هذا الكتاب من تأليف السيدة حنّة فوكس والسيدة روث بريغوزي المختصتين بالثقافة الأميركية المعاصرة وأعلام الأدب والفن. وهما تقدمان هنا صورة حية عن واحد من أكبر المطربين في تاريخ أميركا الحديث، فرانك سيناترا. وقد كان صديقا لجون كندي وبعض الرؤساء والشخصيات الكبرى الأخرى. فمن هو فرانك سيناترا يا تُرى؟

على هذا السؤال تجيب المؤلفتان قائلتين: لم يكن مطربا عظيما فقط وإنما كان أيضا ممثلا كبيرا وموسيقارا بارعا في فن الجاز بل ومايسترو الحفلات الموسيقية. كان فنانا بكل ما للكلمة من معنى، وبحّة صوته الساخنة أو الدافئة لا تنسى. ولد فرانك سيناترا في نيو جيرسي عام 1915 ومات في لوس انجلوس عام 1998 عن عمر يناهز الثالثة والثمانين عاما. وما بينهما كان مالئا للدنيا وشاغلا للناس. والواقع أنه ولد في عائلة إيطالية فقيرة مهاجرة إلى أميركا طلبا للرزق كما كان يفعل الكثيرون في ذلك الزمان.

وقد تجاوزت شهرته الولايات المتحدة لكي تصل إلى أرجاء العالم كله وتطبق الآفاق. فمن لا يعرف فرانك سيناترا في أوروبا، أو العالم العربي، أو أميركا اللاتينية، أو روسيا، أو حتى اليابان، والهند، والسند؟ هذا وقد حظي فرانك سيناترا بشعبية قلّ نظيرها على مدار ستين سنة من العمل كمطرب وممثل وكموسيقار لا يشق له غبار. وكان يسيطر على الموسيقى الأميركية بكل تمكن واقتدار وكأنه زعيمها الأوحد. بالإضافة إلى ذلك كان يتمتع بشخصية آسرة جذبت إليه أجمل السيدات والممثلات.

ولكن إحداهن حرقت قلبه وهي الحسناء والرائعة والممثلة الشهيرة آفا غاردنر. فقد كانت زوجته ومعها عاش أجمل سنوات العمر. ولكنها تركته في يوم من الأيام بعد أن كان لا يزال مغرما بها. وقد حاول المستحيل لإعادتها إليه ولكن عبثا. وأرسل بها كل أنواع الهدايا وذاق الذل حتى الثمالة ولكن دون نتيجة. وعندئذ كتب لها هذه القصيدة التي تحولت إلى أغنية شجية لا تنسى، وفيها يقول:

الليلة حزينة

النجوم فقدت ألقها

والرياح أصبحت صقيعية

فجأة تشعر بأنك شخت كثيرا...

وكل هذا بسبب امرأة هجرتك...

وتقول المؤلفتان بأنه لولا قصة حبه الكبير والخائب مع آفا غاردنر لما استطاع فرانك سيناترا أن يغني أجمل أغاني الحب التي نعرفها. فالفراق هو الذي أشعل العاطفة في جوانحه والهجران هو الذي ألهب نار العبقرية في داخله. وكل شيء له ثمن. كان ذلك في الخمسينات من القرن الماضي وكان فرانك سيناترا في عز الشباب.

لقد ترك هذا الحب في قلبه جرحا لا يندمل على الرغم من كل السيدات الجميلات اللواتي سيتعرف عليهن لاحقا ويملأن حياته. فقد كان نجما كبيرا في سماء السينما الأميركية والأغنية الأميركية، وكانت النساء تترامى في أحضانه كما يشاء ويشتهي. وقد أحب أكثر من مرة وتزوج أيضا مرات.

لقد استطاع فرانك سيناترا أن يصل إلى قمة المجد على الرغم من أنه ولد في عائلة إيطالية فقيرة ولم يكن أحد يتوقع له مستقبلا باسما على الإطلاق. أكثر ما كانت العائلة تحلم به لابنها هي أن يصبح عاملا أو موظفا لكي يكسب لهم بعض النقود في آخر كل شهر. فإذا به يصبح أشهر فنان في أميركا وتصبح جيوبه مليئة بملايين الدولارات.

وقد ابتدأ مهنة الغناء صدفة في الثلاثينات من القرن الماضي عندما أخذ الميكرفون يدخل في الاستعمال ويساعد المطربين على إيصال صوتهم إلى الجماهير المحتشدة. وقد شكل ذلك ثورة حقيقية آنذاك، ففي السابق كان المطرب مضطرا لأن يغني بأعلى صوته لكي يسمع الناس في آخر القاعة الأغنية. أما الآن فلم يعد بحاجة لأن يبذل أي جهد لإيصال هذا الصوت الجميل إلى الجميع.

ولكن في بداية الخمسينات شهدت مهنته الغنائية بعض الصعوبات وانحدرت أكثر من اللازم عن السابق. وهناك عدة أسباب لذلك من بينها إغراقه في تعاطي المخدرات وصعوبات حياته العائلية أو العاطفية. وعرف عندئذ أن يوقف الغناء لفترة لكي يتفرغ للسينما والأفلام. وكان هذا قرارا ذكيا جدا منه لأنه لو عاند وواصل مهنة الغناء لمني بالفشل الذريع. كان ينبغي عليه أن ينسى الطرب ولو لفترة وأن يجرب فنا آخر قد يبدع فيه. وهذا ما كان.

فقد تحول إلى نجم سينمائي بقدر ما كان نجما غنائيا ومطربا عظيما. بل ونال أعلى جائزة سينمائية ألا وهي الاوسكار عام 1953 على فيلمه: من هنا وحتى الأبدية، أو من الآن وحتى الأبدية. ثم واصل تمثيل الأفلام الواحد بعد الآخر حتى نال شهرة واسعة في مجال السينما. ثم تردف المؤلفتان قائلتين: وفي عام 1966 يصدر فرانك سيناترا أجمل ألبوم أو شريط غنائي وموسيقي له.

وكان بعنوان: غرباء في الليل. ويقال إنه بيع في كل أنحاء العالم بملايين النسخ. وفيه وصل بالإبداع الغنائي والموسيقي إلى الذروة التي لا ذروة بعدها. واستطاع أن يحظى بإعجاب الشباب الصاعد مثلما أعجب أباءهم من قبل. وكان قد وصل إلى الخمسين من عمره وأصبح في قمة مجده وعبقريته.

وكان ينبغي أن يتقاعد بعد أن حقق كل أمانيه ووصل إلى القمة التي لا قمة بعدها. نقول ذلك وبخاصة أن ثروته الطائلة كانت تكفيه لكي يعيش حياة الملوك. ولكنه لم يتقاعد بل وراح يفاجئ الناس بإبداع جديد من خلال شريطه المشهور: نيويورك، نيويورك (1977). وكان قد تجاوز عندئذ الستين من عمره، بل وحتى في عام 1993، أي في الثامنة والسبعين، استطاع أن يفاجئ الناس بأغنيات رائعة حققت أكبر انتشار في شتى أنحاء العالم.

ثم مات بعد خمس سنوات من ذلك التاريخ بأزمة قلبية بعد أن عاش حياة مليئة على كافة الأصعدة والمستويات من عاطفية وفنية وإنسانية. ولكن كانت له بعض النواقص أو نقاط الظل التي لا يعرفها أحد. ونقصد بذلك علاقته مع المافيا. فبما أنه إيطالي الأصل وبما أن المافيا انتقلت إلى أميركا أيضا من صقلية فإن العلاقات بين الطرفين حصلت بشكل شبه طبيعي تقريبا.

وقد عابوا عليه كثيرا فيما بعد هذا الجانب من حياته الشخصية. فما كان ينبغي على فنان كبير في حجمه وموهبته أن يتورط مع منظمة إرهابية مرعبة كالمافيا الأميركية أو الإيطالية. ولكن ربما كان مجبرا على ذلك بسبب هيمنة المافيا على أوساط الفن والسياسية في نيويورك. ربما ساعدوه في البداية على الصعود نحو القمة ثم لم يستطع التخلص من براثنهم لاحقا... والله أعلم.

مهما يكن من أمر فإن عائلة فرانك سيناترا بمن فيهم أعمامهم بل وحتى والده ووالدته كانوا يترددون كثيرا على أوساط مشبوهة، أو قل كانوا يمارسون أعمالا غير قانونية لكي يكسبوا رزقهم كالعديد من المهاجرين الجدد إلى الولايات المتحدة الأميركية. وكثيرا ما استجوبهم البوليس أو حتى سجنهم لفترة من الزمن.

*الكتاب: فرانك سيناترا - الرجل، والموسيقى، والأسطورة

*الناشر:مطبوعات جامعة روشسيستر 2007

*الصفحات :165 صفحة من القطع الكبير

Frank Sinatra : the man, the music, the legend

Jeanne Fuchs and Ruth Prigozy

University of Rochester Press2007

P.165