من المؤسف حقاً أنه لم يقدر للقارئ العربي ـ حتى الآن ـ أن يحظى ولو بمصافحة سريعة للروائية الكولومبية لورا ريستريبو، أو إطلالة سريعة على عالمها الإبداعي المدهش. غير أن صدور الترجمة الانجليزية لروايتها «هذيان» ربما يقدم جسراً لهذا اللقاء الأول.
على أحد المستويات، يمكننا اعتبار رواية ريستريبو المؤثرة والجميلة والمحكمة هذه عملاً من أعمال القص التاريخي، فأحداثها تقع في الثمانينات من القرن الماضي، وهي تعود بنا إلى أيام بارون الكوكايين بابلو إسكوبار الذي لف على أصابعه نخبة العاصمة الكولومبية بوغوتا الشرهة ومن ثم كولومبيا نفسها. وكما عبر أحد متنفذي إسكوبار عن الأمر: «هذا الرجل البدين ابتلعنا جميعاً بكاملنا فعلاً». في هذه الرواية نحن على موعد مع أجوستينا، الابنة المضطربة لزعيم قبيلة متصلب، والتي انزلقت فجأة إلى مستنقع الجنون، بعد سنوات من التحليق إلى عليين والانحدار إلى الهاوية. وزوجها، أجويلار، الذي كان في وقت من الأوقات أستاذاً جامعياً، والذي أصبح الآن رجل مبيعات لأغذية الحيوانات المدللة، ينقذها من غرفة أحد الفنادق، حيث وجدها في ركن قصي تطل من النافذة على نحو بالغ الغرابة.
وبمساعدة من خالتها صوفي ينطلق ليضع جنباً إلى جنب القطع التي تشكل كتالوج ألوان الزيف الأساسية التي هيمنت على عائلتها المتصلبة على امتداد عقود من الزمن، وحطمت سلامها الذهني وسكينتها النفسية، وبعثت بأخيها المحبوب، غريب الأطوار، إلى منفاه الذي اختاره لنفسه في المكسيك.
تروي الروائية الكولومبية وقائع جنون معلن من خلال أحاديث للشخصيات مع نفسها متداخلة على نحو بارع، حيث تنتقل من الإخلاص الحائر كما نجده عند أجويلار إلى زوجته التي لا سبيل إلى سبر أغوارها ومن ثم رؤية المغترب التي يقدمها ميداس مكالستر.
وميداس، حبيب أجوستينا السابق، الذي بدأ حياته فتى فقيراً وإن لم ينقصه الذكاء، يناله الفساد، ويصبح بمقدوره بحكم دوره في الإدارة الوسيطة في إمبراطورية إسكوبار أن يسعى للانتقام من الإذلال الذي تعرض له على يد طبقة حاكمة ترث حتى «أردية التعميد التي تنشيها راهبات كرمليات».
وعلى الرغم من كل العنف والنظام اللذين نجدهما في قلب «هذيان» فإنها تضوع حباً، وهو الحب الذي تمنحه أجوستينا وتلهمه، وتحفل بالتحالفات السرية التي تربط ما بين أعضاء العائلة ضد الأساطير الرسمية التي تقيدهم كأنما في سجن، وهناك العواطف والانفعالات اليومية التي تدع الناس العاديين في بوغوتا يجدون طريقاً لهم وسط الجنون الجماعي الذي يحيط بهم، ويبدو أن المؤلفة تصغي إلى ابتهالاتهم.
والواقع أنه لابد أن يلفت نظرنا الاقتدار الهائل الذي تبديه المؤلفة في توظيف سلسلة الأصوات التي تتداخل على امتداد الرواية، فيما يتوغل أجيلار بشكل أكثر عمقاً في جحيم الألغاز العائلية والسياسية التي تشكل تاريخ عائلة زوجته، والتي تكمن في صميم الانهيار العقلي الذي أصابها. ونحن نمضي مع الزوج الحائر في متاهة تفكيكه لهذه الألغاز،
فنسمع صوت أجوستينا، الوارثة الهشة والمضطربة نفسياً لهذه العائلة العجيبة، والتي تلقي ذكريات طفولتها المثيرة للقلق الضوء على العنف والزيف في صدر حياتها، وعلى الخالة صوفي، حبيبة أبيها السابقة، والتي اغتربت عن العائلة على امتداد سنوات،
ولكنها الآن تعود على غير انتظار لترعى أجوستينا، وعلى نيكولاس، جد أجوستينا وعازف البيانو المبدع الآتي من المانيا، والذي يلقى اختفاؤه المفاجئ في وقت متأخر من عمره الظلال على مصير أجوستينا.
ولعل أوضح خيوط هذا النسيج المعقد يأتي من ميداس مكالستر، الذي عمل بغسيل الأموال، ولم يتردد في الاشتغال قواداً لبعض الوقت، وينتهي به المآل إلى العمل في الإدارة الوسيطة بإمبراطورية إسكوبار.
هذا الرجل ينتمي إلى خلفية بالغة التواضع، لكنه يحرص على الانطلاق في مسيرة التسلق الاجتماعي، منتهزاً الظروف الوحشية التي تعصف رياحها بكولومبيا لتنتهي بها إلى الظلام الدامس لعالم رأسمالية المخدرات الذي تجسده إمبراطورية إسكوبار.
إن ريستريبو تقدم لنا، في غمار هذا كله، لوحة حادة التضاريس للصلات القائمة بين النظام الطبقي في كولومبيا الذي يعود إلى قرون خلت والحياة السياسية الدولية وصفقات المخدرات الهائلة. وما تقدمه هو أيضاً صورة تستعصى على النسيان لتجاوزات ثمانينات القرن الماضي، والتي تعود الآن لتفرض نفسها بقوة.
ويكشف ميداس بصفة خاصة الطريقة التي تدعى بها أوليغارشية كولومبيا الجهل باعتمادها على الأموال التي يقدمها كارتل إسكوبار. غير أنه يلفت نظرنا أن ريستريبو تترك الكثير من الأسئلة معلقة وبلا إجابة حاسمة، بما في ذلك السؤال المتعلق بجنون أجوستينا الفعلي.
أياً كان الأمر، فإن الرواية تنتهي بنغمة مفعمة بالأمل، وإن لم تكن نغمة سعيدة بالضرورة. وإذا كان هناك علاج للوضع الوحشي المعقد الذي تقدمه الرواية منعكساً على صقال مرآة كولومبيا، فإنه يمكن أن يأخذ شكل البحث عن الحقيقة من جانب المجتمع.
بهذا المعنى، فإن «هذيان» رواية تجمع بين القوة والجرأة وتقدم رؤية معمقة للجراح التي يحدثها العنف في صميم كيان الفرد والمجتمع على السواء.
أجوستينا
«عرفت أن شيئاً لا سبيل إلى إصلاحه قد وقع، في اللحظة التي فتح رجل باب غرفة الفندق تلك، ورأيت زوجتي جالسة في الطرف القصى من الغرفة، مطلة من النافذة على نحو بالغ الغرابة. كنت قد عدت لتوي من رحلة قصيرة للقيام بعمل استغرق مني أربعة أيام. وأقسم أن أجوستينا كانت على ما يرام عندما غادرت، أقسم أنه ما من شيء خارج عن المألوف كان يحدث،
أو على الأقل ما من شيء غير عادي كان يجري، بالتأكيد ما من شيء يوحي بما سيحدث لها خلال سفري، باستثناء هواجسها، بالطبع، ولكن كيف كان يمكن لي أن أصدقها بينما كانت تتنبأ على الدوام بأن شيئاً كارثياً سوف يحدث؟
وقد جربت كل شيء لجعلها ترى المنطق، ولكنها ما كانت لتحيد عما تعتقده، حيث أصرت على أنها منذ نعومة أظافرها كانت تحظى بالموهبة التي تسميها بالاستبصار، أو القدرة على رؤية المستقبل، والله وحده يعلم أي متاعب سببتها لنا تلك الموهبة».
*الكتاب:هذيان
*الناشر:نان أ. تاليز ـ نيويورك 2007
*الصفحات:336 صفحة من القطع المتوسط
Delirium
Nan A. Talese- N.Y. 2007
P. 336