مؤلف كتاب «سرقات المتنبي ومشكل معانيه» هو المؤلف المبدع «ابن بسام النحوي» مؤلف كتاب «الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة» الذي يعد من أوائل الكتب التي عرّفت برجال عصر مؤلفه. ولد ابن بسام أبو الحسن علي بن بسام في مدينة «شنترين» وهي اليوم من مدن «البرتغال» وفيها نشأ وتلقى علومه ودرج على مسالك الأدب، وضروب الثقافة المعاصرة له.
ونعلم من خلال كتابه «الذخيرة» أنه من أسرة موسرة، كانت تكفيه مؤونة اللحاق بوظائف أو أعمال هنا وهناك، وقد استقر بعد خروجه من مدينته في «قرطبة» ثم قصد مدينة «اشبيلية» يستوطنها ويتقلد بعض الأعمال السلطانية فيها.
ولد «ابن بسام» نحو سنة 450 هجرية، وتوفي سنة 542هجرية. وهو بهذا قد عاصر أحداثاً عظيمة طرأت على الجزيرة الأندلسية بعامة، وعلى الغرب الأندلسي ـ موطنه الأصلي ـ بخاصة. والكتاب هذا «سرقات المتنبي ومشكل معانيه» يعتمد في الدرجة الأولى على تتبع المعاني الشعرية ومن سبقه بقولها، والتنظير بينها وبين ما يشبهها، ومن النقد لها بالثناء إن استحقته أو ضده إن اقتحمته.
وما فعله «ابن بسّام» في تتبعه المعاني التي أتى بها «المتنبي» كان شغل أقلام أهل العلم والأدب والشعر فقد تناولوا شعر «المتنبي» مدحاً وذماً ونقداً وإعلالاً، وتتبعوا مآخذ شعر من أبي الفتح ابن جني إلى «الأصفهاني» إلى الصاحب بن عباد والمعري والثعالبي وابن هشام الأنصاري.
ولكن غرابة هذا الكتاب تقع في أن جميع الذين اشتغلوا بديوان «المتنبي» هم من أعلام الأدب في المشرب، ولم ينتدب لذلك من علماء المغرب سوى «ابن سيده» الذي ألّف كتابا في شرح مشكل شعر المتنبي، ثم هذا الكتاب لابن بسّام.
اقتصر المؤلف في فاتحة كتابه على قوله: «هذا كتاب في ذكر سرقات أبي الطيب المتنبي» ومشكل معانيه المرتبة على القوافي» وطريقته أنّه يأتي بأبيات «أبي الطيب» مرتباً لها على حسب ترتيب حروف القوافي، فيعنون بحرف القافية التي منها الأبيات فيقول مثلاً في باب قافية الدال:
وقوله ـ أي قول المتنبي: لكل امرئ من دهره ما تعودّا من قول حاتم: وكل امرئ جار على ما تعودا.
وقوله:
أحلماً نرى أم زماناً جديداً
أم الخلق في زيّ شخص أعيدا
من قول أبي النواس:
وليس لله بمستنكر
أن يجمع العالم في واحد
ثم يذكر شرح الأبيات التي يراها أنها بحاجة للشرح، وقد يأتي بكلام «أبي الفتح ابن جني» وينتقده أو يقرّه، وجعل ترتيب حروف المعجم فيه على الاصطلاح المشرقي دون المغربي الذي هو اصطلاح أهل بلد «ابن بسام». وربما أنه تابع فيه ترتيب «أبي الفتح ابن جني» وهو الترتيب الأبجدي (أ ـ ب ـ ت ـ ث.......).
وقد أطلق الأدباء قديماً اسم السرقات الشعرية، على أن يأخذ الشاعر معنى سابقاً في شعر من قبله، فيودعه في شعره قصداً، ويُعلم القصد بقرينة الإحاطة بذلك المعنى. وكل من الأخذ والسرعة نوعان: ظاهر وغير ظاهر.
الظاهر أن يؤخذ المعنى كلّه، إمّا مع اللفظ كلّه أو بعضه، فإن أخذ اللفظ من غير تغير فهو مذموم، وإن أخذ ثم جاء شعره أحسن من شعر سابقه فممدوح، وإن كان أقل منه فهو مذموم. وهو في بداية كل قافية يورد أبياتاً مفردة لمعنى من المعاني وكل بيت من قصيدة، لكنها كلّها تورد معنى معيناً، وهو ها يشرح هذه الأبيات شرحاً مفصلاً.
فمثلا: قول المتنبي:
فتى يشتهي طول البلاد ووقته
تضيق به أوقاته والمقاصد
يقول شارحاً:
أي لاتساع همته وكثرة ما ينويه، يشتهي اتساع البلاد وأوقاته وقوله: تضيق به أوقاته والمقاصد» أي معها كما تقول: كيف أنت وزيد؟ تريد مع زيد. هذا الكتاب إضافة حقيقية لمعرفة أشعار المتنبي وهو بحث جميل يبين مدى صبر صاحبه ومعرفته للشعر العربي قبل المتنبي.