إبراهيم مصطفى المحمود مؤلف كتاب العروبة والإسلام يمتاز كونه يجمع ما بين مهنته العسكرية برتبة لواء في الجيش السوري، وما بين باحث استراتيجي وحاصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة، وقد تنقل في عدة وظائف مدنية وعسكرية، وعضوية اتحاد كتاب العرب في سوريا ورئيساً لتحرير عدة مجلات.
إلى جانب عضويته في جمعيات علمية ومشاركاته في مؤتمرات عربية وعالمية، وإصداره لعدد كبير من الكتب ذات المواضيع الحيوية الإستراتيجية، مثل مستقبل الصراع العربي ـ الصهيوني، الحرب عند العرب، تاريخ العلوم عند العرب، فن الحرب عند العرب، البعد الديني في السياسة الأميركية، الصهيونية والأديان ومستقبل الأمم وغيرها. بحث المؤلف في بداية كتابه عن قدرة الدولة والسعي لما يمكنها أن تحققه، في إطار دراسة نظريات مختلفة تحليلية أو وصولاً إلى أطروحات داروين في نشوء الدول العظمى وسقوطها، دون أن ينسى دراسة القدرة الاقتصادية والكتل الحيوية إلى جانب الدبلوماسية والتخطيط العسكري للدولة والعوامل المؤثرة على مسيرتها من قدرة اقتصادية وسياسية وتعبوية من القرن السادس وحتى القرن الحالي.
ثم استعرض بشكل مركز الدول التي امتلكت ما أهلها لتكون قوة عظمى على المستويين الإقليمي والعالمي ابتداء من بداية القرن العشرين وعوامل قيام الحرب العالمية الأولى تمهيداً للدخول إلى الحرب العالمية الثانية وظهور كتلة الاتحاد السوفييتي ويصل إلى انقسام العالم إلى كتلتين أساسيتين متحاربتين عام 1943 هما المعسكر الاشتراكي والمعسكر الغربي ليستمر التسلح وسباق موازين القوى بين كل الأطراف والصراعات لتجد أوروبا نفسها.
وقد تأثرت بالحروب والدمار وتصل إلى سلام دائم بين دولها وتدعوا لقيام السوق الأوروبية المشتركة كأكبر وحدة اقتصادية مشتركة في العالم تدعوا إلى السلم والاقتصاد معاً، ثم يواصل البحث في ظهور وتنامي الصين الشعبية.
وتخلي اليابان إلى الأبد عن تكوين قوة عسكرية ضاربة، والنتائج التي وصل إليها العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي دون أن ينسى أن أحداث القرن العشرين وكل حروبها وتكويناتها الدولية ارتبطت بتاريخ مأزوم امتد قرون عديدة وحصيلة كل ما قدمه الباحث يرتبط بسؤال عن المستقبل والتاريخ معاً.
يقول إبراهيم مصطفى المحمود: إذا غصنا في التاريخ قروناً أخرى، فإننا نجد أن كوكبنا هذا قد شهد عشرات الحضارات الكبرى، كما شهدت بقاع العالم حضارات أخرى، من كل ما تقدم نثير المسألة التالية : هل سيبقى مشعل الحضارة والقوة بيد القوى العظمى، الولايات المتحدة، أي القطب الأوحد في العالم الآن؟.
ويعود الباحث إلى القرون الماضية ليقدم بحثاً في صراعات القوى العظمى تاريخياً وتنافسها على السيطرة على الوطن العربي من بداية القرن السابع عشر وحتى الآن، دون أن ينسى محاولات القياصرة في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، للسيطرة على الأمة العربية أو حتى الحروب الصليبية وأحلام الأباطرة في أوروبا أو الهجوم المغولي التتري وصولاً إلى العصر المملوكي، والدولة العثمانية، وظهور التيارات الوطنية والقومية.
إلى جانب التيارات الدينية والأممية، ويصل إلى نتائج هذا التاريخ المضطرب إلى قناعة يقول فيها «ولا غرو في أن أرض السياسة هي الجغرافية، وأن سماءها التاريخ، ومن هذين المنطلقين الضدين يمكن فهم الأحداث ووصفها في زمانها ومكانها الصحيحين، ومع ذلك ما زالت التيارات السياسية في الوطن العربي تذروها رياح الفرقة بعوامل بعضها واقعي مرفوض ومعظمها خارجي مرفوض، مع أن التهديد الخارجي واقع بالقوة المسلحة الذي لن يستثنى أحداً».
ثم يفرد الباحث باباً لصراعات القوى العظمى من الحرب العالمية الأولى حتى عام 1966، وعدم استفادة العرب من الحربين العالميتين إضافة إلى الإشارة إلى سايكس بيكو والتقسيم الذي حققته تلك السياسة ليجد العرب أنفسهم في مواجهة كارثة فلسطين عام 1948 وقيام دولة إسرائيل على الأراضي العربية.
وظهور المد القومي كرد فعل لقيام هذه الدولة ولتواجه الأمة حروباً متصلة مثل الاعتداء الثلاثي عام 1956، والحروب التي تلت، استطاعت إسرائيل تطوير آلتها العسكرية في حين ظلت معظم الدول العربية ضعيفة وموزعة، بل مفرقة، وتتنازع فيما بينها على الحدود الجغرافية المصطنعة على حسب تعبير الباحث.
وصولاً إلى حرب حزيران 1967، والنكسة التي حلت في الأمة العربية، لترسم القيادة السياسة في مصر وسوريا تصوراتها الجديدة في إستراتيجية استطاعت أن تتجاوز نكسة حزيران زبخطة الخداع السياسي والتفاعل بين الإستراتيجية والتكتيك، كما أبدعوا في اختيار الزمان واستثمار المكان، كما أبدع العرب في استخدام وسائط جديدة للصراع وطرائق مبتكرة للحرب.
ويستمر الكاتب سرده حتى غزو العراق للكويت والعلاقة بين السياسة والإستراتيجية، في إطار نظريات السيطرة على العالم التي تبثها الحكومة الأميركية، وصولاً إلى سياسة المحافظين واللوبي الصهيوني والكارتلات الصناعية، والتروستات المالية التي لا تنتعش إلا بالحرب كما يقول الباحث.
وينتقل أيضاً إلى إسرار سقوط الاتحاد السوفييتي وأسبابه، وغزو العراق للكويت، والأهداف الأميركية التي حققها هذا الغزو خاصة التطرف الديني الذي غذته القوى الأميركية ويقول: والأدهى من ذلك الأمر أنهم باتوا ينظرون على كنائسنا الأصيلة متجاهلين أن المسيح مسيحنا وأنه قد ولد وترعرع في بلاد الشام.
بعد ذلك يقدم إبراهيم مصطفى المحمود بحثاً في العروبة والإسلام ثم ينشر بعض الوثائق التي يقول أنها متسربة من البيت الأبيض الأمريكي والكونغرس، إلى جانب ما يذكره عن أسرار غزو العراق، وأفغانستان والدور الإسرائيلي والطرق الأميركية في حرب المقاومة في البلدان المختلفة.
ويختم كتابه بالدروس والعبر للحاضر والمستقبل قائلا: أطل القرن الواحد والعشرون حاملاً سرعة مذهلة في مستويات البنى التحتية والقومية بين الأمم، لأنه ما زال هناك أكثر من ثلث البشرية أميين، ومعظمهم عراة جياع مرضى، فكأنهم قد حكموا بالإعدام دون ذنب قبل آجالهم.
عبد الإله عبد القادر
*الكتاب: العروبة والإسلام وصراعات القوى العظمى
*الناشر: دار العلم ـ دمشق 2007
*الصفحات: 546 صفحة من القطع الكبير.