لقد أدخلت القناعات الجاهزة مجتمعات كثيرة في مرحلة سبات، ولم تعد تتطور وفقا لنظريات دورة الزمن، وتجمد فكرها لدى مرحلة معينة دون سواها، ولسوف يستمر هذا الجمود قروناً أخرى إذا لم يتحول المجتمع إلى الفكر النقدي، والنظر إلى الحاضر بعين السؤال، وليس بعين الرضا، وكلما كثر السؤال ازداد حجم المعرفة والمكاشفة وتوقف الإحساس بالأفضلية وبدأ البحث عن أفق أوسع مما هو في الحاضر.

هذا ما ينطبق قولا وفعلا على مهرجانات ومؤتمرات وندوات ثقافية على امتداد الجغرافيا العربية، حيث تحضر الثرثرة ويتراجع النقد، ونقصد بالثرثرة شكلها المألوف من إعداد ورقة تصلح لشعر أحمد شوقي كما تصلح لشعر عبد الوهاب البياتي، فقط يتغير الاسم !

ونادرا ما نجد برنامجا لمهرجان أو ندوة يتخذ من الأدب التطبيقي منهجا للعمل وفق قواعد مدروسة بشكل جيد وليس استعجالية مسلوقة تخلط الحابل بالنابل مما يراكم الأخطاء ويدفع للشعور بالرضا عن كل شيء، ويعني أيضا تراجع الفكر، وعدم مواكبته للتطور التاريخي الذي يفترض أن ينخرط الجميع فيه، ومن خلاله يمكن للشعوب أن تعيش مسافات ماضيها بما يمكن أن تفعله مستقبلا وليس ما فعله الأجداد ذات يوم.

إن توقف مثل هذه التظاهرات عن النقد (النقد التطبيقي) يسبب ترهلا ومضيعة للوقت، والأمثلة عن توقف حركة النقد في المجتمع كثيرة، لكن أبرزها يمكن أن تقدمه المهرجانات لأنها تحتفي ولا تنتقد، ويصبح حالها حال الكتاب،

إذ إن تهافت الناس على شراء كتب الأبراج والحظ والوصفات الطبية أو كتب الطبخ والتخسيس يعني أن الفكر النقدي الذي تقدمه الكتب الأخرى لا يجد له مكاناً في العقل أو المكتبة لذلك تزداد عدد طبعات تلك الكتب عدة مرات بينما لا تجد الكتب الفكرية أو النقدية نفاداً لطبعتها الأولى وكذلك يتقلص المهرجان من جدوى فكرية فاعلة إلى تنفيذ برنامج حكومي أو مؤسساتي سنوي أو شهري.

إن التحول إلى الثقافة الناقدة الأولى هو مفتاح العصر، ومن لا يفكر بطريقة عصره سيبقى في مؤخرة الركب، والمجتمعات التي تسيطر على عقولها نظرة رومانسية إلى تاريخها ونظرة مثالية إلى حاضرها، ستعيش تراجعا كبيرا قبل إقفال العشرية الأولى من الألفية الثالثة،

والنقد لا يعني الحاضر فقط، بل يعني الماضي لأن جميع الأمم في كل الأزمنة لديها الإيجابي والسلبي في ماضيها، وعندما تنقد ذلك العصر يمكنها تخطي حاضرها بيسر وسهولة وتتوقف عن تمجيد ماضيها، والاهتمام بمستقبلها وقطعا سيكون حاضرها مركب عبور إلى أزمنة مقبلة.

وهو أيضاً حال جميع المؤسسات الثقافية التي أغلقت باب النقد دونها فتحولت إلى مؤسسات جافة يابسة غادرها الماء وضرب أوراقها الاصفرار، ولو أنها توقفت قليلا لمحاسبة أنشطتها السابقة لعرفت أين يكمن الخلل فسارعت إلى معالجته قبل تحوله إلى مرض عضال اسمه «ثقافة المهرجانات المسلوقة على عجل».

hussain@albayan.ae