ولدت الروائية البريطاني الهندية الأصل كامالا ماركاندايا في بلدة ميسور الصغيرة في الهند عام 1924، ودرست التاريخ في جامعة الهند في أوائل عام 1940 إلى جانب عملها في الصحافة ونشرها للقصص القصيرة في الصحف الهندية. وخلال الحرب عملت مع الجيش في الهند لتعود بعدها إلى الصحافة.

حظيت ماركاندايا بالنجاح والشهرة مع روايتها الثالثة والأولى في النشر «رحيق في غربال» عام 1954 التي ترجمت إلى ما يقارب من 17 لغة. واعتبرت من أهم الأعمال الروائية وتربعت على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في الولايات المتحدة عام 1955، وأسمتها جمعية المكتبة الأميركية بالكتاب الأكثر تميزا. نشرت بعد ذلك تسعة روايات منها، «بعض من الغضب» عام 1955، «الرغبة الصامتة» عام 1960، «التملك» عام 1963، وقد حققت روايتاها «حفنة من الرز» عام 1966، و«رجل في اللامكان» عام 1972 نجاحا كبيرا أيضا، وآخر عمل لها «شاليمار» نشر عام 1982.وجدير بالذكر أن روايتها «رحيق في غربال» و«حفنة من الرز» قد درستا في مئات الدورات سواء في المدارس أو الجامعات الأميركية والبريطانية.

كما قدمت أكثر من اثنتي عشر أطروحة دكتوراه عن أعمالها في كلا البلدين، وبات من المألوف رؤية أعمالها على أرفف مخازن الكتب والمكتبات العامة في جميع أنحاء أميركا. وتقول الشاعرة الكندية الأكاديمية أوما باراميسوارام، بأن قوة ماركاندايا كروائية مستمدة من حساسيتها في ابتكار شخصيات متفردة ومواقف تمثل شريحة واسعة من واقع الحياة كما أن أسلوب سردها مميز بالتدفق وفي ذات الوقت بالانضباط.

وفي روايته «رجل في اللامكان» التي تدور أحداثها خلال عام 1968 تتناول العنف الناتج عن التمييز العرقي، إلى جانب مواجهة الوحدة والروح المتفردة مع تصوير الظروف الإنسانية المحيطة ونبذ المهاجرين والفجوة في التواصل بين الأجيال عبر تقاليد وأعراف غير مرغوب بها.

ويأتي تميز هذه الكاتبة من خلال تحقيقها للتوازن الدقيق ما بين البوح النفسي الداخلي والأحداث الاجتماعية المرتقبة التي تفرزها قوى السياسة المتسببة في المحن والمصاعب. وماركاندايا أنتجت أعمالها خلال 30 عاما لتتوقف عن النشر مدة عشرين عاما حتى وفاتها عام 2004.

وتتناول في روايتها «رحيق في غربال» فترة الخمسينات، أي قبل مضي عشر سنوات على استقلال الهند. وتدور أحداثها حول المشاكل التي واجهتها الهند في تلك الفترة. كما اكتسب العمل بعدا إنسانيا شموليا نظرا لعدم تحديد الزمان أو المكان فيه.

والمعاناة التي واجهتها شخصيات الرواية الأساسية ناتجة عن الصراع مع الطبيعة من جهة ومع الفقر والموت والخسارة والتقاليد من جهة أخرى، مع إبراز قدرة الإنسان على التأقلم والاستمرار في الحياة من خلال قوة وقدرة الحب الكامنة فيه. والراوي في العمل الشخصية الرئيسية روكماني، الأرملة الفقيرة التي تبدأ بسرد قصتها منذ زواجها من الفلاح المستأجر ناثان.

وتبين بأنه زواج بين طبقتين متباينتين. إلا أنها سرعان ما تتأقلم مع حياتها الجديدة وتعيش سعيدة مع زوجها الفقير الذي يكن لها الحب والتقدير والإعجاب بقدرتها على القراءة والكتابة. وبعد إنجاب طفلتها الأولى آيرا بست سنوات، تتوجه روكماني إلى الطبيب البريطاني كيني الذي بمساعدته تستعيد خصوبتها وتنجب أربعة أبناء، وإن كتمت خبر علاجها حتى عن زوجها نظرا لتوجس أهل القرية منه لكونه غريب.

وتبين روكماني بأنها كانت تعيش حياة عائلية متواضعة سعيدة، حتى اليوم الذي دخل فيه المصنع إلى القرية وبدأ الغرباء بالتوافد. وإن رحب السكان بالتغيير وفرص العمل إلا أن روكماني عارضت هذا التحول حتى بعد عمل ولديها الأول والثاني فيه.

وسرعان ما تجلى بأن انتعاش السكان الاقتصادي لم يدم طويلا فعلى الرغم من بيعهم محصولاتهم للعاملين في المصنع مباشرة إلا أن ارتفاع أسعار المواد الأساسية دفع عددا كبير منهم لإغلاق مخازنهم، وبذا ازدادت الأمور سوء.

وحينما بلغت آيرا الرابعة عشر، تجد صديقة العائلة العجوز زوجا ثريا لها بلا مهر، وبذا تسعد العائلة وتطمئن الأم على مستقبل ابنتها. وما هي إلا خمس سنوات حتى يأتي موسم أمطار المونسون ليحطم منزل الأسرة ومحصولها، ويعيشون لمدة طويلة على الكفاف. وفي أحد الأيام تعود آيرا إلى أسرتها بعد أن طردها زوجها لعدم تمكنها من الإنجاب.

تنجب روكماني طفلا آخرا تسميه روكي، وتعتني به آيرا وتعتبره ابنا لها، وحينما يهدد نقص الغذاء حياته تمتهن آيرا البغاء لتؤمن له الطعام، لكن الطفل سرعان ما يفارق الحياة. وفي هذه الأثناء يفقد ابناها عملهما في المصنع ويقرران بعدها السفر إلى سيلان.

ويزداد تشتت العائلة بتوجه الابن الثالث موروغان إلى المدينة للعمل في الخدمة. وحينما يعم الجفاف، تواجه الأسرة محنا من نوع آخر إلى جانب المجاعة، منها الابتزاز من قبل جارتهما ومقتل الابن الثاني حينما كان يحاول السرقة من المصنع بهدف الحصول على بعض المال.

وبعد مضي عام تتمكن العائلة من حصد موسم زراعي جيد وتبدأ بالعيش بصورة مستقرة، ويقرر الابن الأصغر سيلفام العمل مع الطبيب كيني الذي يبدأ بتأسيس مشفى في القرية. وآيرا التي أصبحت حاملا تنجب طفلا له ملامح أجنبية تسبب الحرج للعائلة وللطفل، وإن أغدق عليه الجميع حبهم غير المشروط.

وما هي إلا سنوات معدودة حتى يبيع صاحب الأرض مزرعته ويجبر ناثان الذي قارب الخمسين وأسرته على مغادرة بيتهما، ولا يجد أمامه سوى التوجه إلى المدينة حيث يعمل ابنهما للعيش معه، ويرحل الزوجان بعد رفض سيلفام وآيرا مرافقتهما.

وتبدأ المشاق بالانتقال من الريف إلى المدنية، ومن الهدوء إلى الصخب والآليات وبعد البحث والمرور بالعديد من الصعاب ينتهي المطاف بالزوجين في أحد المعابد بعد أن سرقا وفشلا في العثور على ابنهما. وهناك يعملان في تكسير الحجارة بمساعدة فتى صغير، وبوفاة الزوج تعود روكماني إلى القرية برفقة الفتى لتعيش أخيرا في طمأنينة في كنف أسرتها التي رحبت بها.

rmaleh75@hotmail.com