مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب والباحث الأكاديمي السوري مازن عرفة الذي حصل على إجازة في الآداب ـ قسم اللغة الفرنسية، من جامعة دمشق، ثم تابع دراساته العليا في بولونيا حيث حصل، مطلع التسعينات، على شهادة الدكتوراه في علم الكتاب.

يشغل، منذ منتصف التسعينات، وحتى اللحظة، منصب مدير النشاط الثقافي في المكتبة الوطنية بدمشق. صدر له كتاب باللغة البولونية بعنوان «العالم العربي في الكتابات البولونية في القرن التاسع عشر»، فضلا عن مقالات ودراسات منشورة له في صحف ودوريات مختلفة. في كتابه «سحر الكتاب وفتنة الصورة»، والذي يحمل عنواناً فرعياً «من الثقافة النصية إلى سلطة اللامرئي»، يستعرض الباحث أدوات الاتصال البشري منذ عصور سحيقة في القدم وصولاً إلى اللحظة الراهنة التي تتصدر فيها الصورة الإلكترونية مشهد العلاقات اليومية بين البشر.

وهو في سعيه إلى هذا الهدف يصادف في طريقه كما هائلا من المواضيع والقضايا والمسائل التي يناقشها، ويحاول تسليط الضوء عليها في هذا الكتاب المقسَّم إلى ثلاثة أقسام، إذ يشمل القسم الأول على مقدمات نظرية منهجية لفهم طبيعة العصر الذي نعيش،

أما القسم الثاني فيرصد التحول الذي طرأ على طبيعة الثقافة البشرية بعد ظهور الطباعة، وفي القسم الثالث والأخير يسعى الباحث إلى تسجيل التغييرات التي برزت لدى تحول العالم من ثقافة الكلمة المطبوعة إلى ثقافة الصورة المتمثلة في الفضائيات، والفيديو، والإنترنت... وكل قسم بدوره يتفرع إلى عدة فصول.

يشير الباحثون والمؤرخون إلى أن الثقافة البشرية مرت بأربع صيغ للتعبير عن نفسها، وأولى تلك الصيغ هي «الشفاهية» حيث الحفظ والنقل اعتمادا على الذاكرة، والرسومات والرموز الفطرية البدائية، التي وجدت على جدران المغاور والكهوف، والثانية هي صيغة «التدوين»

وتتمثل في تدوين ما كان شفاهيا مع الاحتفاظ بالأسلوب الشفاهي البسيط قدر الإمكان، والصيغة الثالثة التي ظهرت بعد اختراع الطباعة في منتصف القرن الخامس عشر، هي «الكتابة» وهي صيغة شبيهة بصيغة التدوين لكنها متطورة ومتماسكة ولها قواعد وأساليب وأشكال مختلفة،

أما الصيغة الرابعة، فهي «الصورة» بوسائطها المختلفة كالتلفزيون، والفيديو، والإنترنت... وسواها من التقنيات التي راحت تؤسس لمرحلة ثقافية بشرية تغيرت معها مقاييس الثقافة كلها إرسالا، واستقبالا، وفهما، وتأويلا مثلما تغيرت قوانين التذوق، والتصور.

لا يدّخر عرفة جهدا في رصد طبيعة وملامح كل مرحلة من هذه المراحل، محاولا، في البدء، شرح مصطلح الثقافة وتحولات هذا المفهوم عبر العصور، وصولا إلى العصر الراهن حيث شاع مصطلح العولمة التي ركزت عليه الأدبيات العربية لفترة من الزمن ثم تجاهلته،

ويرى الباحث بأن العولمة بمعناها الأولي هي «تعميم ظواهر معينة من مجالات النشاط الإنساني على مستوى العالم ككل، ولكنها في جوهرها تتعلق بتشكل وعي كوني جديد يتجاوز بشموليته الأشكال السابقة للوعي، القومي أو الوطني أو الاجتماعي».

ويتابع الباحث، في هذا القسم النظري الأول، شرح الكثير من المفاهيم الغامضة والطارئة التي دخلت في قواميس الحياة المعاصرة من قبيل العولمة الثقافية، والثقافة في المفهوم الأنثروبولوجي، والثقافة ومفاهيم ما بعد الحداثة، وأوعية المعلومات، والمجتمعات الرقمية...

ينتقل الباحث بعد هذه المقدمة النظرية إلى تناول ثقافة الكلمة المطبوعة، ويتحدث، هنا، بإسهاب عن الاستخدامات الورقية كأحد مظاهر ثقافة الحداثة، فيرى بأن الورق «يعد واحداً من أهم الابتكارات التقنية التي أبدعها العقل البشري في مسيرة حضارته، من خلال ارتباطه الوثيق بالكتابة والطباعة.

وهو يمثل نقلة نوعية تاريخية من العصور القديمة إلى العصور الوسطى، فقد وثَّق الورق ما أنتجته الإنسانية من معارف وعلوم وخبرات، وذلك بالمقارنة من الأشكال القديمة لأوعية المعلومات، مثل الألواح الآجرية وأوراق الشجر ولحائه وجلود الحيوانات وعظامها.

وامتدادا إلى العصور الحديثة استطاع الورق أن يحتفظ بمكانته كوعاء معلومات دون منافس، ناقلا ما أبدعته الإنسانية من جيل إلى آخر، وصولا إلى نهاية القرن العشرين حيث ظهرت الأشرطة الممغنطة والشاشات الإلكترونية كمنافس جديد له، تهدد مكانته المستقبلية في مجال حفظ المعلومات وتبادلها».

ويرى الباحث بأن تأثير المعلومة يختلف بحسب نوعية حاملها المادي، فالتلقي يختلف من كتاب ورقي إلى شريط تسجيل صوتي، إلى شاشة سينما، إلى شاشة تلفزيون.. لدرجة دفع بأحد الباحثين الإعلاميين إلى القول بأن «الوسيلة هي الرسالة»،

فكل حامل مادي للمعلومات «يترك تأثيراً وتحريضاً محدداً مرتبطاً بصفاته الفيزيائية عند التلقي المباشر، أو عندما يُعاد استرجاع المعلومات منه، وإن كان هذا لا ينفصل عن فردية التلقي في الفعل النهائي»،

فكبار السن ما زالوا يفضلون الورق والكتاب الورقي في حين أن الأجيال الناشئة، صغيرة السن، مهووسة بالشاشة، وبالأجهزة الإلكترونية الحديثة، وقد علق الكاتب الإيطالي امبرتو ايكو على هذا الأمر بالقول: «إن هذا الجيل خلق ليضغط زراً».

ورغم ذلك فإن الورق يتمتع، إلى الآن، بحضور مكثف في حياتنا اليومية المعاصرة، فهو يستخدم في الطوابع والبطاقات البريدية، والمغلفات، وفي المعاملات الإدارية والوثائق القانونية (صك الملكية مثلا)، وفي النقود والشيكات المالية،

وفي الدفاتر والكتب المدرسية، وفي تغليف الهدايا، وفي الصور...الخ، «فكثرة استخدام الورق تشير إلى درجة تطور بلد ما»، كما يرى الباحث الذي لا يغفل، في هذا السياق، الإشارة، بشكل تأملي فلسفي، إلى ذلك الجانب الوجداني لدى الأدباء والشعراء الذين يفضلون استخدام الورق في تسطير إبداعاتهم، وهو يربط ذلك بالكثير من المحرضات والعوامل التي قد لا تتيحها شاشة الكومبيوتر،

إذ يرى الكاتب بأن الاحتكاك الحسي المادي مع بياض الورق، حيث الفراغ والعمق والاتساع، هو الذي «يساعد في خلق أجواء مناسبة ومريحة لفعل الكتابة، مما يساعد على تداعي الأفكار بطريقة أغنى وأسرع»، ثم يدافع الباحث عن الكتاب الورقي الذي سيبقى، في رأيه، «موجوداً وصامداً ومستمراً، على الأقل في آفاقه المستقبلية القريبة».

ويفرد الباحث مساحة مهمة من كتابه للحديث عن العلاقة بين القارئ والكتاب، فيرى بأن مجرد اختيار كتاب أو الحصول عليه أو تلقيه كهدية، يعد الخطوة الأولى لبدء نشوء علاقة حميمة مع الكتاب، ويتحدث كذلك عن مفهوم المكتبة المنزلية ودلالات وجود هذه المكتبة،

ومدى ارتباط صاحبها بها، فضلاً عن الكثير من الأفكار والشروحات التي لا يمكن اختزالها، ولكن يمكن أن نسوق، هنا، رأيا لبورخيس يساعد في شرح ما يرمي إليه الباحث. يقول الكاتب الأرجنتيني الراحل: «إنني اعتبر نفسي قارئاً بالأساس. وقد تجرأت على الكتابة؛ ولكنني أظن أن ما قرأته أهم بكثير مما كتبته. فالمرء يقرأ ما يرغب فيه،

لكنه لا يكتب ما يرغب فيه، وإنما ما يستطيعه»، ويضيف صاحب «سبع ليال» متحدثا عن عشقه للكتب «عندما أنظر إلى الكتب الكثيرة التي لدي في البيت، أشعر بأنني سأموت قبل أن أنهيها، ولكنني لا أستطيع مقاومة الإغراء بشراء كتب جديدة. وكلما ذهبت إلى مكتبة ووجدت كتابا حول أحد الأمور التي تستهويني، أقول لنفسي «يا للأسف، أنا لا أستطيع شراء هذا الكتاب، لأن لدي نسخة منه في البيت».

ويخصص الباحث الصفحات الأخيرة من كتابه للحديث عن العصر الراهن الذي يحلو لبعض المهتمين وصفه بـ «عصر ثقافة الصورة» حيث شاعت الفضائيات على نحو واسع، وانتشر الإنترنت، والفيديو، والهواتف النقالة... وغيرها من الوسائل التي تقتحم هدأة البيوت،

وتساهم في صياغة الرأي العالم، وتتدخل في التكوين العقلي والذهني للأفراد، بل تتحكم في القرارات الاقتصادية وفي نمط المعيشة من خلال الإعلانات التجارية التي تفرض ماركات وأنواعا محددة من السلع، دون غيرها، وتنشر قيما استهلاكية معينة.

ويشرح الباحث كيفية الانتقال من المنظومات اللغوية إلى المنظومات السمعية البصرية، ويثبت بأن هذا التحول التدريجي بدأ منذ نهايات القرن التاسع عشر مع ظهور التصوير الفوتوغرافي، ومن ثم ابتكار الصورة السينمائية المتحركة والملونة،

ومن ثم ظهور التلفزيون وانتشاره في منتصف القرن العشرين الذي شهدت نهاياته سيطرة «الأجهزة التكنولوجية» على مظاهر الحياة عامة من خلال الصورة الإلكترونية المحيطة بنا من كل حدب وصوب.

الكتاب، الذي حظي بتجليد فني متقن وبعنوان نافر جذاب، يزخر بكم من المعلومات، إذ يشير ثبت المراجع إلى كتب عديدة استند إليها الباحث، كما أن الكتاب لا يفتقر إلى الحس النقدي، وهو مكتوب بلغة سهلة لا تستعصي على القارئ العادي،

ناهيك عن المهتم، ورغم انحياز الباحث إلى الأشكال التقليدية، سواء تعلق الأمر بالكتابة أو بالتلقي، فإن ما يسجل له هو قدرته على رسم هذا المشهد البانورامي الواسع لعالم يسير نحو «آفاق مستقبلية افتراضية» حيث كل شيء عبارة عن «صورة متحركة على شاشة مضيئة».

ابراهيم حاج عبدي

*الكتاب: سحر الكتاب وفتنة الصورة

*الناشر: دار التكوين ـ دمشق2007

*الصفحات: 464 صفحة من القطع المتوسط