مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور عزمي بشارة، المفكر والمناضل الفلسطيني المعروف، الذي قرن الممارسة السياسية والفكرية بالعمل اليومي والنضال من أجل قضيته، القضية الفلسطينية، ولم يتوان يوماً عن الخوض في الهموم العربية، من موقع قومي وعلماني وديمقراطي.

وسبق وأن أصدر العديد من المؤلفات الفكرية والأدبية، منها: «المجتمع المدني: دراسة نقدية مع إشارة إلى المجتمع المدني العربي، 1998»، و«العرب في إسرائيل: رؤية من الداخل، 2000»، و«الانتفاضة والمجتمع الإسرائيلي: تحليل في خضم الأحداث، 2002»، و«ما بعد الاجتياح: في قضايا الإستراتيجية الوطنية الفلسطينية، 2002»، ورواية «الحاجز: شظايا رواية، 2004».

وفي كتابه الجديد (في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي)، يجدد عزمي بشارة النقاش حول الديمقراطية والقومية والمواطنة وسواها، لذا فإن أطروحات الكتاب وأفكاره تكتسي أهمية كبيرة في هذه المرحلة التي تعصف بمنطقتنا بشكل عام، حيث الالتهاب والانقسام المذهبي والطائفي بلغ مرحلة غير مسبوقة، وينذر بما هو أسوأ، وكأن المخططات والمشاريع الهادفة إلى إعادة تكوينها السياسي والاجتماعي والاقتصادي قد بدأت تأكل أكلها.

يمتاز الكتاب بأنه كتاب مفكر فيه، إذ يحفل بالفكري والجديد، ويمتلك مستوى من الكتابة يفيض بالمتعة الفكرية، ويبعث على لذة في القراءة، بالمعنى الذي تحدث به رولان بارت. ويشكل الكتاب محاولة لفهم معوقات التحول الديمقراطي، وهي محاولة تبدأ بطرح الأسئلة الحارقة حول وجود استثنائية عربية، وماهيتها ومركباتها وحمولاتها.

وتجد تلك الأسئلة مرجعيتها الفكرية في ما طرحه قسطنطين زريق وساطع الحصري وياسين الحافظ وسواهم، وفي أفكار مختلف من انحازوا إلى الخيار الديمقراطي، وبعضهم من انحاز بشكل سياسوي ومن باب «فقه النكاية»، في سبعينات وثمانينات القرن العشرين المنصرم. يدخل ضمن هذا السياق أطروحات ونضالات مجوعات عديدة وصغيرة انخرطت في العمل الوطني على أرضية برامج ديمقراطية ووطنية، ولو بشكل جنيني.

ولا تظهر قراءة الكتاب أن ما فكّر فيه عزمي بشارة لم يكن واضحاً في تصور حل ديمقراطي للمسألة العربية، كونه حاول أن يقدم حلاً ديمقراطياً للمسألة القومية، وفي ذات الوقت مقاربة قومية لقضية الديمقراطية، وهو يعي تماماً أن ذلك الحل المنشود لا يمكن أن يرى النور من دون مشروع سياسي وطني، وأجندة ديمقراطية وطنية، ومن دون ديمقراطيين ينتظمون لطرح مشروعهم الديمقراطي وتصورهم لمستقبل كل بلد.

والقول بضرورة طرح البرامج الديمقراطيّة من خلال «أجندة قومية وطنية، لا من خلال أجندة تدخّل استعماري عسكري»، يملك أنصاراً كثر بين أوساط الديمقراطيين والقوميين والإسلاميين العرب. وبالتالي ليس على الديمقراطيين الانتظار بأن تقوم نظريّات الانتقال إلى الديمقراطيّة بعملهم، بل لا بد من تنظيم الجهود وطرح البرامج والأجندات للوصول إلى الحل المأمول.

والأحرى بالقوميين أن يعوا ضرورة طرح برامج ديمقراطيّة، وعدم انتظار الوحدة العربية على طريقة «غودو» بيكيت، والكف عن الدفاع عن الأنظمة التسلطية التي تمتطي حصان القومية، وتمارس أبشع الممارسات القطرية والانعزالية، وتنهج نهج الإقصاء والتهميش لكل صاحب رأي مختلف. لذا يحذر عزمي بشارة من الاعتماد على تحوّل ديمقراطي من دون ديمقراطيين ومن دون عمل ديمقراطي، ومن دون حاجة لأن ينظم الديمقراطيين أنفسهم.

ذلك أن امتحان القوى الديمقراطية هو في تنظيم نفسها وطرح برنامج ديمقراطي لإدارة البلد الذي يعيشون فيه، من دون التخلي عن الأجندات الوطنية؛ ويُفند مقولة إنّ الخيار هو بين قبول الاستبداد الداخلي والاستقواء بالتدخل الخارجي، ويعتبرها خياراتٍ وهمية لا تؤدي إلى ديمقراطية كما تثبت التجربة.

وبغية طرح الخيار الصحيح، فإنه يتعين رؤية المسألة القومية والخصوصية العربية ووضع الأجندة الديمقراطية، وكذلك دراسة عوائق الديمقراطية العربية، التي عليها أن تندرج ضمن إطار فهم المسألة العربية، من جهة أن دراسة هذه العوامل بشكل منفصل عن بعضها لا تجدي أية فائدة تفسيرية، فالعشيرة وحدها والاقتصاد الريعي وحده والثقافة بحد ذاتها لا تشكل خصوصية عربية ولا تمنع بحد ذاتها التحول الديمقراطي.

ويميز عزمي بشارة ما بين نشوء الديمقراطية وبين إعادة إنتاج ذاتها، إذ أن عملية إنتاجها التاريخية كتوليد لظاهرة اجتماعية ما زالت تعتمد في وجودها على عوامل نشوئها التاريخية السابقة لها، فيما تتجلى عملية إعادة إنتاج الظاهرة الاجتماعية كظاهرة نشأت وباتت مستقلة ذات حدود.

وعلى خلفية هذا التمييز يمكن للنظام الديمقراطي إعادة إنتاج ذاته من دون ديمقراطيين، نظراً لأن الديمقراطية في مرحلة إعادة الإنتاج تصمد وتتطور بغض النظر عن الشخوص التي تدير دفة الحكم، فقواعد وأسس الحكم قد أرسيت ونشأ لها حراس في القضاء والصحافة والأكاديميات، ولكن لا يمكن تأسيس نظام ديمقراطي في مرحلتنا التاريخية المعاصرة من دون ديمقراطيين.

وتبدو عملية الانتقال الديمقراطي في البلدان العربية عملية مضاعفة، بمعنى أنها يجب أن تتم دفعة واحدة، بعكس التجربة الغربية التي جرت فيها العملية بوصفها تطورا طبيعياً لشكل السلطة ينسجم مع اقتصاد السوق، الأمر الذي يعني أن التعقيدات في البلدان العربية تتطلب حجما مضاعفا لدور الديمقراطيين الذاتي، بغية التعويض عن فقدان الظروف الموضوعية والمقومات البنيوية الاقتصادية.

غير أن القوميين «الأشاوس» فهموا القومية العربية فهماً قسرياً، إلحاقياً، يعتمد اللغة كأساس جوهري لانتماء الجماعة القومية، وبالتالي لم يؤقلموا مفهوم القومية حسب التربة العربية وتعيّناتها وناسها في كل بلد عربي، بل لجأ المنظرون منهم إلى التحليق اللغوي الميتافيزيقي، الناكر للتاريخ، والكاره لقيم المواطنة والديمقراطية والحريات، ففشلت كل الدعاوى مع فقدان الفضاء الديمقراطي والممارسة الديمقراطية.

وكان الأمل معقوداً على قومية سياسية منفتحة متسامحة، تنضوي في ظلها مختلف الحساسيات والقوى والفعاليات التي تنهل من الثقافة العربية، وتلك التي عاشت وتشربت هذه الثقافة، بصرف النظر عن أصلها السلالي، وذلك كي تغدو صمام أمان وملجأ لكل الناس في البلد الواحد، ورافعة للانتماء الوطني، وقوة قادرة على الوقوف بوجه أية حساسية عنصرية أو تميزية.

وعليه فإن الحاجة مازالت ماثلة لإيجاد حلّ في الوعي السياسي والفعل السياسي في كل بلد عربي، والنظر في تكامل، لا في تناقض، الهويّتين الوطنية والقومية، «وبينهما وبين البعد الإسلامي في الهوية»، وهنا تأتي ضرورة «إقامة دولة مواطنية في الدول العربية»، مع التأكيد على أن إقامة دول مواطنين تجد متحققها من خلال الاعتراف بهوية قومية عربية، وفي الوقت نفسه الاعتراف بقومية الأقليات غير العربية، وبمواطنة يتساوى فيها الجميع في دولة القانون في الحقوق والواجبات.

ويكشف واقع الحال العربي أن الدولة القطرية في نسختها الاستبدادية والشمولية لم تبنِ أمة مواطنين، ولم تنشئ قومية بديلة، بل كان البديل هو تنمية وتقوية الطوائف والعشائر والنعرات الجهوية. فيما تعتبر القومية العربية هوية حداثية للأغلبية وكشرعية مجتمعية تسمح بالتعددية السياسية في داخلها، بوصفها عاملا مساعدًا في بناء الدولة الديمقراطية، بمعنى أن القومية تنفي ذاتها في الأمة كجماعة المواطنين.

وعليه فإن عدم حلّ المسألة القومية، ولو على مستوى الوعي، والعمل ديمقراطيًا في تعارض معها جعل الدول العربية تستند إلى الاستبداد، وأفضى ذلك إلى ارتداد المجتمع إلى مجتمع طائفي وعشائري سياسيا وليس اجتماعيا فقط. مع أن الطاقة السياسية الكامنة في الثقافة العربية تشكل لاصقا شرعيا لمجتمع يسمح بالتعددية السياسية، وليس تعددية الانتماءات والهويات فحسب، ثم تتوسع في عملية بناء أمة المواطنين.

وعليه يعتبر بشارة العروبة ليس بوصفها سعيا للوحدة العربية وإهمالاً للقضايا الآنية لكل مجتمع، بل هي تعامل مع القضايا في كل دولة ومجتمع، كما يعتبر بناء الديمقراطية في الدول العربية خطوة جوهرية على طريق التعاون العربي الاتحادي الحقيقي، لأنه في ذلك الحين يجب أن تبنى الأمة على المواطنة، والقومية هي طريق حديثة إلى هذه الحالة الحديثة للمجتمع والدولة، وتجاهلها يقود بالاتجاه المعاكس.

إن عزمي بشارة يؤكد في أكثر من موضع على وجود استثنائية عربية وليس إسلامية، حين يتعلق الأمر بالانتقال إلى الديمقراطية، فالخصوصية هي عربية، لذلك جرى ووضع عنوان فرعي للكتاب هو «مقدمة لبيان ديمقراطي عربي». وعليه تأتي هنا ضرورة تجديد الفكر القومي ديمقراطياً، على خلفية أن القومية مفهوم حديث، والسياق الذي يعيق تشكلها عربياً، أي تحولها إلى كيان سياسي يعبر عنها، هو ذات السياق الذي يعيق تشكل أمم عربية.

الأمر الذي جعل عزمي بشارة يلخص المسألة العربية في مقولة «أن الذي يعيق تشكل الأمة العربية هو نفسه ما يعيق تحول الأقطار العربية إلى دول ديمقراطية»، ويبني عليها مقولة الفصل - النبيه والجديد - ما بين القومية والأمّة، بحيث تتحول الأمة إلى أمّة المواطنين، ضارباً عرض الحائط التطابق بين القومية والأمة الذي يتبناه القوميون العرب وخصوصاً الإيديولوجيون منهم.

غير أن معيقات التحوّل الديمقراطي لا تشكّل خصوصية عربية، وهي لذلك لا تُفهم لوحدها، من جهة أن المطلوب هو شرحها وتبيان أهميتها كعوائق، وتوضيح القصور الناتج عن فهم دورها في المسألة العربية، والتي نجدها في الدولة الريعية، والعشيرة، والثقافة السياسية السائدة والإيديولوجيا القومية وغيرها، وهي معوقات باتت تشكل أكثر من إعاقات للتحوّل الديمقراطي، كونها تحولت إلى عناصر مدمرة في عملية انحلال مجتمعي.

أعتقد أن النظر إلى الكتاب بوصفه مساهمة في تحليل المسألة العربية المفتوحة، يفتح باب تطوير الفكر الديمقراطي والنظرية الديمقراطية من خلال دراسة الحالة العربية، وتطوير الفكر العربي من خلال دراسة نظرية الديمقراطية وتاريخها، ثم تطبيقها في السِّياق العربي. وهو أمر يفتح بدوره باب النقاش النقدي مجدداً حول الديمقراطية والقومية والمواطنة، بوصفها قضايا واستحقاقات تنتظر حلاً في الحالة العربية، التي يكشف واقعها الراهن عجزها، وعجز قوى الممانعة المنحازة إلى الاستبداد المقيم في بلداننا العربية.

عمر كوش

*الكتاب: في المسألة العربية: مقدمة لبيان عربي ديمقراطي

*الناشر:مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت 2007

*الصفحات:271 صفحة من القطع الكبير