أشرف على تأليف هذا الكتاب وقدم له البروفيسور جون ماك جينيس أستاذ الفلسفة في جامعة ميسوري، سان لويس. وأما مترجم النصوص العربية إلى الانجليزية فهو البروفيسور دافيد س. ريسمان أستاذ الفكر العربي الإسلامي في جامعة ايلينوي بمدينة شيكاغو.
ومنذ البداية يقول المشرف العام على الكتاب ما يلي: في نهاية القرن الثاني الهجري كانت الساحة الثقافية الإسلامية محتلة كليا من قبل علم الكلام حيث شغل المفكرون بمناقشات عديدة على وحدانية الله، وصفاته، ومعنى الأسماء والأشياء الوارد ذكرها في القرآن، والجبر والاختيار، والإيمان، والخطيئة والذنب، والنجاة في الدار الآخرة والسلطة ومشروعيتها، الخ.
وبالتالي فماذا تبقى للفلسفة التي لن تتأخر في الدخول إلى العالم العربي الإسلامي؟ لا شيء تقريبا. ومع ذلك فإنها سوف تدخل بقوة وتحتل المكانة اللائقة بها. بل وسوف تزدهر لمدة عدة قرون متلاحقة قبل أن تتوقف وتموت وتنهار بدخول العالم الإسلامي عصر الانحطاط الطويل.
والغريب في الأمر هو أنها ستدخل إلى العالم العربي الإسلامي من الخارج بل ومن عالم وثني أجنبي هو العالم الإغريقي أو اليوناني. ولهذا السبب فإن الفقهاء سوف يحتجون دائما عليها ويعتبرونها دخيلة أو غير شرعية لأنها آتية من جهة الثقافة الوثنية.
ثم يردف المؤلف قائلا: والواقع أن وضع الفلسفة في العالم الإسلامي يشبه وضعها في العالم المسيحي أثناء بداياته الأولى. فهناك أيضا اجتمع اللاهوتيون على وجود الفلسفة واعتبروها دخيلة وكافرة لأنها صادرة عن ثقافة اليونان.
والواقع أن الفلسفة ظهرت في السياق العربي الإسلامي بعد أن تمت ترجمة الكتب الأجنبية من الإغريقية إلى العربية مرورا بالسريانية في معظم الأحيان. ولكن تمت أيضا ترجمة كتب عديدة من الفارسية والهندية أو السنسكريتية. وهكذا تشكلت مكتبة علمية وفلسفية بكلتا اللغتين السريانية والعربية، وأصبح المسلم قادرا إذا ما أراد على استشارتها والاطلاع عليها.
ينبغي العلم بهذا الصدد أن اللغة العربية أصبحت اللغة الرسمية للإمبراطورية العربية الإسلامية بدءا من نهاية القرن الأول الهجري ـ السابع الميلادي. وكان ذلك بقرار من الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان. وهكذا حلت محل الفارسية والبيزنطية (أو الإغريقية) في الإدارة الرسمية للدولة.
وكانت أولى الكتب المترجمة هي كتب علمية وطبية وفلكية بالدرجة الأولى. وعلى عكس ما يظن الناس فإن حركة الترجمة ابتدأت في عهد الأمويين لا العباسيين وإن كانت قد بلغت ذروتها في عهد هؤلاء الأخيرين وبخاصة زمن المأمون.
وإذن فقد ابتدأت ترجمة الكتب الأجنبية إلى العربية قبل منتصف القرن الثاني الهجري ـ الثامن الميلادي. ثم تواصلت بقوة أكبر بكثير في عهد الخلفاء العباسيين الأوائل وبخاصة المنصور (754 ـ 775م)، وهارون الرشيد (786 ـ 809)، والمأمون (813 ـ 833).
وإذن فقد كانت الكتب العلمية هي أول ما ترجموه، ولكن تلتها لاحقا الكتب الفلسفية. وكان المترجمون الأوائل يترجمون من الإغريقية إلى السريانية أولا ثم من السريانية إلى العربية ثانيا. ولكنهم فيما بعد أصبحوا يترجمون بشكل مباشر من الإغريقية إلى العربية دون المرور بالسريانية بالضرورة.
ولكن في الغالب كانت الترجمات تتم من السريانية إلى العربية لأن معظم الكتب الإغريقية كانت مترجمة إلى السريانية سابقا.
وبما أن السريانية ابتدأت تفقد أهميتها بمرور الزمن فإنهم ما عادوا يترجمون الكتب الإغريقية إليها. فالعربية حلّت محلها تدريجيا كأكبر لغة للفكر والثقافة والحضارة في ذلك الزمان. هذا وقد اشتغل المترجمون الكبار مدة قرنين من الزمن: أي من نهاية القرن الثامن الميلادي إلى نهاية القرن العاشر. وكان معظمهم متخصصا بعدة مجالات لا مجال واحد.
فمثلا حنين بن إسحاق لم يكن يترجم فقط كتب الفلسفة، وإنما كتب الطب أيضا. وقسطا بن لوقا كان يترجم كتب الفلسفة والرياضيات في آن معا. ثم يضيف المؤلف قائلا: ينبغي العلم بأن أحد الأوائل الذين شكلوا النثر العربي، أي ابن المقفع، لم يترجم فقط من الفارسية كتاب كليلة ودمنة الشهير، وإنما ترجم أيضا عدة كتب من منطق أرسطو وشكل بذلك أول معجم مفهومي أو مصطلحي فلسفي في اللغة العربية.
وكانوا يمتلكون سابقا عدة ترجمات لكتاب المنطق لأرسطو ولكن بالسريانية. والآن اضيقت إليها الترجمات العربية لنفس الكتاب وهكذا ترجموا كل أعمال أرسطو ما عدا كتاب السياسة. ولكنهم ترجموا كتبا يونانية أخرى وعزوها إلى أرسطو دون أن يكون هو مؤلفها. كما وترجموا العديد من مؤلفات أفلاطون.
ومن الكتب التي ترجمت ونسبت خطأ إلى أرسطو نذكر كتاب: لاهوت أرسطو أو أثولوجيا أرسطو طاليس. فالواقع أنه ليس لأرسطو وإنما لتلميذ أفلاطون المدعو أفلوطين. مهما يكن من أمر فإنهم ترجموا الشيء الكثير، وبعض هذه الترجمات وصلتنا وبعضها الآخر ضاع على الطريق ولكن ذكرته كتب التاريخ والأدب القديمة.
هذا ويتفق مؤرخو الفكر على أن الكندي هو أول فيلسوف عربي بالمعنى الحقيقي للكلمة. واسمه الكامل هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي الذي ولد في نهاية القرن الثاني ومات حوالي عام 256 هجرية: أي أنه عاش عمرا لا بأس به.
ولكن مؤلفاته العديدة سواء في مجال الفلسفة أو مجال العلوم لم تصلنا إلا جزئيا جدا. بمعنى أن الكثير منها ضاع على الطريق. ويقال بأنه ألف أكثر من مئتي كتاب ولكن لم يصلنا إلا خمسها، أي أربعين كتابا. ويعتقد الباحثون أنه اتخذ موقفا لصالح المعتزلة لأنه برأيه المذهب الإسلامي الأقرب إلى العقل والفلسفة.
ومعلوم أن الصراعات كانت محتدمة آنذاك بين مختلف المذاهب الإسلامية. وقد ألف كتابا كاملا عن أرسطو وهو يعتبر الكتاب المنهجي الذي خلّفه للفكر العربي. وكان يعتقد أن إتقان علم الرياضيات والمنطق شيء ضروري للدخول في الفلسفة. ولم يبق من مؤلّفه «كتاب الفلسفة الأولى» المشكّل من أربعة أجزاء إلا الجزء الأول.
وكان الكندي يعرّف الفلسفة على النحو التالي: إنها العلم الذي يعلّمنا ما هو الصح لكي نتصرف على هدى من أمرنا. وكان الكندي أول من استخدم كلمة فلسفة وفيلسوف في مؤلفاته. وقد بقيتا حتى الآن وشاعتا من بعده. وأما الفيلسوف العربي الكبير الثاني بعد الكندي فهو بالطبع الفارابي. وقد ولد في السنة التي مات فيها الكندي تقريبا.
وهو أهم من الكندي كفيلسوف بل ربما كان أهم فلاسفة العرب والمسلمين. ولذلك دعوه بالمعلم الثاني بعد أرسطو، المعلم الأول. لقد عاش الفارابي في فترة القلاقل والاضطرابات، فالإمبراطورية العربية الإسلامية كانت قد ابتدأت تتفكك وتنقسم إلى إمارات وولايات متصارعة. ولكن هذا لم يمنعه من أن يصبح أكبر فيلسوف في اللغة العربية.
*الكتاب:الفلسفة العربية الكلاسيكية
مختارات من المصادر الأولى
*الناشر:هاكيت ـ نيويورك ـ لندن 2007
*الصفحات: 427 صفحة من القطع الكبير
Hackett- N.Y- London 2007
P. 427