية» داخل إطار مجالها الموحّد. وقد زاد الأوروبيون من الإعراب عن مخاوفهم «الأمنية» خاصة بعد أن أصبحت منطقة كالينينينغراد تشكل منطقة حدودية للاتحاد الأوروبي، اعتبارا من شهر مايو 2004، أي منذ انضمام كل من بولندة ولتوانيا إلى الاتحاد الأوروبي.
هكذا وجدت منطقة «كالينينغراد» نفسها مشدودة بين مصالح متناقضة. فالسلطات الأوروبية الموحّدة تريد أن تُبعد أي خطر يحمل إمكانيات هز الاستقرار في المناطق الحدودية للاتحاد الأوروبي. وأمام الواقع «الجغرافي» يحاول الأوروبيون لعب إستراتيجية مزدوجة.
فإمّا يجدون أن تحسين الأوضاع المعاشية لسكان منطقة كالينينغراد يشكل أفضل أداة لدرء المخاطر على الحدود. وإمّا يؤكدون على الورقة الأمنية عبر تشديد الإجراءات الخاصة بالدخول والخروج إلى ومن المنطقة المعنية.
وقد حاولت موسكو عند توسيع إطار الاتحاد الأوروبي عام 2004 أن تجعل من منطقة كالينينغراد «مختبرا تجريبيا للعلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي». وقد اقترح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين آنذاك إلغاء نظام تأشيرات الدخول بين كالينينغراد ودول الجوار الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
وبشكل إجمالي يتوصل المؤلف في تحليلاته إلى القول ان منطقة كالينينغراد ذات المليون نسمة «تبلور» المخاوف الأوروبية عامة. ولكن أيضا وخاصة بلدان الجوار الجغرافي مثل دول حوض البلطيق وبولندة. لاسيما وأن هذه الدول كلها كانت بمجملها تدور في فلك الاتحاد السوفييتي السابق وهي تريد اليوم أن تؤكد استقلالها وسيادتها حيال روسيا، وريثة النظام «الرائد» في فترة ما قبل سقوط الشيوعية.
وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن الأحزاب الراديكالية ذات الإيديولوجية القومية في كل من بولندة ولتوانيا لم تكف عن المطالبة بكالينينغراد على أساس أنها «جزء» من أراضيهما ومن هنا تأتي أيضا خشية روسيا من أي انفتاح كبير للمنطقة على الجوار الأوروبي
مما قد ينعش تطلعات «انفصالية» كامنة لكنها قد تستيقظ في أيّة لحظة. هكذا تحرص روسيا أيضاً على المحافظة على هذه المنطقة التي تعتبرها كـ «سداد» ديون مقابل التضحيات التي قامت بها أثناء الحرب العالمية الثانية.
ويؤكد مؤلف هذا الكتاب أنه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 جرت أحداث عديدة جعلت الكرملين يتمسك بالمحافظة على كالينينغراد تحت سيطرتها. وفي مقدمة تلك الأحداث عمليات القصف الجوي التي قامت بها قوات الحلف الأطلسي لبلغراد عاصمة صربيا (يوغسلافيا السابقة) عام 1999، وانضمام بلدان أوروبا الشرقية والوسطى للحلف الأطلسي عام 2004، ودعم الاتحاد الأوروبي لما سمي بـ «الثورة البرتقالية» في شهر ديسمبر من نفس السنة، 2004.
ولا يتردد المؤلف في المحصلة بالقول ان نسبة متزايدة من سكان كالينينغراد يداعبها حلم أن يصبح بلدها سوقا حرّة، أو منطقة صناعية حرّة، تجذب إليها الاستثمارات الأوروبية التي يمكن أن تحوّلها إلى «هونغ كونغ البلطيق»، حسب أحد التعبيرات الشائعة فيها. لكن المؤشرات كلها تدل على أن موسكو ستقوم بكل ما في وسعها من أجل منع تحقيق مثل هذه الأفق في ظل المعطيات الراهنة.
*الكتاب:جيوسياسة كالينينغراد
*تأليف : فرانك تيتار
*الناشر: مطبوعات السوربون الجامعية ـ باريس 2007
*الصفحات :438 صفحة من القطع المتوسط
Géopolitique de Kaliningrad
Presse Universitaire de Paris-Sorbonne 2007
p.438