عندما يضع القارئ يده على نسخة من رواية «العاب مقدسة» للروائي الهندي فيكرام تشاندرا فإن السؤال الأول الذي يقفز إلى ذهنه هو: 928 صفحة.. ما الذي كان المؤلف يفكر فيه عندما بدأ تأليف هذه الرواية؟من المؤكد أن تشاندرا كان يفكر في الكثير، وهو الأمر الذي انعكس في الطموح الهائل لهذه الرواية الممتدة والمثيرة للفضول والمسلية والتي لا تفتقر إلى العيوب أيضاً.
تجري غالبية أحداث الرواية في مومباي المعاصرة، التي يمضي فيها تشاندرا وزوجته الروائية ميلاني أبرامز ستة أشهر من كل عام. على السطح تبدو هذه الرواية رواية جريمة تقليدية تضم الصراع المعهود بين رجال الشرطة ورجال العصابات في الهند.
وفي فصول تقدم بالتبادل تتداخل أمام عيوننا حياة مفتش الشرطة سارتاج سينغ ورجل الجريمة البارز الهندوسي غانيش غايتوندي، مع توالي وقائع مؤامرة دولية إجرامية، ولكن الرواية تدور حول أكثر بكثير مما يوحي به سطحها المصقول على نحو جذاب.
ذلك السطح هو نفسه ما ظن المؤلف أنه بسبيله إلى تقديمه في مستهل عكوفه على انجاز روايته، حيث تصور ظهور جثة أو جثتين وثلاثمئة صفحة ثم حل مقنع للمشكلات من منظور القارئ غير أن عملية البحث التي قام بها المؤلف لخدمة روايته قادته إلى التوغل في اللقاءات مع رجال الشرطة والصحافيين الاختصاصيين في تغطية الجريمة ورجال العصابات وقادة الجريمة المنظمة،
الأمر الذي جعله يخلص إلى أن ما يبدو جريمة محلية له كل الارتباطات بالسياسة والدين والصراعات بين الأمم ـ الدول في المنطقة التي يمكن تصورها، وجعله يحس بأنه أمام شبكة عنكبوتية هائلة من الأحداث والأشخاص والمنظمات والقوى التي تتفاعل لتؤثر في حياة الناس ولتربطهم بعضهم بالبعض الآخر، الأمر الذي جعل هيكل الرواية يزداد وضوحاً بالنسبة له ويزداد تعملقاً في حجمه وموضوعاته أيضاً.
هكذا تحولت الرواية إلى عمل عملاق، مثير، مخيف، ومؤثر. وإذا كان تشاندرا لا يتردد في الإعراب عن حبه وإعجابه بالروائيين البريطانيين الفيكتوريين، فإن روايته تتكشف عن أبعاد ديكنزية بالنسبة للشخصيات والأحداث مع انعطاف هندي حاد بالطبع، فالرشاوى والمجاملات الصغيرة التي يمر بها المفتش سينغ، على سبيل المثال، لا تتمتع بقوة إفساد حقيقية بالنسبة لرجل الشرطة هذا، وغالباً ما نراها تؤدي إلى انعطافات بسيطة وكوميدية في حبكة الرواية.
وبالمثل فإن رجل العصابات غانيش غايتوندي يدير أحد أكبر كارتلات الجريمة في الهند، ولكنه في الوقت نفسه يحاول إنتاج أفلام جماهيرية، وفي الوقت نفسه يمضي في مسعى ديني وإن يكن بمفهوم ملتو كأحد أتباع الزعيم الروحي الغامض سوامي شريدار شوكلا.
هذا الجمع الظاهر بين الاضداد في شخص واحد غالباً ما يوجد تعاطفاً غير متوقع مع شخصيات الرواية، لا يتردد تشاندر في القول: إنه يعتبره من أهدافه الرئيسية. وهو يوضح في هذا الصدد أنه: «أصبح أمراً بالغ الأهمية بالنسبة لي أن يكون غانيش غايتوندي، على سبيل المثال، شخصاً يهتم به القارئ بصورة حقيقية، وأن القارئ إذا لم يحس برغباته وإذا لم يشارك فيها بمعنى من المعاني، فإن الكتاب لا يكون قد وفق في تحقيق ما يهدف إليه».
في غضون ذلك تحفل الرواية بالصراعات العرقية والاثنية التي جلبت الموت والدمار على امتداد شبه القارة الهندية في نصف القرن الماضي. ويقول تشاندرا في هذا الصدد: «لقد أردت أن أعالج تلك الأحداث، لأن الأمور التي حدثت منذ خمسين عاماً مضت قد حفرت، بمعنى من المعاني، الانقسامات بصورة عضوية في جغرافيا المنطقة،
وكذلك حفرتها في أجسام الناس وعقولهم، وهذه الأحداث تواصل ترك تأثيراتها الواضحة للغاية على حياتنا اليوم، وقد أردت على الأقل الحصول على الشعور بذلك وألا أحجم عن الاقتراب من بشاعته. وكان زخم العنف الذي تعايش مع كل تلك المشاعر الأخرى شيئاً أردت القيام بتناوله».
إذا لم يكن قد تم تحقيق الخلاص من الوحشية المخيفة للعنف في بعض مقاطع «ألعاب مقدسة» على وجه الدقة فإنها على الأقل تم إيرادها بصورة ملموسة داخل اللوحة المتوهجة بالحياة والحيوية التي رسمها تشاندرا للصدام والتقاطع والإثارة التي نجدها في مومباي اليوم،
وفي الهند بصورة عامة وفي الانجليزية الهجينة المليئة بالألوان والمذاقات التي يستخدمها ليحكي حكايته، حيث حرص المؤلف الذي يقرأ الهندية والبنجابية ويفهم العديد من اللغات الإقليمية الأخرى على أن يضفي عامداً على حكايته بهارات الاستعارات اللغوية.
ويبرر تشاندرا ما عمد إليه في هذا الشأن بقوله إن: «مومباي مليئة بالمهاجرين، واللغة التي يستخدمها الناس بالفعل في الشارع تميل إلى أن تتناثر فيها كل تلك الكلمات الآتية من مناطق مختلفة. ولو أنني كنت أجلس في مقهى في مومباي أروي هذه القصص لأصدقائي لاستخدمت انجليزية حافلة بكل هذه الكلمات الآتية من اللغات الأخرى الموجودة في هذه المدينة،
فهي جزء لا يتجزأ من نسيج الحياة في الهند وفي مومباي بصفة خاصة الآن بحيث أنني أردت أن أسجل ذلك على الورق بأقصى قدر أستطيعه من الانسياب». وليس من المدهش أن هذه اللغة الهجينة تعكس مولد القوى الهائل الذي تتحول الهند إليه الآن، كما أنها تعكس جزءاً غير متوقع من شخصية تشاندرا نفسه،
فهو بينما كان يدرس كتابة الرواية في مرحلة الدراسات العليا في هيوستون كان يكسب عيشه كمبرمج كمبيوتر، وهو يعتقد أن برمجة الكمبيوتر وكتابة الرواية ليستا مختلفتين كثيراً، حيث إن كلاً منهما تقتضي بناء نوع من العالم المحتوي لذاته والذي لابد أن تتفاعل بداخله مكونات متعددة.
ولعله ليس من قبيل الصدفة أن تشاندر بعد عكوفه على امتداد ثمانية أعوام على تأليف هذه الرواية بمعدل 400 كلمة يومياً على مدار ستة أيام في كل أسبوع، وجد نفسه أمام عمل هائل بحيث أنه أضطر للعكوف مع زوجته الروائية أبرامز شهوراً عديدة أخرى على تحرير نص المخطوطة للوصول إلى صيغة أقصر يمكن أن تكون قابلة للنشر بصورة عملية،
وهو يقول في هذا الصدد: «في ذهني، على الأقل، فإن الرواية أصبحت في أقصر صيغة يمكن وضعها فيها». ومن المحقق أن هذه الرواية ستظل، في أذهان الكثيرين، عملاً تتردد أصداؤه طويلاً، ويشار إليه على أنه العمل الأكثر جاذبية وقدرة على استقطاب القراء منذ سنوات عدة.
ذكريات عن الدار
«رأت برابهوت كاور كيف تبني رام باري وأولادها دارهم. كانت لديهم حزم لم تستطع برابهوت كاور تذكر رؤيتها خلال اليوم المتطاول، ولكنهم من هذه الحزم مضوا يستلون أقمشة وخرقاً ومطولات راحوا يرتبونها على الأرض، قرب الدار،
في حلقة فجة وتقريبية، لتصبح موئلاً لهم. ورأت برابهوت كادر كيف أن ظل حائط وحده يمكن أن يصبح مصدر حماية ووقاية. ومضت إلى الرقاد مفعمة النفس بهذه المعرفة الجديدة. وتذكرت كل الرسوم التي كانت قد رسمتها لـ (بيتي) في حياتها المديدة، وعرفت الآن أن كل تلك الدور الصندوقية التي كانت قد رسمتها كانت على نحو ما كذلك».
*الكتاب:ألعاب مقدسة
*الناشر:هاربر كولينز - نيويورك 2007
*الصفحات: 928 صفحة من القطع المتوسط
Sacred Games
Harper Collins-N.Y.2007
P.928