«إن لم يكن الشخص موهوباً بما يكفي ليكون روائياً، ولا يملك القدر المطلوب من الذكاء ليكون محامياً، ويداه ترتجفان عند القيام بالعمليات، حينها يغدو صحافياً» ذلك القول يعكس الطبيعة المشاكسة للروائي الأميركي والكاتب المسرحي ومؤسس نهج الصحافة الجديدة والمخرج السينمائي وكاتب السيناريو نورمان ميلر الذي توفي مؤخراً في 10 نوفمبر 2007 .
بعدما قضى ما يقارب من ستة عقود من حياته في تحد مستمر لقدراته الفكرية والإبداعية على الصعيد الداخلي وسياسات واقتصاد وأفكار المجتمع الأميركي على الصعيد الخارجي. يعتبر ميلر الذي ولد في 31 يناير 1923 في نيوجرسي من أعلام الأدب الأميركي فهو من كتب أهم وأعظم رواية عن الحرب العالمية الثانية حينما كان في الخامسة والعشرين من عمره فقط، حيث أدهش النقاد والأدباء والقراء على حد سواء بعمق رؤيته وتحليله ونفاذ بصيرته وأسلوبه السردي العفوي الطبيعي المتدفق بتواتر لا يهدأ أو ينضب. كما يعد من مؤسسي الأدب الواقعي الإبداعي الذي يسميه البعض أحيانا الصحافة الحديثة، التي تجمع ما بين المقالة والرواية الواقعية.
درس ميلر علوم الهندسة في جامعة هارفارد وتخرج عام 1943، ليتم سحبه إلى الحرب العالمية الثانية حيث خدم في الفيليبين. بعد انتهاء الحرب وقبل البدء بدراسته في جامعة السوربون عام 1948 في باريس نشر كتابه الذي حقق له فور صدور شهرة عالمية واسعة، وهو رواية «العراة والأموات» المستوحاة من تجربته الشخصية خلال الحرب.
ولم تحظ الأعمال الروائية التي كتبها بعد استقراره في هوليوود، مثل «الشاطئ البربري» عام 1951 و«حديقة الآيل» عام 1955 وإن استقطبت مقالاته الانتباه التي تنتقد السياسة الأميركية والمجتمع. كما أصدر مع صديقين له المطبوعة الأسبوعية «صوت القرية» الشاملة للفنون، وذلك بالإضافة إلى كتابة سيناريوهات الأفلام.
وفي الخمسينات، يستعيد ميلر نجوميته بالتدريج من خلال أعماله الصحفية مثل «دعاية لنفسي» و«الزنجي الأبيض» وغيرها حتى يستعيد تتألق شهرته مع نشره لروايته الواقعية الأولى من نوعها «جيوش الظلام» عام 1968 التي فاز من خلالها بجائزة بوليتزر للأدب الواقعي، ويفوز بها مرة ثانية عن روايته «أغنية الجلاد».
وفي ذات الإطار كتب عمله الثاني «ميامي وحصار شيكاغو» ومن ثم «حريق على القمر» عام 1970 وغيرها العديد حتى آخر عمل له «قصر في الغابة» الذي تناول فيه مرحلة شباب أدولف هتلر واسرته، من ناحية ميتافيزيقية وسايكولوجية.
عاش ميلر الحياة بحلوها ومرها ولم يساوم على الحقيقة كأي فنان مبدع، وتزوج ست مرات وأنجب تسعة أبناء منهم الممثلون والمنتجون، كما اهتم بمختلف القضايا الأميركية ، كالجيش والسياسة والمرأة، وغزو الفضاء..الخ وسبق له أن قاد مظاهرات ضد الحرب في فيتنام ورشح نفسه لرئاسة بلدية نيويورك واختير رئيسا لنادي الأدب الأميركي من عام 1984 إلى 1986.
بنى نورمان ميلر أحداث روايته «العراة والأموات» على خلفية الحرب والسلم، حيث ينتقل بالسرد ما بين المعركة في جزيرة في المحيط الهاديء، وحياة رجال الفرقة العسكرية قبل الحرب والأشخاص المرتبطين بهم الذين تركوهم في الوطن، وبذا يتمكن القاريء من رصد تحول حياة رجال الفرقة. ويستعرض من خلال الشخصيات الرئيسية المعنية بالصراع، الدوافع الداخلية وتطورها وبالتالي بناء الحبكة وتصاعدها.
كما كرس ميلر الطبيعة كجزء من الصراع الذي تواجهه الفرقة حيث ينهزم القائد كروفت بكامل سلطته وإرادته أمام جبل أناكا، حيث يجبر على التراجع مع فرقته أمام هجوم وعقصات الدبابير التي اقتربوا من عشها، وذلك بعدما هدد بقتل عدد من الجنود عجزوا عن متابعة التسلق. وكذلك الأمر في الأدغال حيث قاسى الجميع من الرطوبة والحرارة.
كما يصور الضحية والجلاد، ويمثل الجلاد الجنرال كامينغز الفاشي بأفكاره الذي يؤمن بأن تحطيم روح رجاله وبث الخوف في قلوبهم ممن هم أعلى سلطة منهم كفيل بتشكيل أفضل جيش. وكروفت قائد الفرقة الذي لا يشعر بالأمان مثل الجنرال إلا بامتلاكه السلطة الكاملة على من هم تحت أمرته، ونتيجة لذلك يقع مؤتمريهم ضحية لهم مع موت البعض منهم.
ويجسد ميلر من خلال هذا النموذج الاضطهاد الذي يتعرض له الشعب في المجتمع الأميركي. وفي سياق هذا الصراع الداخلي والخارجي فإن الشجاعة لدى الرجال تنحصر في الحفاظ على الكرامة الشخصية.
أما قتل العدو، فكان يظهر الوحشية الحيوانية والسادية الكامنة في البعض مثل كروفت الذي تلاعب بحياة أحد الجنود اليابانيين الجرحى ليقتله بعد أن منحه الأمل في الحياة، والذي لم يتردد في سحق طائر جريح بيده بعدما عثر عليه أحد الجنود، ناهيك عن مؤامرته على هيرن الشاب المساعد للجنرال الذي تخرج من هارفارد ويشعر بالاستعلاء على المجموعة.
وعلى الرغم من أن هيرن كان عادلاً ومنصفاً مع جنود الفرقة إلا أنه كان يحترم النفوذ والقوة المتمثلة في الجنرال. ونظرا لتجاوز هيرن مكانته مع الجنرال فقد عمد الأخير إلى إهانته وإرساله في مهمة مع الفرقة.
هذه المهمة أزعجت كروفت وهددت سلطته الكاملة على فرقته، وتمثلت المؤامرة في إرساله لكشاف الفرقة مارتينيز لاستطلاع الممر الأمامي. يعود مارتينيز ليخبر كروفت بتواجد مراكز للعدو فيه، فيعمد الأخير إلى إفادة هيرن بأن الطريق آمنة وبهذا يتقدم مع الفرقة ليقتل من دون فرصة الدفاع عن النفس أو الحماية.
وخلال صعود الجبل تبرز شجاعة بعض الرجال مثل ريدج وغولدشتين، في حين يقرر كل من ستانلي وبروان البقاء مع زميلهم المصاب ويلسون والعودة به عبر الأدغال إلى المعسكر قرب الشاطيء. ونظرا لمغادرة الجنرال إلى القواعد الرئيسية يتولى دالسون قيادة اقتحام الجزيرة، وتنجح القرارات التي اتخذها مع قليل من الحظ في الانتصار على الأعداء.
وفي النهاية يكتشفون بعد عودتهم، بأن انتصارهم لا بطولة فيه لكون اليابانيين في الجزيرة كانوا بلا ذخيرة أو طعام ولم يكن باستطاعتهم الصمود أمامهم. وتنتهي الرواية بتساؤل دالسون عن مصداقية الفخر الذي سيشعر به حينما ستدرس خططه الحربية في المدارس مستقبلا.