تزامن إجراء هذه المقابلة الفريدة من نوعها مع الروائية الكولومبية لورا ريستريبو مع صدور الترجمة الانجليزية لروايتها «هذيان»، حيث طرح عليها جيم مانريك، المحرر الثقافي بمجلة «بومب» الالكترونية المتخصصة مجموعة مهمة من الأسئلة، ألقت الضوء من خلالها على تأثرها العميق بالروائي غابرييل غارسيا ماركيز ورفضها الشديد لجوانب من الواقعية السحرية التي قدم من خلالها معظم أعماله وتأثرها بجوانب أخرى.
وأشارت إلى البصمة التي تركها ماركيز على أدائها الصحافي، وأبرزت الاهتمامات التي جعلتها تقدم رواياتها المتتالية للقارئ، وأعربت عن اعتقادها أن المؤلف لا يتخذ قراراً تعسفياً أو مزاجياً بتبني أسلوب محدد في كتاب معين من كتبه وإنما الكتاب هو، على وجه الدقة، الذي يفرز أسلوبه.
وفيما يلي نص الحوار:
* متى بدأت الكتابة؟
ـ يقول أعضاء عائلتي الذين لا يزال بوسعهم تذكر تلك المرحلة أنني قدمت أول قطعة لي على الإطلاق عندما كنت في التاسعة من عمري، وكانت عبارة عن تراجيديا تدور حول الفلاحين الفقراء، كتبت في كراسة مدرسية. وحتى من لا يتذكرون منهم هذه الواقعة إلا بصورة غامضة يتذكرون بوضوح أن هذه القطعة لم تكشف عن أي مؤشرات لعبقرية نادرة.
لكنها بلا شك ترتبت عليها نتيجتان لا تزالان جليتين حتى الآن. الأولى أنها دفعت أبي على الفور إلى الاقتناع بأنني، أنا ابنته الكبرى، سأصبح روائية. والثانية أنني كرست نفسي لموضوعات معينة، بحيث أنني الآن، وبغض النظر عما أكتبه في البداية، من المحتم أن انتهي بكتابة تراجيديا عن الفلاحين الفقراء أو عن موضوع مرتبط بهذا.
وقد استغرق الأمر مني ربع قرن لكي أرغم نفسي علي الجلوس للكتابة بجدية. وبحسب رؤيتي للأمر الآن، فإن موت أبي هو الذي دفعني للكتابة. وأنا أعتقد أنه منذ ذلك الحين فإنني إلى حد كبير أكتب بدافع من الحب له وإحياء لذكراه ولكي أشعر بأنه ليس بعيداً عني.
* من هم الكتاب الذين تأثرت بهم؟
ـ في البداية تبنيت كمؤلفين يخصونني أولئك الكتاب الذين كان أبي يحبهم أكثر من غيرهم، وهم سارويان وشتاينبك وكزانتزاكيس والذين كان أبي يقرأ لي مرات عديدة مقاطع من أعمالهم. وهي أعمال كنت أعرفها عن ظهر قلب.
وفي واقع الأمر إنني لا ينبغي أن أقول إنني تبنيتهم، وإنما يتعين أن أقول إنهم سحروني، لأنه في تلك النوعية من الأرضية فإن الأمر لا يكون أبداً أمر اختيار بالكامل. وإذا أمعنت التفكير في الأمر فإنك ستجد أن هؤلاء الكتاب الثلاثة هم كتاب معنيون بكرامة البشر حتى في ظل أكثر الظروف صعوبة، ويتميزون بقدرتهم على إثارة التوحد مع الشخصيات على الرغم من ضراوة الواقع.
* متى اشتغلت بالصحافة؟ وما هو التأثير الذي تركه غابرييل غارسيا ماركيز والواقعية السحرية عليك؟
ـ بدأت العمل في الصحافة لدى عودتي إلى كولومبيا بعد ثلاث سنوات في حزب العمال الاشتراكي في مدريد، خلال مرحلة الاتجاه إلى الليبرالية بعد فرانكو وفترة من التحرك النشط ضد النزعة الدكتاتورية العسكرية في الأرجنتين. وكنت أعمل تحت الأرض، ولكنني لم أحمل السلاح، لأن الأسلحة النارية والإرهاب تشويه مخيف لما كنت أحلم به، وهو القيام بثورة إنسانية.
وقد أمضيت سنوات عملي في الصحافة في الكتابة لمجلة «سيمانا»، حيث كنت مكلفة بالقسم الذي يتناول السياسة الوطنية، وبين الحين والآخر السياسة الدولية كذلك، مثلما حدث عندما ذهبت إلى غرينادا في سنة الغزو لتغطية الأحداث آنذاك، أو عندما قضيت شهراً على الحدود بين نيكاراغوا وهندوراس لتغطية الحرب التي نشبت بين الساندينستا والكونترا،
وفي مجلة «سيمانا» التقيت غابرييل غارسيا ماركيز الذي كان على صلة بالمجلة آنذاك، حيث كان يحضر كل اجتماعات التحرير في كل يوم اثنين، ويناقش معنا الأحداث التي وقعت مؤخراً، ويكلف نفسه عناء قراءة ما كتبناه، وغالباً ما كان يحثنا على إعادة تحرير كل ما كتبناه. وكان قد فاز بجائزة نوبل للأدب آنذاك ويعد شخصاً بالغ الأهمية،
وكنا نعتبر أنفسنا محظوظين على نحو مدهش لوجوده وسطنا كمستشار للمجلة. ولكن حتى في ذلك الوقت كنا نوجه إليه نقداً قاسياً من جراء الواقعية السحرية. وكانت أطروحتي لنيل درجة الماجستير في الأدب عام 1969 انتقاداً عنيفاً لما اعتبرناه نزعة لا تاريخية وقدرية اتسمت بها الواقعية السحرية. وعلى الرغم من أنني لم أقم بإعادة قراءة هذه الأطروحة فإنني على يقين من أن ما تم الذهاب إليه فيها كان تعسفياً ويفتقر لأعمال التفكير كنقد أدبي،
ولكنني أجده أمراً منطقياً بالنسبة للكولومبيين الشبان في ذلك العهد المسيسين إلى حد بعيد والذين يتألمون بشدة حيال قسوة الحياة في كولومبيا بحيث أنهم كانت تسيطر عليهم فكرة التعلم من الكاتب الصارم والواقعي الذي ألف «العقيد لا يجد من يكاتبه» بأكثر مما كانت تسيطر عليهم فكرة التعلم من الكاتب العبقري بالقدر نفسه، ولكن الذي كان أكثر التصاقاً بالأسلوب الخيالي والمزخرف في روايته «مئة عام من العزلة».
* من أين نبعت روايتك الأولى «جزيرة العاطفة».
ـ كان العام الأول من الفترة التي نفيت فيها إلى المكسيك زمناً من العزلة والحنين، من الأحلام المستمرة بالوقت الذي يمكنني فيه العودة إلى كولومبيا، من التشبث بكل صحيفة كولومبية قديمة تقع في أيدينا، من إحاطة نفسي بالمنفيين الآخرين الذين أشاركهم المصير نفسه.
وفي يوم بديع استيقظت وقد سئمت كل شيء. وأدركت أنني أمامي هذا البلد الرائع، المكسيك، وأنني أخسره بالتجوال وكولومبيا في رأسي وفؤادي. وهكذا بدأت في البحث عن قصة محلية تمكنني من تأليف كتاب جديد، أقصد قصة واقعية، بالطبع، لأنه في ذلك الوقت لم يكن احتمال اللجوء إلى الخيال شيئاً يدخل رأسي.
ولكن تبين أنه على العكس من كولومبيا التي كانت بالأساس أرضاً لم ينشر عنها شيء فإن المكسيك قد استغلت ألف مرة ومرة من قبل كتابها ومؤرخيها، وهم أفذاذ، وأيضاً من قبل أجانب خضعوا لسحر وفتنة تلك الأرض، مثل جون ريد، أمبروز بيرس، أوسكار لويس ومالكولم لوري. وكان من الصعب بالنسبة لي أن أجد ركنا من التاريخ المكسيكي لم يتم بالفعل استكشاف آفاقه.
ولكنني أفلحت في ذلك، وكان هذا الركن، بالطبع، في آخر الأرض، كان جزيرة صخرية، قاحلة، وغير مأهولة، ويصعب الوصول إليها بسبب الشعاب المرجانية التي تحيط بها، كما أنها تصعب السكنى فيها بسبب البحيرة الراكدة الواقعة في قلبها، وباختصار كانت جحيماً على الأرض على الرغم من اسمها الجميل «جزيرة العاطفة» الذي أطلقه عليها ماجلان.
وتبين أنه في بداية القرن العشرين حدثت قصة دراماتيكية ودونكيشوتية على هذه الجزيرة قوامها المقاومة من جانب حامية الجزيرة المؤلفة من 11 جنديا مكسيكيا لأحد الغزاة الأجانب الذي لم يهاجم الجزيرة أو حتى يظهر بالقرب منها.
وعلى الرغم من ذلك فقد مات هؤلاء الرجال جميعاً سواء بفعل الإسقربوط أو الارتطام بالصخور المرجانية في المحيط في غمار محاولاتهم المتوالية للعودة إلى البر الرئيسي. وقدر للنساء والأطفال البقاء على قيد الحياة تسع سنوات كمنبوذين إلى أن تم إنقاذهم أخيراً، وهو الأمر الذي كان يجمع بين العذوبة والمرارة.
وقد بدأت في اقتفاء أثر هذا الكنز التاريخي في أراشيف البحريتين المكسيكية والأميركية وفي رسائل الحب القديمة والوثائق العتيقة التي تعود إلى ذلك العصر والأدلة الحية المتمثلة في سلالة هذه العائلات الإحدى عشرة.
ولم يكن هذا المشروع مبهجاً فحسب، وإنما مكنني من الحديث بطروحات رمزية عن موقفي في ذلك الوقت. وهكذا شقت روايتي الأولى طريقها إلى النور لتكون شيئاً ما يقع بين التقرير التاريخي وإعادة الإبداع الأدبية.
* كيف طورت أسلوبك في الكتابة ومزيجك الخاص من الواقع والخيال؟
ـ أعتقد أن كتبك هي التي تقوم بصورة مستقلة عنك إلى حد ما بالبحث عن الأسلوب الذي يمضي بها في الطريق الصحيح. وعلى سبيل المثال فإن روايتي «جزيرة العاطفة» تضم بين الفصول المؤلفة من التحقيق التاريخي أو الصحافي فصولا أدبية سمحت لنفسي فيها باستنتاج أمور معينة من دون أن يكون لدي برهان عليها،
وكان بمقدوري أن أقسم على أنها حدثت بهذه الطريقة أو تلك. وبالمقابل فإن روايتي الثالثة «فهد في الشمس» كانت في البداية سلاسل من التقارير التي أنجزتها بينما كنت أعمل محررة صحافية في التلفزيون.
وفي وقت لاحق قمت بتحويلها إلى مقالات مطولة في المجلات ثم طلب مني القائمون على برنامج تلفزيوني تحويلها إلى مادة تلفزيونية مجدداً، وبالتحديد إلى سيناريو لمسلسل من عدد محدود من الحلقات، وهو ما قمت به، ولكنهم لم يعرضوها أبداً، لأن الأبطال الواقعيين الذين كانوا مسلحين حتى أطراف أصابعهم هددوا بنسف المحطة التلفزيونية بالقنابل.
وهكذا قمت بتحويل المادة مجدداً، وهذه المرة إلى رواية. وفي روايتي «صحبة طيبة» أردت المضي بالغموض إلى نهايته، حيث نجد بطلة الرواية، وهي صحافية تحقق فيما تردد عن ظهور ملاك في إحدى ضواحي بوغوتا، تقع في غرام الملاك. وكنت في هذا العمل أتلاعب بفكرة تحطيم الفاصل التقليدي بين ما هو إنساني وما يتجاوزه، بين المؤلف وبين الشخصية.
محطات في مسيرة ريستريبو
* ولدت الروائية الكولومبية لورا ريستريبو في العاصمة الكولومبية بوغوتا عام 1950، وعاشت طفولة غير تقليدية، وتلقت تعليمها في جامعة الانديز في بوغوتا حيث حصلت على درجتي الماجستير والدكتوراه في الفلسفة والأدب، وعملت بالصحافة وأستاذة للأدب بالجامعة الوطنية في بوغوتا وأستاذة زائرة بجامعة أشبيلية، وتفرغت للكتابة منذ عام 1986.
* قدمت ريستريبو مجموعة متوالية من الروايات التي لم تبدأ عملية ترجمتها من الاسبانية إلى اللغتين الانجليزية والفرنسية إلا مؤخراً، ولم يترجم لها أي عمل من أعمالها إلى اللغة العربية حتى الآن على الرغم من أن رصيدها يشمل روايات متميزة، منها رواية «جزيرة العاطفة»
و«فهد في الشمس» و«ملاك الجليل» وصدرت لها مؤخراً الترجمة الانجليزية لروايتها «هذيان». وقد أسفرت الجهود التي بذلت مؤخراً لترجمة أعمالها عن وصول روايتها إلى عشرين لغة مختلفة، ليست العربية ـ كما سبق القول ـ من بينها.
* حصدت عدداً من الجوائز البارزة، ومنها جائزة أرزوبيسبو سان كليمنت عن رواية «فهد في الشمس»، وجائزة سور جوانا إينيز دي لاكروز المكسيكية وجائزة الثقافة الفرنسية وجائزة الفاجورا في عام 2004 وجائزة كافور الايطالية عام 2006 عن روايتها «هذيان»، وحصلت مؤخراً على زمالة جوجنهايم. وهي تقيم في مكسيكوسيتي.
منى مدكور