مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور عبد الإله بلقزيز أستاذ الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء وقد صدر له من قبل العديد من المؤلفات منها «المسألة الوطنية الفلسطينية» و«نهاية الداعية» و«الخطاب الإصلاحي في المغرب» و«الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر».
وفي كتابه الجديد الذي نعرض له يحاول المؤلف تقديم مساهمة في إعادة كتابة تاريخ الحداثة في الفكر العربي المعاصر إزاء الحيف الشديد والتهميش الكبير الذي تعرض له وخاصة في الربع قرن الأخير من لدن معظم من تصدوا لكتابة تاريخ الفكر العربي الحديث والمعاصر من مواقع ثقافية توسلت بمقدمات أيديولوجية وعادت الحداثة عداء صريحا وقبليا حتى من دون أن تصغي إلى خطابها أو تضعها في ميزان التقدير العلمي.
وفي معرض التمهيد لموضوعه يشير الدكتور عبد الإله بلقزيز إلى أن الحملة الأولين لأفكار النهضة والتقدم المعاصرة منذ القرن التاسع عشر كانوا أصحاب رسالة ثقافية واجتماعية في المجتمعات العربية وتحمل بعضهم أعباء شجاعته في الجهر برأيه في مناخات ثقافية لم تكن دائما جاهزة لاستقبال مثل ذلك الرأي.
ويضيف في هذا الخصوص أن البعض منهم قد يكون غالى في التعبير عن مقالته إلى حدود تنوء بحملها أوضاع الثقافة السياسية والاجتماع فدفع ثمن مغالاته غرامات فادحة من حريته في الرأي. لكن المؤلف يستدرك قائلا: لكن هؤلاء جميعا كانوا رجالا نهضويين لم تحركهم نوازع ذاتية أو مصالح شخصية بقدر ما شدتهم غيرتهم على الثقافة والمجتمع والأمة
ورغبتهم في مدها ببعض أسباب النهوض بأوضاعها إلى حيث تختار مقومات التقدم والمشاركة الندية في العصر أسوة بغيرها من الثقافات والمجتمعات والأمم مؤكدا على أنه ما أشد حاجتنا اليوم إلى استعادة هذه اللحظة الفكرية النهضوية في حياتنا الثقافية والبناء عليها وتهوية مجالنا الفكري المعاصر المعرض لحال حادة من الاختناق.
وعلى ذلك يتناول المؤلف من خلال مادة كتابه خطاب الحداثة منذ النشأة والى نهاية النصف الأول من القرن العشرين ويتطرق إلى سياقات التطور التي قطعها هذا الخطاب في النصف الثاني من القرن ذاته باعتبار أن المفهوم أخذ في التبلور بشكل أساسي خلال هذه الفترة.
في القسم الأول من الكتاب يعمد المؤلف إلى بناء مقدمات عامة حول جدل الأصالة والحداثة في الفكر العربي وحول جدلية الأنا والآخر بحسبانها جدلية تأسيسية فيه . يذهب المؤلف إلى أن مشكلة المجتمعات والثقافات المهجوسة بسؤال الأصالة أنها تعاني ثقل حضور التاريخ في يومياتها بدرجة شديدة أقرب ما تكون إلى الحالة المرضية وأن ذلك، حسبه، حال الثقافة في المجتمعات العربية المعاصرة.
ثم يحاول تقصي أسباب نزول مقالة الأصالة في تاريخنا الثقافي والباعث عليها في لحظات معلومة من ذلك التاريخ ويربط ذلك بأحداث القرن التاسع عشر.. عهد اتصال العرب والمسلمين بتاريخ غير تاريخهم وبقيم وأفكار ومنظومات من غير معهودهم، فلقد صدمتهم أوروبا الزاحفة ومدنيتها ووضعت مجتمعاتهم وثقافتهم موضع دفاع مستحيل.
ويشير هنا إلى رد فعل النخبة ممثلة في تيار النهضة حيث لم ينكفئ مفكري النهضة إلى الماضي والتراث والذات ليرجموا العصر وإنما قاموا على إعادة بناء مفهوم الأصالة نفسه لا بوصفه يرد إلى منظومة مرجعية فكرية اجتماعية وقيمية مغلقة وثابتة ومطلقة بل بوصفه يغتني بجديد يعيد به إنتاج نفسه.
بعد ذلك يتطرق إلى مسيرة الحداثة من هذه النهضة إلى النكسة فيذكر أن الحداثة أدركت منذ البدايات أنها خطاب ثقافي جديد يقترح على الوعي العربي رؤية مختلفة للعالم والمجتمع والثقافة متمايزة عن الرؤى والتصورات غير أن خطاب الحداثة شهد نكستين ثقافيتين في القرن العشرين وضعتاه في حال من التراجع والضمور والدفاع السلبي تعود الأولى إلى عشرينات القرن العشرين بانهيار الإمبراطورية العثمانية
وسقوط الخلافة وما رافقهما من ميلاد لحركات الإحياء الإسلامية حيث وجدت النخب المتمسكة بفكرة الأصالة في إلغاء الخلافة وقيام تركيا الحديثة مبررا جديدا للهجوم على فكرة الحداثة وشرعيتها. وارتبطت الثانية التي تعود إلى الستينات بانهيار المشروع السياسي القومي والمشروع الثقافي التحرري الملازم له وبصعود حركة الصحوة الإسلامية المعاصرة وتجدد الخطاب الأصالي.
ثم ينتقل إلى مناقشة جدليات الآخر والأنا في الوعي العربي المعاصر مشيرا إلى تطور هذه النظرة في فكر العربي المسلم وأنها ارتبطت بنظرة استعلاء فيما مضى إلى ان كان التلاقي مع أوروبا الحديثة
ويشير إلى أن القارئ في خطاب أكثر المنفتحين على الثقافة الأوروبية يعثر على مشترك مع الأصاليين يجمعهم على رأى واحد مؤداه حاجة العرب إلى استئناف دورهم الحضاري والخروج من غياهب التأخر والانحطاط وهو ما يعتبره المؤلف يكشف عن استمرارية تاريخية يرفع التمسك بها من درجة الانتباه إلى الأنا في علاقتها مع الآخر.
ثم ينتقل بنا المؤلف إلى الحديث عن كتابة تاريخ فكرة الحداثة في الوعي العربي مشيرا إلى أنه على مثال سواه من المفاهيم الفكرية المعاصرة انتقل مفهوم الحداثة إلى المجال التداولي العربي حديثا ثم حصلت محاولات مختلفة العدة والبواعث والحظوظ لتوطينه في نسيج الفكر وتبيئته.
ويذكر الدكتور عبد الإله أن الحداثة طرقت أبوابنا من مدخل أدبي وفني ويشهد على ذلك مسرح توفيق الحكيم وروايات نجيب محفوظ وشعر نازك الملائكة. وخارج حومة الأدب والفن وفي رحاب الفكر والإنتاج النظري ولدت الحداثة وشبت عن الطوق واستوى لها العود والنصاب..
ويدلل على ذلك بقوله من يمكنه أن ينسى ديكارتية طه حسين الذاهبة في اشتباكها مع حنبلية الفكر العربي إلى حد الصدام على نصاب القدسية في الموروث الشعري العربي ومن يقو على تجاهل صرخة عبد الرحمن بدوي الوجودية وصرخة فؤاد زكريا الوضعية وعلموية سلامة موسى المبكرة.
غير أن المؤلف يشير رغم ذلك يذهب إلى أنه لا يبدو حتى الآن أن مفهوم الحداثة كما دخل في المجال التداولي العربي يعني معناه الأصلي كما تكون في الفكر الغربي الحديث، فهو ما فتئ يلابس في الدلالة معنى التحديث موضحا أن الفوارق والتمايزات بين المفهومين وسيعة غير قابلة للجسر أو للمماهاة.
ثم يتطرق إلى ما يعتبره قراءة نقدية لحصيلة العقلانية والتنوير في الفكر العربي المعاصر ويقرر أنه يمكننا في هذا الخصوص الحديث عن عقلانيات عربية معاصرة لا عن عقلانية واحدة كما درج على ذلك التقليد المألوف وفي هذا يتحدث عن عقلانية إصلاحية إسلامية نعثر عليها في نصوص مفكري الإصلاح في القرن التاسع عشر ومفكري ما يدعوه بالإصلاحية المستأنفة في القرن العشرين،
وثانيها عقلانية ليبرالية أو حداثية بكرت في الانفتاح على المرجع الثقافي الغربي منذ العقود الأولى للقرن التاسع وكان الأغلب الأعم من أقلامها عند بدء صعودها في القرن نفسه من بلاد الشام قبل أن ينتقل مركزها إلى مصر بعد الحرب العالمية الأولى، وثالثها عقلانية نقدية وهى كناية عن رؤية فكرية التزمت سبيل النظر إلى مسائل الفكر والمجتمع من منطلق عقلاني لم يتوقف عن نقد المرجعين الغربي والإسلامي على السواء.
وفي معرض تقييمه لهذه العقلانيات يشير إلى أن الليبرالية تبدو أعلى جرعة من الإصلاحية الإسلامية لتحررها من سلطة النص الديني الحاكم للعقلانية الإسلامية واعتمادها على أصول عقلية حديثة تخلصت من الحاكمية الأرسطية.
ورغم ذلك يشير إلى أن العقلانية الإصلاحية الإسلامية كانت أكثر فاعلية وتأثيرا في حقل المعارف والأفكار وأوسع مدى ونطاقا اجتماعيا الأولى. فيما أن العقلانية النقدية تبدو أكثر تركيبا من سابقتيها فهى عقلانية جدلية أكثر إصغاء لمطالب العقل الكوني مع استعداد كبير للرد عليه نقديا.
ثم ينتقل المؤلف في قسم ثالث وأخير إلى استعراض المفاهيم الرئيسية في خطاب الحداثة وهى الحرية ، الدستور، العقل، السياسة المدنية، العلم، التنوير لدى ثلاثة من ممثليه الكبار في النصف الأول من القرن العشرين على نحو تطبيقي.
بالنسبة للحرية يستعرض المؤلف رؤى أحمد لطفي السيد كممثل لمن تناول هذا المفهوم رغم أن الفضل يعود، حسبما يذكر، إلى رفاعة الطهطاوي في تأسيس مقالة الحرية في الفكر العربي الحديث. وفي هذا الصدد يذكر أن لطفي السيد خلافا لمن سبقه من دعاة الحرية لا يخفي انحيازاته الثقافية إلى المنظومة الفكرية الأوروبية ولا اعتقاده بمرجعيتها.
ووفقا للطفي السيد فإنه ثمة أمرين يبرران الحرية والدعوة إليها وهما مبدأ الحرية ذاته والاستبداد السائد، فالحرية جوهر الكينونية الإنسانية و«لأنها مسألة المسائل وأم المصالح» فلا ينبغي الالتفات إلى من يلتمس المبررات لحرمان شعوبنا منها بذريعة أن شعوب هذه الشعوب ليست أهلا لها.
من ناحية ثانية فإن لطفي السيد يرى أن نظام الاستبداد مما يوجب الحرية ويدعو إليها، فالنظام هذا، السائد في البلاد العربية مسؤول عما لحق الأفكار المدنية العصرية من عسر في الصيرورة أفكارا حاكمة لوعينا السياسي.
ويخلص المؤلف إلى القول أنه ربما كان لطفي السيد مفكرا منظوميا صاغ نظرية ليبرالية في الحرية وربما كان ـ كسواه من الليبراليين العرب ـ ضحية عدم استيعاب الليبرالية الغربية في مسارها التاريخي كما ذهب إلى ذلك عبد الله العروي لكن تشديده الكبير على مسألة الحرية ومركزيتها في المجتمع والفكر يخوله صفة الممثل الأبرز لأيديولوجيا الحرية في الفكر العربي المعاصر وخاصة أن ما كرسه من كتابات لها لم يضارعه غيره فيه كما ونوعا.
ثم ينتقل إلى الحديث عن التأصيل للنظام المدني على يد علي عبد الرازق باعتبار أفكاره مقدمة إسلامية في الحداثة السياسية مشيرا إلى أن العلمانية العربية التأسيسية الناشئة في رحم أوساط فكرية عربية منفتحة على تيارات الفكر الغربي وغالبا مسيحية مشرقية لم تبق محصورة في نطاق الليبرالية العربية الوليدة
بل وجدت بعض أشكال التعبير عنها داخل الفكر الإسلامي الإصلاحي نفسه المنفتح إلى هذا الحد أو ذاك على بعض معطيات الفكر الأوروبي الحديث وهو ما كان علي عبد الرازق يمثل أبرز انعكاساته وخاصة من خلال كتابه «الإسلام وأصول الحكم» والذي يراه ينتمي إلى تيار الإصلاحية الإسلامية.
مصطفى عبد الرازق
*الكتاب: العرب والحداثة
*الناشر:مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت 2007
*الصفحات:176 صفحة من القطع الكبير