مؤلف هذا الكتاب هو خالد زيادة الأستاذ في الجامعة اللبنانية وقد صدر له من قبل العديد من المؤلفات منها «اكتشاف التقدم الأوروبي»، و«النظرة الإسلامية إلى أوروبا» و«كاتب السلطان. . حرفة الفقهاء والمثقفين».
ويضم كتابه الجديد مجموعة من الدراسات التي تهدف إلى التعرف على دور الحسبة ومدى مساهمتها في محاربة الفساد وهو ما يحاول تناوله من خلال استعراض وضع المدينة الإسلامية باعتبارها قضاء فقهياً استمر حتى مشارف القرن العشرين. وفي ذلك يعرج المؤلف على ما يعتبره ظاهرة تتمثل في ازدواجية السلطة بين الدولة التي يمثلها الحاكم والمدينة التي يشرف على تسيير أمورها الفقهاء من خلال قضاء الحسبة وإلى أي حال تطورت هذه الازدواجية الأمر الذي يراه يُعبّر عن إشكالية ما زالت متواصلة.
يشير المؤلف إلى أن الرقابة في المدينة من الواضح أنها كانت بأيدي المحتسب حسب ما توحي به أعمال الفقهاء وخصوصاً في رسائلهم الخاصة بالحسبة فهو الذي يراقب الأسواق والمساجد والحمامات ويزور المقابر والسجون ويمنع ما يحدث من المنكرات على ضفاف الأنهار إلا أن أمكنة أخرى تبقى بمنأى عن رقابته واختص شخص آخر بشؤونها وهو صاحب الشرطة الذي يعرف أيضاً باسم صاحب العسس وعرف في الأندلس والمغرب باسم الحاكم وعرف في مصر المملوكية باسم الوالي.
وهنا يذكر المؤلف أنه حصل تداخل واسع في المهام والصلاحيات بين صاحب الشرطة من جهة وبين المحتسب من جهة أخرى فإذا كان حفظ الأمن والرقابة على العامة من صلاحيات صاحب الشرطة فإن المحتسب هو الآخر كان يراقب المدينة وعامتها ويحتسب على المنكرات.
ويوضح خالد زيادة أن الفقهاء كانوا يرسمون قواعد المدينة ونظامها ويقرون في الوقت نفسه بأن الرقابة في المدينة ليست من اختصاص المحتسب فقط. ويخلص من ذلك إلى الإشارة أنه يمكن وضع حد فاصل بين سلطتين تنازعان المدينة وهي سلطة الشرع ممثلة بالقاضي والمحتسب من جهة وسلطة السياسة حسب تعبير ابن خلدون ممثلة بالحاكم وصاحب الشرطة.
فالمدينة كمكان كانت مقسومة بين هاتين السلطتين فإذا كان المحتسب يراقب السوق وأهل الصناعات ويدقق في منكرات المساجد وغير ذلك فإن صاحب الشرطة يراقب بالدرجة الأولى حدود المدينة.
وقد عكس هذا التقسيم ما يشير إليه من أن المحتسب عرف باسم صاحب السوق أما صاحب الشرطة فاعتبر في النتيجة بمثابة صاحب المدينة، وفيما كان عمل المحتسب ينحصر في وقت العمل والصلوات من الفجر إلى العشاء فإن عمل الشرطة كان بشكل خاص ليلياً ومن هنا فقد سُمي صاحب الشرطة باسم صاحب الليل.
وفي إطار استعراضه لموضوعه يشير خالد زيادة إلى انقسام سكان المدينة الإسلامية إلى أغنياء وفقراء وهو أمر كان قائماً وتعكسه الأدبيات المرتبطة بالمدن الإسلامية غير أنه يشير إلى ملاحظة مؤداها أن الغني لم يكن الشرط اللازم للارتقاء إلى مستوى الفئات العليا.
وفي ذات الوقت يوضح أن مفهوم الضعة قد اتسع ليشمل فئات منوعة ومتعددة نظر إليها نظرة احتقار واعتبر أفرادها على جانب من الخسة والوضاعة والرذالة ولم تكن بين هؤلاء صفات مشتركة بالضرورة وقد التصقت تلك الصفة بأصحاب المهن الوضيعة والمتكسبين والمتسولين وأهل البلايا والعاهات.
أما على الجانب الآخر فقد كان هناك ثلاث فئات تحتل موقعاً مميزاً في المدينة الإسلامية وهي رجال السلطة ورجال الدين والتجار. ويخلص إلى أن الحديث عن فئات خسيسة وأخرى نفيسة إنما يعكس التمييز الذي يفصل بين الفئات العليا والفئات الدنيا داخل المدينة الإسلامية كما يعكس المفهوم الاجتماعي للاختلافات والتفاوت بين السكان تبعاً لمقدمات مختلفة.
ويتطرق المؤلف بعد ذلك في دراسة أخرى إلى مشهد المدينة الإسلامية مشيراً إلى أنه ينم عن تنوع إنساني كثيف فثمة بالإضافة إلى التجار والحرفيين والمتكسبين الشحاذين والبطالين والحواة والقرداتية والمهرجين وسواهم، فالسوق والمسجد يبرزان كركني المدينة وحياتها اليومية وأمام الصرامة التي يفرضها ارتياد المسجد تبعاً للقواعد التي رسمها الفقهاء فإن السوق الذي جد الفقهاء في ضبط معاشه وأحواله كان موقعاً ممتداً للنشاط الإنساني من كل نوع حيث يتضارب العمل باللهو والجد بالبطالة والخاص بالعام والنفيس بالخسيس.
ويعرض في هذا السياق لملامح مفصلة بشأن اللهو في المدينة ومن الجوانب ذات الدلالة التي يراها المؤلف أن الرسائل الفقهية الخاصة بالحسبة تُشكل مدخلاً مناسباً للولوج في عالم المدينة بوجهيه الصارم واللاهي فإذا كان الفقهاء يقدمون انطباعاً صارماً عن الحياة اليومية في المدينة لتنوع القواعد التي يشترطونها فإنه خلف هذه الصرامة ينكشف وجه آخر.
فكثرة القواعد والموانع توحي بوفرة النشاط الذي يوجب المراقبة والمنع والذي يقترب من حد الهزل واللهو أو يتجاوزه، فالموانع الفقهية تركت آثاراً جمة على عادات اللهو والتسلية غير أنها لم تستطع دائماً أن تُلجم العامة الذين يطلقون لأنفسهم العنان في المواسم والأعياد خصوصاً في المناسبات الدينية أو السلطانية فتعتبر هذه المناسبات مواعيد للهو والهذر والتسلية.
كما شاركت العامة من أهل المدن، حسب الكتاب، مشاركة واسعة بعيد النيروز وكان من أكبر الأعياد الفارسية التي جعلها المسلمون من كافة الأجناس خاصتهم. ويشير إلى مثال على ذلك ما كان يجري في مصر في عيد النيروز إذ تنتخب العامة رجلاً يسمونه أمير النيروز فيطلى وجهه بالدقيق أو الجير ويركب في الشوارع على حمار وعليه ثوب أحمر أو أصفر ويسير معه جمع كبير فيتسلط على الناس.
فمن لم يدفع الرسم يرش بالماء الممزوج بالأقذار وكان الناس يضرب بعضهم بعضاً بالجلود والأنطاع، الفقراء في الشوارع والأغنياء في دورهم ورجال الشرطة لا يعترضون على ذلك. أما في معرض ذكر الموقف من هذا اللهو وأصحابه فيشير المؤلف إلى أن كتب الحسبة ورسائلها والتي تقدم فكرة عن أحوال الأسواق في المدن وما تكتظ به من تنوع بشري يضم أرباب المهن والبطالين والمتسولين على السواء تمتنع من اعتبار أهل اللهو من بين أصحاب المهن.
وبالرغم من تواتر أخبار المهرجين والمغنين والمرقصين وسواهم فإنه لن يتم العثور في رسائل الحسبة والتي تعتني عادة بذكر أهل الحرف وصناعاتهم ذكراً لأرباب اللهو من بين أصحاب الصناعات.
ويخلص المؤلف من استعراضه لهذا الجانب إلى أن الفقهاء أخرجوا أرباب اللهو من قوائم أهل الحرف والصناعات وأخرجوا اللهو خارج المدينة أو عزلوه في أماكن مغلقة وتشددوا في ذلك وعلى نحو عام فإن المدينة تركت مهن اللهو للهامشيين والغرباء والضعفاء وذوي العاهات والنقائص ووسمتهم بالدناءة.
ثم يتطرق إلى النقاش والجدل السائد في الفكر بشأن مدى الارتباط بين الدولة والمدينة، مشيراً إلى أن الفكرة الشائعة أن الدولة وليدة مجتمع مديني وهو بدوره نتاج مدينة أو حاضرة متنامية وهو ما نجد تأكيداً عليه لدى فلاسفة اليونان وكذلك لدى الفارابي الذي أخذ عنهم فكرته عن المدينة السياسية الفاضلة.
ويوضح أن ما يعتبر أنه دولة المدينة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عصر الخلفاء الراشدين إنما يحفظ نوعاً من الازدواج في المغزى لأنه يعني على السواء نوع الحكم الذي انبثق عن مجتمع المدينة ولأنه يشكل النموذج الذي صيغ لاحقاً لمبدأ الدولة الإسلامية التي هي بمثابة مرجع أصولي وسلفي.
ويميز هنا بين دولة المدينة ـ إذا صح المصطلح ـ والدولة السلطانية أو الدولة القومية الحديثة ليس فقط لأن كل نموذج من النماذج الثلاثة يستند إلى أسس نظرية متباينة عن الأخرى لكن أيضاً لأن كل واحد في الأصل هو نموذج نعثر عليه في تجارب وفي أزمنة مختلفة ومتغيرة.
ويوضح في معرض هذا الجزء أنه لا يهدف إلى استعراض النماذج النظرية أو التاريخية للدولة السلطانية أو الدولة الحديثة وإنما استكشاف الأسس التي وضعت الدولة في تناقض مع المجتمع المديني في التجربة العربية الإسلامية ولكل الأسس التي أدت إلى التسلط الراهن للدولة على المجتمع.
في معرض التفصيل يقرر أن العرب المسلمين بناة مدن حيث بنى الفاتحون بالفعل مدينتي الكوفة والبصرة والى حد بعيد فإن نشأة بعض المدن ونموها يعزيان إلى فاتحين أو خلفاء أو سلالات حاكمة. ويشير إلى أنه يمكن في هذا الإطار التمييز بين المدينة كمكان اجتماعي ومسرح للإنتاج والعمل والسلطة.
إذ كانت المكان الذي تستقر فيه الدولة أو تشهد بعض مظاهرها وممثليها وبين مفهوم المدينة الذي كان مجهوداً خالصاً للفقهاء، فالمصر الجامع ليس مكان اجتماع المؤمنين وسواهم فحسب ولكنه حسبما يشير تجسيد للشريعة على المستوى العملي أيضاً.
ويخلص المؤلف من خلال مجموع دراساته التي عرضنا لها إلى التأكيد على أن الفقهاء ابتكروا وظيفة الاحتساب أي الرقابة على الأسواق وسعوا إلى توسيع نطاقها عن طريق إعطاء المحتسب صلاحيات واسعة لمنع كل فساد بما في ذلك مجالس القضاء، غير أن خالد زيادة ينتهي إلى أن وظيفة الاحتساب لم تتحول إلى مؤسسة رقابة إلا حين تعلق الأمر بالكسبة والصناع والحرفيين والنساء والذميين.
وحسبه، فمراقبة مجالس القضاة اكتفت بالشكل دون التفتيش على أحكام القضاة ومدى مطابقتها لشروط العدل، ولم يستطع الفقهاء أن ينشئوا نظاماً للعقوبات فتركوا تقدير ذلك إلى المحتسب نفسه الذي كان يتطلب منه تأنيب المرتكب وزجره. وقد حال الفقهاء حسبما يرى دون جعل الاحتساب مؤسسة حصرية للرقابة حين أطلقوا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وجعلوا من كل مسلم محتسباً ورجحوا الجوانب الأخلاقية والمبدئية على حساب إنشاء نظام متكامل للرقابة.
ويقرر أن الفقهاء الذين ساهموا في بناء نظرية سياسية للحكم كانوا قد قدموا الوحدة والتماسك الاجتماعي على المسائلة ونقد السلطة السياسية ولهذا قبلوا بالسلطان المستبد الغشوم ولم يكن السلطان شخصاً بقدر ما كان نظاماً متكاملاً.
وبالرغم من أن الفقهاء حافظوا على استقلال نظامهم المعرفي فإن السياسة الشرعية انحصرت في القضاء والأوقاف الإسلامية والحسبة والعناية بأمر الأيتام، أما النظام السياسي فقد تبع قوانينه الخاصة به. ومع ذلك يذهب المؤلف إلى أنه إذا كان النظام المعرفي الفقهي قد حافظ على تقاليده واستقلاله فإن جهاز الفقهاء لم يتحول إلى مؤسسة مستقلة وكان تعيين القضاء بيد السلطان ولطالما تعرض هؤلاء القضاة إلى ضغوط السلطة الحاكمة من أجل تسويغ الضرائب وارتكابات لا تتفق مع القواعد الفقهية.
مصطفى عبد الرازق
*الكتاب: الخسيس والنفيس
*الناشر:رياض الريس للكتب والنشر بيروت2007
*الصفحات:107 صفحات من القطع المتوسط