مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور هاينز هالم أحد كبار الاختصاصيين في التاريخ العربي الإسلامي. وهو يقدم هنا للجمهور الغربي لمحة مختصرة عن ألفي سنة من التاريخ العربي، أي منذ الجاهلية وحتى اليوم مرورا بالعهد الإسلامي بطبيعة الحال. ويرى المؤلف أن هناك أحكاما سلبية مسبقة عن العرب والإسلام في الغرب. هناك كليشيهات خاطئة ولكنها شائعة منذ العصور الوسطى.
فالجمهور الغربي يعتقد أن العربي شخص فظ الطباع، همجي، مضاد للحضارة، وفي ذات الوقت يعتقد أن الإسلام هو دين التعصب والعنف والإرهاب. وعلى هذا النحو تشوهت صورة العرب والإسلام بدون حق. فالواقع أن العرب شعب عريق في التاريخ وذو إسهام كبير في الحضارة الإنسانية، فهم الذين قدموا للبشرية واحدا من أكبر الأديان وأعظمها. وفيهم ظهر النبي محمد (ص) الذي غير وجه التاريخ وقلب الإمبراطوريات الكبرى التي كانت سائدة آنذاك وبخاصة إمبراطورية الفرس، والإمبراطورية البيزنطية. ثم يضيف المؤلف قائلا: إن تاريخ العرب يمتد على مدار ألفين وخمسمئة سنة، فهم شعب ظهر في التاريخ قبل ميلاد المسيح بخمسمئة سنة على الأقل، وهم الشعب الذي يتكلم العربية ويسكن شبه الجزيرة العربية.
ولكنهم كثيرا ما كانوا يتغلغلون في البلدان المجاورة، أي سوريا وفلسطين ووادي الرافدين، أي ما يدعى بالهلال الخصيب. وكان ذلك قبل ظهور الإسلام بوقت طويل وبالتالي فلا ينبغي أن نتوهم أنه لا وجود للعرب هناك إلا بعد الفتوحات الإسلامية. هذه فكرة خاطئة من أساسها. فالكثير من العرب استقروا في تلك المناطق المخضوضرة الخصبة قبل الإسلام بألف سنة على الأقل. وقد اختلطوا بالسكان الأصليين وانصهروا معهم. ولذلك فعندما حصلت الفتوحات العربية الإسلامية فإنهم استقبلوا الفاتحين بالأحضان لأنهم عرب مثلهم. وعلى الرغم من أنهم كانوا مسيحيين في معظمهم إلا أنهم اعتنقوا الدين الجديد بسرعة لكي يتخلصوا من حكم بيزنطة الحاقد عليهم.
وبعد الإسلام استطاع العرب أن يصلوا إلى أقاصي الأرض شرقا وغربا في سنوات معدودات. ولا تزال الفتوحات العربية الإسلامية تدهش المؤرخين حتى الآن بضخامتها. فقد اكتسح الإسلام في ظرف عشرين أو ثلاثين سنة كل المشرق حتى بلاد فارس وما وراءها، وكل المغرب حتى الأندلس وما وراءها.
فمثلا نلاحظ أن العرب أكملوا فتح بلاد المغرب بعد وفاة الرسول (ص) بسبعين سنة فقط. وكانوا قد ابتدأوا هذا الفتح بعد خمسة عشر عاما فقط. وهذا شيء لا يكاد يصدق لأن بلاد المغرب كانت بعيدة جدا عن شبه الجزيرة العربية، ولم تكن وسائل النقل آنذاك سريعة أو متيسرة بسهولة. وبعد وفاة الرسول بمئة سنة فقط كان العرب قد وصلوا إلى جنوب فرنسا حيث جرت معركة بواتييه الشهيرة عام 732م.
ويرى المؤلف أن العرب أسسوا واحدة من أجمل الحضارات إن لم يكن أجملها وأعظمها في العصور القديمة. وقد استفادت أوروبا منهم كثيرا طيلة قرون وقرون. ومعلوم أن العلم العربي انتقل إلى كل أنحاء أوروبا بدءاً من الأندلس التي فتحها العرب ومكثوا فيها لمدة ثمانية قرون. وعندئذ كانت الحضارة العربية الإسلامية تشع على العالم كله من هناك وبالأخص من قرطبة.
فهذه المدينة كانت أكبر عواصم الغرب آنذاك، ولم تكن باريس أو لندن شيئا يذكر بالنسبة لها.
ولكن الحضارة العربية الإسلامية كانت قد بلغت ذروتها في بغداد العباسية قبل قرطبة الأندلسية. فبغداد كانت عاصمة الدنيا طيلة ثلاثة أو أربعة قرون. وفي زمن الرشيد والمأمون كانت المنارة الحضارية لكل الأرض المعمورة. وهي التي أنقذت التراث الفلسفي والعلمي الإغريقي من الضياع والاندثار، وكل علماء الأرض آنذاك كانوا إما عربا وإما مسلمين وإما الاثنين معا.
وبعد انهيار الحضارة العباسية انتقل المشعل الإبداعي إلى الأندلس كما ذكرنا. ولكن لا ينبغي أن ننسى أيضاً الدول الذي لعبته مصر الفاطمية. فهي أيضاً ساهمت في الإبداع الفلسفي والعلمي والمعماري العظيم. وأكبر دليل على ذلك الجامع الأزهر الذي لا يزال عرين الإسلام وجامعته الكبرى حتى الآن. وفي القاهرة الفاطمية انتعشت دور الفكر والترجمة والبحث الفلسفي والعلمي مثل بغداد قبلها.
ولكن بعد أن ماتت الفلسفة في المشرق انتقلت إلى المغرب وبخاصة الأندلس حيث أكمل العرب المسيرة. وظلت الحضارة العربية الإسلامية مزدهرة ومتألقة حتى موت ابن رشد عام 1198 أي في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي. بعدئذ دخل العرب في عصور الانحطاط الطويلة.
ويرى المؤلف أن موجة التعريب الكبرى لم تكتسح منطقة الهلال الخصيب إلا بعد الإسلام. صحيح أن الأقلية العربية كانت موجودة هناك قبل الفتوحات كما ذكرنا، ولكن معظم السكان كانوا يتحدثون لغات أخرى غير العربية كالآرامية والسريانية والفارسية. أما بعد الإسلام فقد انقلبت الآية. فالجميع راحوا يتسابقون على تعلم العربية، لغة الدين الجديد والفاتحين المنتصرين. وعلى هذا النحو تعرّبت سوريا وفلسطين ومصر والعراق وحتى بلاد فارس.
على هذا النحو أيضاً تعربت بلاد المغرب العربي الكبير التي كانت بربرية في معظمها. بل إن بعض مناطقها ظلت ناطقة بالبربرية وجاهلة بالعربية حتى أمد قريب. وبالتالي فالفضل في التعريب أو الانتشار الكبير للغة العربية يعود بدون شك إلى الإسلام. لولاه لما كانت العربية قد أصبحت لغة إمبراطورية مترامية الأطراف تمتد من اسبانيا غربا وحتى بلاد الهند والسند شرقا.
ويرى المؤلف أن اللغة الغربية كانت لغة العلم والحضارة طيلة عشرة قرون تقريبا. وكان الجميع مضطرين لتعلمها من أجل الدخول في عالم الحضارة والثقافة والتمدن والرقي. وللأسف فإن الغربيين يجهلون أن العربية كانت لغة شعر ونثر وعلم وفلسفة وليس فقط لغة فقه ودين على أهمية ذلك.
والشيء اللافت للانتباه هو أن العربية هي اللغة الوحيدة التي استمرت على صيغتها الحالية طيلة ألف وخمسمئة سنة. فالفرنسية الحديثة مثلا تعود إلى القرن السادس عشر، والفرنسي المعاصر لا يستطيع أن يقرأ بها ما قبل هذا التاريخ. بل إن بعض نصوص القرن السادس عشر تصعب عليه قراءتها لأن القواعد تغيرت وكذلك شكل الحروف والكلمات وطريقة كتابتها. أما العربي فيستطيع أن يقرأ النصوص العربية التي كتبت قبل ألف وخمسمئة سنة وكأنها كتبت البارحة. وأكبر دليل على ذلك القرآن الكريم نفسه.
هذا لا يعني بالطبع أن العربية لم تتغير ولم تتطور، ولكنها تطورت وتغيرت من خلال التواصلية والاستمرارية على عكس اللغات الأوروبية التي قطعت كليا مع اللغة الأم، أي اللاتينية. فمن يفهم اللاتينية اليوم في أوروبا؟ فقط بعض الاختصاصيين. أما العربية فيفهمها كل الناس. ولم تصبح لحسن الحظ لغة ميتة كاللاتينية أو الإغريقية القديمة: أي لغة هوميروس وأرسطو وأفلاطون.
هنا يكمن حظ العرب والعربية التي تحتل مكانة استثنائية في التاريخ. وعلى أي حال فإن العرب الذين أثبتوا مقدرتهم على صنع الحضارات في الماضي قادرون على إثبات هذه المقدرة مرة ثانية في المستقبل.
*الكتاب: العرب.. تاريخ مختصر
*الناشر: ماركوس واينر للنشر - نيويورك 2007
*الصفحات:186 صفحة من القطع الكبير
The Arabs: a short history
Heinz Halm
Markus Wiener Pub- N.Y.2007
P.186