ولد الروائي والشاعر النرويجي كنوت هامسون سنة 1859 وعاش حتى سنة 1952 غير أنه ترك خلفة زوبعة لا تزال مستمرة حتى اليوم. فهو ـ وعلى النقيض من أغلب أقرانه من الروائيين الأوربيين ـ كان مناصراً للنازية حتى بعد احتلال بلاده من قبل الألمان، بل ومبجلاً لشخصية أدولف هتلر إلى الدرجة التي وصف بها موته بـ «موت آخر العمالقة» .
وهو أمر جر وراءه الكثير من الويلات عليه فقُدم للمحاكمة التي حكمت عليه بالإعدام سنة 1947 وكان قريباً جداً من نهايته المأساوية لولا حملة مضادة للحكم تبناها روائيون ومشاهير أمثال همنغواي وفوكنر وسارتر وجويس وميلر وغيرهم. وحتى وهو في المحكمة رفض حجة المحامي الذي حاول انقاذه عن طريق الإدعاء بخرف موكله بسبب كبر سنه، ولكي يُبعد عن نفسه مثل هذه التهمة ألف كتاباً جديداً بعنوان «تحت الدهاليز» سنة 1949 ليؤكد من خلاله سلامته العقلية مما حدا بخصومه إلى استبدال العقوبة بإخضاعه للعلاج النفسي ومصادرة أملاكه.
أهم أعماله ثلاثيته: تحت نجمة الخريف، والمتشرد والعازف، والبهجة الأخيرة، ثم عدة روايات بعضها تُرجم إلى اللغة العربية مثل بينوني وثمار الأرض والجوع فضلاُ عن ديوان شعر بعنوان الجوقة المتوحشة وآخر بعنوان الأناشيد البرية، وعدة روايات أخرى مثل غموض، وفكتوريا، وأبناء غيرهم، ونساء في النافورات، والمتشردون، والحياة تستمر، وأوجست، والدائرة تكتمل، مما أهّله لنيل جائزة نوبل في الأدب سنة 1920.
درس اللاهوت والحضارات والأديان وركز على دراسة الإسلام بعد أن عاش طفولة قاسية وعمل اسكافياً وحين سافر إلى العاصمة أوسلو عانى هناك من الجوع وهو ما حدا به إلى كتابة رواية تحمل العنوان نفسه «الجوع» نشرت سنة 1889 فقد أعطاها من تجربته الذاتية لمرحلة من حياته مليئة بالمعاناة وقسوة الحياة والشجن والجوع أيضاً
حيث ينظر لها النقاد اليوم على أنها من أروع ما كُتب وقلبت الموازين الإنسانية في أوروبا ولهذا أيضاً ترجمت إلى معظم لغات العالم! والنرويج اليوم البالغ تعداد سكانها حوالي الخمسة ملايين تملك أعلى دخل للفرد في العالم وما ذلك إلا لعدالة توزيع الثروة ولكونها بلداً نفطياً!!..
حدث هذا في تلك الأيام التي كنت فيها متشرداً أتضور جوعاً في مدينة كريستيانا، تلك المدينة العجيبة التي لا يغادرها أحد قبل أن تسمه بسماتها وتترك عليه آثارها... هكذا تبدأ الرواية وهكذا تحّدث الراوي طانجن، الصحافي الذي يعيش من مهنة الكتابة بالقطعة والتي جعلت منه إنسانا بائسا ويائسا يعاني من الجوع والتشرد ويصف حياته ومشاعره بأروع ما يكون.
فطانجن يعيش حياته يوماً بيوم وحياته الشقية لا تخلو من المسرات بمجرد حصوله على مبلغ بسيط يكفي لسد رمقه عدة أيام مقابل مقالة يكتبها بين الحين والآخر، ولهذا تحدث لنفسه: أفكر باحثاً عما إذا كنت سأوفق في يومي هذا إلى شيء يسرني فقد ساءت أحوالي في الأيام الأخيرة وأصبحتُ نزقاً ضيق الصدر سريع الانفعال
وقد اضطرني الدّوار مرتين أو ثلاثا قبل الآن إلى أن ألبث في سريري طيلة النهار. وكنت إذا ساعدني الحظ بين الحين والحين أتمكن بشق النفس من الحصول على خمس كرونات ثمناً لفصل أدبي أكتبه لهذه الصحيفة أو تلك.
وطانجن الذي يبحث عن وظيفة هنا وهناك يصطدم بعراقيل من أهمها عدم توفر مبلغ الضمان للوظيفة البالغ 50 كرونا. وشيئاً فشيئاً تتدهور حالته فلا يستطيع حتى شراء ملابس كي يحافظ على مظهره الخارجي الذي بات مزرياً بعد أن رثت ملابسه
وبات بالكاد يمتلك عدة العمل المكونة من قلم رصاص ومجموعة من الأوراق فضلاً عن مقدرته في الكتابة التي ما عاد لها سوق يقيه حياة الذل تلك إلى درجة عجز حتى عن دفع إيجار الغرفة الخالية سوى من سريرالتي يقطنها.
وهكذا أصبحت أيامه مكررة بالمعاناة والتشرد والجوع.. الجوع الذي أمضى سيفه يعذبه بالألم المتواصل بعد أن صار له الجوع رفيقاً لا يفارقه في ليل أو نهار حتى أن معدته نفسها باتت تعاف الطعام الذي يأتيها على فترات متباعدة فيتسبب له ذلك بمعاناة مضافة،
ولأن الجوع شرس في آلامه فإنه يضطر إلى قضم الخشب قبل أن يلوكه طويلا لتسكين آلام الجوع! ويمضي الجوع بطانجن فيحدث نفسه: الواقع أن الحياة على مثل هذه الشاكلة سخافة. وإني وحق آلام المسيح المقدسة لا أستطيع أن أتصور ما أستحق عليه كل هذه الآلام المصبوبة عليّ!
وخطر في ذهني فجأة أنه ربما كان من المناسب أن أنقلب شريراً!!.. ولكن طانجن الطيب والنزيه يجد طعماً طيباً لحياته حين يقّدم المساعدة للآخرين طعاماً كان أم مالاً، يمتلئ بالغبطة حينها ويشعر بالرضا ولهذا يحدث نفسه: «إنني منارة بيضاء في وسط بحر الإنسانية العكر!».. ولكن الجوع الذي يعكر مزاجه يدفعه إشفاقاً على نفسه حد البكاء.. البكاء المر!
0 وحين يحلم طانجن فإن حلمه لا يتعدى معدة ممتلئة بالطعام: «كنت غارقاً في النوم، فأيقظني أحد الشرطة، فجلستُ وكأني بُعثت بعنف إلى الحياة والشقاء، وكانت دهشتي لوجودي في العراء دهشة جمود في أول الأمر، ولكن سرعان ما انقلبتْ خيبة مرة، فكدتُ أبكي أسفا لأني لا أزال على قيد الحياة.
وكانت السماء قد أمطرت في أثناء نومي فنفذ الماء إلى ملابسي وأحسستُ ببرودة قاسية في أضلاعي، وأخذ الظلام يمد رواقه فتمكنتُ بصعوبة من رؤية الشرطي الواقف أمامي» وحين يشتد الجوع الذي تكاثرت أيامه بطانجن وبات ينهش قواه ومعدته يدفعه ذلك لمناجاة نفسه بطريقة فلسفية: «كنتُ إذا حالفني الحظ وحصلتُ بشق النفس على خمسة كرونات بهذه المحاولة أو تلك،
لم تكن تكفي قط لإنعاشي قبل أن تهاجمني المجاعة من جديد فتشلني. ليتني أدري لماذا كُتب عليّ ألا أرى يوماً صحواً؟ أوليس لي حق في الحياة كأي إنسان آخر؟! أولم أبذل جهدي في الحصول على وظيفة؟ أولم استمع للمحاضرات
وأكتب المقالات للصحف وأدرس وأشتغل ليل نهار كالمخبول؟ أولم أعش حياة الشح على الخبز واللبن في اليسر وعلى الخبز وحده في العسر، وإذا صفرت يدي تضورت جوعاً؟ تمنيتُ لو أني متُ وعُفّي أثري فشقائي لم يشأ أن يقف عند حد.»
وطانجن الذي بات مشرداً يعاني من الجوع والبرد والانحطاط بقواه ويفشل في أول تجربة للحب له بعد أن رهن صداريه وحاول بيع أزرار معطفه ويخادع قصاباً بطلب عظمة لكلبه وهو يريدها لنفسه لعله يعثر بين ثناياها على قليل من اللحم النيئ ولا يجد قريباً أو صديقاً يلجأ إليه ولا معونة من أحد تحت أي مسمى حتى بات مشوهاً من الجوع
ولا يجد فائدة تذكر من اطالة كفاحه للاحتفاظ بحياته التي على استعداد أن يهبها مقابل وجبة واحدة من العدس ويعاني من انحناء الظهر والورم في قدميه ويتعذب من الجوع باستمرار بعد أن أغلقت جميع الأبواب في وجهه ويبكي لقلة حيلته أدار وجهه إلى الوطن دون أن يحمل معه شيئا أو يودع أحدا فغادر على أول سفينة مغادرة ميناء مدينته كريستيانا وكانت سفينة لحمل الفحم تدعى كوبيغور، غير عابئ بوجهة سفرها.