ديدييه بيليون، دكتور في العلوم السياسية، والمدير المساعد لمركز العلاقات الدولية والإستراتيجية في باريس، أحد أهم الأخصائيين الأوروبيين بالشأن التركي، له العديد من المؤلفات حول تركيا المعاصرة. (وهو احد كتّاب صفحة الرأي في صحيفة «البيان»). هذا الكتاب «الرهان التركي» يعالج بعمق مسألة اندماج، أو عدم اندماج تركيا في الاتحاد الأوروبي، ويؤكد أن المسألة، في الحالتين، هي ذات أهمية حاسمة وخيار مستقبلي.
ويؤكد المؤلف منذ البداية وجود تيار أوروبي يعارض بعمق انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. وينقل في هذا الصدد عن فاليري جيسكار ديستان رئيس الجمهورية الفرنسي الأسبق والذي كان قد أشرف على صياغة مشروع الاتفاقية الدستور «الدستور الأوروبي» وإنما لم يحظ بموافقة الفرنسيين ومن بعدهم الهولنديون في استفتاءين عامين، قوله: «إن تركيا بلد قريب من أوروبا ولكنها ليست بلدا أوروبيا». ثم أضاف معلقا على احتمال انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي: «رأيي أن هذا الانضمام يعني نهاية الاتحاد الأوروبي».
وإذا كان مؤلف هذا الكتاب يؤكّد أن انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي سوف يطرح مشاكل كبيرة موضوعية فإنه يعلن بالمقابل عن قناعته أنه باستطاعة الاتحاد التصدّي لهذه المشاكل وإيجاد حلول لها وتجاوزها «شريطة امتلاك مشروع حقيقي ومنظورات ملموسة». وبكل الحالات يرى أن «الرهان الحقيقي» يكمن في تقدير إذا كان انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي سوف يشكل «خطرا» على مسيرة الاتحاد الأوروبي أو أنه يشكّل «حظّا» بدفع هذه المسيرة «خطوة نوعية» إيجابية.
ولا يختلف اثنان اليوم على أن المشروع الأوروبي يعاني من التلكؤ في مسيرته، وأن هناك أزمة عميقة تعيق تقدمه. وهكذا جرى إقحام الملف التركي لأسباب داخلية، في هذا البلد الأوروبي أو ذاك. ولكن جرى استخدام عناوين عريضة باسم التاريخ والجغرافيا والثقافية والدين والديموغرافيا والسياسة وحقوق الإنسان وأشياء أخرى كثيرة.
ومقابل هذا كله لا يتردد المؤلف في القول: «علينا أن لا نزدري أحدا. فإذا كنا لا نتقاسم مع الأتراك العديد من الأمور فإنهم جديرون بالاستماع إليهم والنقاش معهم. وهناك على الأقل مفارقة إذ في عصر الإعلام المفتوح والمعلوم تبقى تركيا بلدا مجهولا إلى حد كبير ويقال عنها الكثير من الأخطاء والتهويمات».
تتوزع مواد هذا الكتاب بين أربعة أقسام رئيسية يخص الأول التساؤل حول مدى مصداقية أشكال النقد الموجهة حيال ترشيح تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي؟ ويحمل القسم الثاني عنوان: «تركيا الجمهورية كبناء ديمقراطي وأوروبي». وموضوع القسم الثالث هو: تحولات وتحديات المجتمع التركي، و«شريك إستراتيجي لا يمكن تعويضه»، هذا عنوان القسم الرابع.
فما هي الحجج التي يستخدمها مناهضو انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي وما مدى مصداقيتها؟
يذكر المؤلف أولا «الحجة الجغرافية»، على أساس أن تركيا ليست أوروبية إذ إن 3 بالمئة من مساحتها فقط يوجد في «القارة القديمة» وعاصمتها موجودة في آسيا و95 بالمئة من سكانها يعيشون خارج أوروبا.
وهذا ما يرد عليه المؤلف بالقول إنه «من المفارقة ملاحظة أنهم لم يكلّفوا أنفسهم في أية لحظة عناء الرجوع إلى أية هيئة علمية كانت قد قررت ذات يوم أن حدود أوروبا، تصل إلى حدود بيزنطة فقط. إنهم لم يفعلوا ذلك. ان مثل تلك الهيئة ومثل ذلك القرار لم يكن لهما أي وجود أبدا». ثم إن الجغرافيا نفسها ليست «علما صرفا يسمح بصرامة قاطعة». وبالاعتماد على عدد من الهيئات والمرجعيات الجغرافية يتم التأكيد على أن أوروبا هي «قارة ذات جغرافية متغيرة» إلى حد أنه يمكنها أن تقبل تركيا بداخلها.
وإلى جانب عدم مصداقية الحجة الجغرافية يؤكد المؤلف على الجهل الكبير بالتاريخ والثقافية التركيين، لاسيما من حيث ارتباطهما الوثيق بالمحيط التاريخي والثقافي الأوروبي. لكن الكثير من معارضي مثل هذه الرؤية يرون أن ماضي تركيا يجعل منها قوة آسيوية أساسا وبالتالي لا مكان لها داخل الاتحاد الأوروبي.
وإذا كان المؤلف يؤكد أنه ليس بمقدور أحد أن ينفي واقع عودة الجذور البعيدة للشعوب التركية إلى آسيا الوسطى فالحوليات الصينية تؤكد وجودهم في الألف الثاني قبل الميلاد على الهضاب العليا في منغوليا. ولكن أصول هذا الشعب أو ذاك لا تجعله مرتبطا إلى ما لا نهاية في أصوله الأكثر بعدا.
ثم لا أحد يشك بالأصول الأوروبية للهنغاريين ـ المجريين ـ رغم أنهم سليلون مباشرون لشعوب من آسيا الوسطى. ويشير المؤلف إلى أن الدولة العثمانية التي جمعت بين العالمين الغربي والشرقي كانت ذات طبيعة كونية منذ تأسيسها.
وحجّة أخرى يقدمها معارضو دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي ومفادها أنه لا إمكانية للتوفيق بين القيم الأوروبية والقيم والمرجعيات الثقافية التركية. ويحدد المؤلف هذه المقولة أكثر عندما يكتب: «إذا أراد المرء أن يكون محددا أكثر (...) فإن المقصود هو بوضوح الإشارة إلى الدين الإسلامي، أي أنه لا إمكانية للتوفيق بين هذا المعتقد وبين القيم الأوروبية المعنيّة».
ويشير المؤلف في هذا السياق إلى أن أوروبا تعرف منذ بداية عقد الثمانينات الماضي نوعا من المشاعر العدائية حيال الإسلام، وهي مشاعر ازدادت واتسعت، على قاعدة الخوف، منذ تفجيرات 11 سبتمبر 2001.
لكن ديدييه بيليون لا يتردد في القول إن «تركيا جمهورية علمانية بلا جدال. وإذا كان وجود أغلبية سكانها من المسلمين مصدر تشكيك بعلمانيتها فإنه يمكن بشكل مشروع التساؤل حول أولوية المبدأ العلماني في فرنسا ذات الأغلبية المسيحية». ويرى أيضاً إذا كان هناك تأثير أكيد للنموذج الفرنسي على تركيا الكمالية فإنه من المؤكد أيضاً عدم إمكانية إهمال واقع التاريخ العثماني الذي تندرج الجمهورية التركية في إطاره.
ومسألة أخرى يؤكد المؤلف أنها تتردد على أذهان قسم من الرأي العام الأوروبي وتخص التطور الديموغرافي لتركيا ونتائجه الاجتماعية والسياسية على التوازنات الأوروبية. فتركيا التي تعدّ أكثر من 70 مليون نسمة يمكن أن تثقل على الميزانية الأوروبية وأن تعطّل آليات اتخاذ القرارات. ومثل هذا التوجه لابد وأن يتعاظم عندما يبلغ عدد سكانها 100 مليون في أفق عام 2015، كما تدلّ توقعات المختصّين.
ما يؤكده المؤلف هو أنه لن يكون من السهل على الاتحاد الأوروبي «امتصاص» بلد مثل تركيا بمثل هذا العدد من السكان، لاسيما أن هذا العدد قد تضاعف ثلاث مرات ما بين عام 1950 وعام 2000 بينما لم تكن الزيادة في أوروبا سوى بنسبة 30 بالمئة خلال نفس الفترة.
لكن الواقع يشير إلى أن «تباطؤا» كبيرا في نسبة الولادات إذ انتقل معدلها الوسطي من 9,6 أطفال لكل امرأة عام 1950 إلى 2,2 طفل عام 2000، أي إلى معدّل أقل من المعدّل الذي كانت تعرفه اسبانيا أثناء انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي. كذلك يرى المؤلف أنه من الضروري الخروج من التبسيط القائل إن اليد العاملة التركية يمكن أن تأخذ مكان اليد العاملة «الوطنية».
لاسيما وأن «المهاجرين» يتوجهون غالبا نحو أعمال «مختلفة» عن تلك التي يطلبها أنباء البلاد مما يقل كثيرا عن المنافسة بينهم. ويتم في نفس الإطار تحليل المسائل المتعلق بوزن تركيا في المؤسسات الأوروبية وتأثيرها على اتخاذ آليات القرار. وفي جميع الحالات يبدو أن هناك مبالغة كبيرة من قبل أعداء اندماجها في الاتحاد الأوروبي.
ويتم التأكيد في السياق نفسه على أنه لا ينبغي التقليل من الإمكانيات الاقتصادية لتركيا. وإذا كان من الصحيح القول ان المستوى الاقتصادي لهذه البلاد ليس على مستوى بلدان الاتحاد الأوروبي التي أمضت شوطا طويلا في مسيرة اندماجها. لكن هذا لا يمنع واقع القول إن مستوى تركيا هو أعلى بوضوح من المستوى الاقتصادي لبلدان «أوروبية» مثل بلغاريا أو رومانيا.
ويمكن أيضاً المقارنة بين المستوى الحالي لتركيا مع مستوى بولندا عام 1997 عندما شرعت بالمفاوضات للانتساب إلى الاتحاد الأوروبي، وهي الآن إحدى الدول الأعضاء فيه. ويركّز ديدييه بيليون في تحليلاته على القول إن الجمهورية التركية، منذ الثورة الكمالية، أصبحت ذات «طبيعة» ديمقراطية تتماشى مع البناء الأوروبي.
لكن هذا لا يمنع أنها «تتعلم بصعوبة التعددية الحزبية» لاسيما بعد القطيعة التي عرفتها سنوات الثمانينات بعد الانقلاب العسكري الذي قام به الجيش بقيادة الجنرال كمال ايفرن قبل عودته إلى ثكناته فيما بعد وترك تسيير أمور الدولة للمدنيين.
ولا يتردد المؤلف في اعتبار نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 3 نوفمبر 2002 التي «أحدثت تبدلا كبيرا في المشهد السياسي التركي وكان لها صدى ضخما على الصعيد العالمي». وذلك عندما حصل حزب رجب طيب أردوغان على ثلثي مقاعد البرلمان.
ويحدد المؤلف أكبر التحديات التي تواجهها تركيا اليوم، في «إعادة تعريف العلاقات بين الدوائر السياسية العامة والدينية». وكذلك «إعادة تعريف دور المؤسسة العسكرية». ثم هناك مسألة حاسمة أخرى أمام تركيا خلال الفترة القادمة وتتعلق بحل مشكلة الأقليات وفي مقدمتها حل «المسألة الكردية».
وفي المحصلة يخلص ديدييه بيليون إلى القول إن تركيا «شريك جيوستراتيجي لا يمكن تعويضه» بالنسبة لأوروبا. وتقول الجملة الأخيرة في هذا الكتاب: «إن تركيا تشكل في نهاية المطاف، من حيث أهميتها، وبدفعها الاتحاد الأوروبي إلى التفكير بمستقبله نفسه، حظا ينبغي الإمساك به دون تردد».
*الكتاب:الرهان التركي
*الناشر: ارمان كولان ـ باريس 2006
*الصفحات :320 صفحة من القطع المتوسط
L'enjeu turc
Didier Billion
Armand Colin - Paris 2006
P.320