في روايته الأولى منذ «نور النهار»، يقدم لنا الروائي البريطاني غراهام سويفت حكاية مضيئة حول أقوى الصلات التي تربط بين البشر في ليلة واحدة تمد الجسور نحو نصف قرن من الأحداث والشخوص والصراعات.
في منتصف ليلة صيف من عام 1995 ترقد باولا كامبل هوك مستيقظة، وقد نام إلى جوارها زوجها مايك الذي يمتد زواجها به عبر ربع قرن من الزمان وفي الغرفتين المجاورتين لهما في الدار ذاتها رقد ابنهما نك وابنتهما كيتي. وهي تعرف أن اليوم المقبل، الغد أو بالأحرى اليوم الذي بدأت ساعاته الأولى في الإطلال سيعيد تحديد ملامح حياتهم بأسرها، فثمة ما يكشف عنه في الغد، ومستقبل الابنين يمتد أمامهما، والدار تضم تاريخ العائلة ومصيرها.
تستعيد باولا السنوات التي سبقت ميلاد ابنيها والتي أعقبته، وتبدأ قصة هي في آن احتفاء متوهج بالحب الاستحواذي وإقرار مؤثر بالخوف من الفقدان، من ضروب الهشاشة والأوهام والأسرار التي يمكن أن يقوم عليها الإحساس الأكثر حميمية بهويتنا وبمن نكون.
ورواية «الغد» هي بهذا المعنى اعتصار متألق لنصف قرن بكامله في ليلة مروعة حافلة بالمفاجآت، وهي تبدو رقيقة في نغمتها تماماً كما هي عميقة في سبرها لأغوار شخوصها.إن ما يستكشف غراهام سويفت آفاقه في هذه الرواية هو بصورة رئيسية الطرق التي تخلق بها الأسرار لضمان السعادة والطاقة المتعلقة بالضرر المحتمل عندما يكشف النقاب عن الحقيقة.
هكذا، في تلك الليلة الواحدة، ينقل إلينا سويفت كل تلك الرقة الرقيقة في صوت باولا بدقة مدهشة، وهو يمنحها كل تلك الملاحظات العاطفية التي تملكها الأم وحدها عن الحمل وعن الميلاد وعن تربية الأبناء. وهو يطرح بعض الألغاز والإشارات المضللة هنا وهناك، ولكننا لا نملك إلا المضي قدما والمتابعة وصولاً إلى لحظة انكشاف المستور.
و«الغد» تستهل بتلك الساعات المفعمة بالقلق، والتي تمضي باولا خلالها في تأملاتها حول الكشف الرهيب الذي ينبغي لزوجها أن يزيح النقاب عنه لابنيها التوأم في الصباح. وبالنسبة لبعض القراء فإنه على الرغم من هذا الاستهلال البارع للرواية إلا أن إفراط سويفت في التشديد على هذا السر أو الكشف الذي تحدثنا عنه باولا قد يبدو مصدر تشتت ضار فيما كان يمكن أن يكون تأملاً رفيعاً في العلاقات الأسرية.
غير أن ذلك ليس العيب الوحيد الذي سنتوقف عنده في رواية سويفت. وإنما لابد للمرء من التوقف عند محاولة كاتب أن يسرد بصوت امرأة دقائق الحياة العاطفية على نحو ما شهدت جامعات الغرب انطلاقها في الستينات من القرن الماضي ومدى ملاءمة هذه المحاولة وإمكانية تتويجها بالنجاح والتوفيق.
من الواضح هنا أن سويفت يتجاهل، عن عمد، إحدى النقاط الأساسية التي تعد بمثابة خطوط حمراء في الكتابة الإبداعية، فهو كمؤلف عندما يكتب بصوت امرأة عن دقائق وأسرار الحياة الحميمة يخاطر بالسير على الخط الفاصل بين النجاح والإخفاق.
ولكن حتى لو تصورنا إمكانية نجاح سويفت هنا فإن السؤال هو: هل هذه المخاطرة جديرة بخوض غمارها حقاً؟ ونقطة أخرى جديرة بالتوقف عندها هنا أيضاً، فالرواية تتواصل في شكل مونولوج باولا الداخلي الذي رأينا لمحات منه، ولكنها تنتهي بقيام المؤلف بأخبارنا عن الحدث بدلاً من إعادة إبداعه في صورة مشاهد متدفقة بالحياة.
قد يقول قائل إن أسلوب المؤلف يتوج بالنجاح في نهاية المطاف على وجه التقريب بسبب طبيعة شخصية باولا نفسها، فهي امرأة تتبدى لنا في صورة شخصية تكشف للقراء عن كل خاطرة من خواطرها وكل انفعال يخالجها وكل جانب من جوانب حياتها، مهما كان شخصياً.ربما، ولكن أليس هذا من شأنه أن يجعل مونولوج باولا الداخلي يبدو لنا غير طبيعي إلى حد التعسف؟ أليس من شأن هذا الحديث عن الوقائع أن يكون مضجراً للقارئ في نهاية المطاف؟
هذا التساؤل الأخير الذي طرحناه هنا يستمد وجاهته من أن الكشف الذي تحدثنا عنه باولا يتم، ولا يزال أمام القاري حوالي مئة صفحة من الرواية. والقارئ يدرك أنه على الرغم من صعوبة تعامل العائلة مع هذا الذي يتم الكشف عنه إلا أنه ليس موقفا فريداً،
وليس بالشيء الذي سيغير حياتها بالقدر الذي تعتقده باولا. هكذا فإن ما بقى من الرواية يعطي للقارئ الشعور بأنه أمام ذروة مضادة، وتنتهي الرواية على نحو ما بدأت، أي مع استمرار باولا في يقظتها المؤرقة. وغراهام سويفت يخاطر كثيراً فيما يتعلق بهيكل الرواية، ولكنها تظل عملاً يتصف بالكثير من الصفات الرائعة، التي تجعل من قراءتها مغامرة محببة لدى الكثير من القراء.
حديث إلى ملاكين
«أحسب أنكما نائمان، يا ملاكي! وكذلك أبوكما، الأمر الذي أدهشني وكان مبعثاً لارتياحي، مثلما رجل يجد في نفسه القدرة على أن يغفو ليلة تنفيذ الإعدام فيه. ولسوف يحتاج إلى كل القوة التي يمكنه استجماعها غداً.
إنني الوحيدة المستيقظة في هذه الدار في هذه الليلة، قبل اليوم الذي سيغير حياتنا بأسرها، وذلك على الرغم من أن ذلك اليوم قد حل بالفعل، حيث أن الذراعين المضيئتين في ساعة منبهي (الذي لم أضبطه) تشيران إلى الساعة الواحدة من بعد منتصف الليل على وجه الدقة. والليل قصير، فنحن في منتصف الصيف تقريباً من عام 1995.
لقد مر أسبوع على عيد ميلادكما السادس عشر. وبلمحة حظ أصبحت نوعاً من الحرج والتي سيقول الناس إنها لم تكن حظاً طيباً على الإطلاق، ولدتما في برج الجوزاء. وأنا لست امرأة تؤمن بالخرافات على وجه خاص، فأنا زوجة عالم. ولكن هناك شيئاً واحداً صغيراً سأقوم به غداً، أعني اليوم، ولكن لبرهة لا يزال يمكنني الاحتفاظ بالوهم، وهو أن أصالب إصبعيَّ.
كل شيء هادئ، الدار ساكنة. لقد توقعت أنا ومايك هذه اللحظة، وتحدثنا عنها وتدربنا عليها في ذهنينا مرات كثيرة للغاية بحيث أنها في بعض الأحيان بدت مؤخراً مصدر ارتياح، لقد حانت بالفعل، ومن ناحية أخرى فإنها فظيعة، رهيبة، وبمقدورنا تأجيلها.
قلنا: (بعد عيد ميلادهما السادس عشر)، ولنكن دقيقين فيما يتعلق بهذا الأمر. وربما تقدران انضباطنا وحرصنا، لنكن حريصين ولكن لا ينبغي أن نكون قاسيين. لنمنحهما أسبوعاً، لندعهما يستمتعان بعيد ميلادهما، عيد ميلادهما الأخير في تلك الحياة القديمة.
*الكتاب: الغد
*الناشر:الفريد نوف ـ نيويورك 2007
*الصفحات:272 صفحة من القطع المتوسط
Tormorrow
7002.Y.N -hponK derF LA
272.P