هذا كتاب جماعي شارك فيه 17 باحثا وأشرف عليه جان ميشيل فيرنوشيه، الذي كان قد ساهم سابقا بتأليف عمل مع كارلوس فيرنوشيه يحمل عنوان «الإسلام الثوري». موضوع هذا الكتاب هو أوروبا الموحّدة، وإنما ليست تلك التي قادتها حتى الآن السلطات السياسية في مختلف البلدان الأوروبية المعنية منذ معاهدة روما عام 1957 التي وقعها ممثلون عن ست دول أوروبية.

وإنما أوروبا المقصودة هي «أوروبا الشعوب»، وهذا ما يشير إليه العنوان بوضوح. يتضمن هذا الكتاب فصولا عديدة تتعرض لمختلف أوجه التوحيد الأوروبي ابتداء من مفهوم السياسة الدفاعية الموحّدة ووصولا إلى الملف الزراعي الأوروبي ومرورا بالبعد الاقتصادي ومكانة «اليورو» والمسائل المتعلقة بالطاقة والصيغ الدستورية المقترحة. ويبدو من الواضح أن المسائل المتعلقة بالدفاع تثير تباينا كبيرا في الآراء كما تدل الدراسة التي كتبها الجنرال هنري باريس والأخرى بقلم بيير ماري غالوا. وهنا تبرز مسألة العلاقة مع الحلف الأطلسي ومدى الاستقلالية المطلوبة حياله فيما يخص المنظومة الدفاعية الأوروبية. ويظهر نفس التباين أيضا حيال المسائل النووية بشقيها العسكري والمدني، أي ما يتعلق بمسائل الطاقة.

لكن تذهب بعض الآراء المقدّمة إلى القول أن «الاتحاد الأوروبي» إنما كان في صميمه استجابة لإرادة أميركية بحيث تسهل السيطرة عليه. وذلك أن «مناعته» تصبح أقل بالقياس إلى الأمم الأوروبية العريقة التي تعتز بتاريخها وبصوتها المستقل، بالطريقة التي كان قد عبّر فيها ذات يوم الجنرال شارل ديغول عندما أخرج بلاده من البنى العسكرية للحلف الأطلسي عام 1966.

ومن المسائل الأساسية التي يتم التأكيد على أهميتها في بناء «أوروبا الشعوب» هنا مسألة «الحماية الاجتماعية» التي لا تزال تشكل، حسب الآراء المطروحة، بعدا غائبا عن اهتمامات الاتحاد الأوروبي بالصيغة «اللبرالية» التي يقوم على أساسها اليوم. وبهذا المعنى ترى السيدة «آن ماري لوبورهييه» في مساهمتها أن الصيغة القائمة تحتوي على بعدين أساسيين بحيث أنها تغبط من جهة حقوق كل أمة كما أنها تصادر، إلى هذه الدرجة أو تلك، الحريات الفردية.

وهذا كله تحت حجة «محاربة الإرهاب». لكن مثل هذا المنطق لا بد وأن يؤدي، حسب رأيها إلى كبت الرأي العام الشعبي ومنعه من التعبير وأيضا إلى كبح الديمقراطية والحد من ممارستها فعليا.

ويتم التأكيد في مساهمتين بالكتاب يقدمهما «فرانسوا لوكا» و«باسكال لينيو» على أن أكبر المخاطر التي يمكن أن تقع على كاهل الشعوب الأوروبية من جراء «النسخة الأطلسية» للاتحاد الأوروبي إنما ستكون من نصيب الأوروبيين العاملين في حقل الزراعة. ذلك أن «العالم الفلاّحي الأوروبي هو بصدد الانقراض»، وأوروبا «التابعة» لن تكون قادرة على تأمين غذاء سكانها.

لكن يتم التأكيد في الإطار نفسه على أن مثل هذه الحقائق يتم طمسها عبر إبراز وجود «فوائض» في بعض الميادين، الأمر الذي يمثل نوعا من «ذر الرماد في العيون». لكن الواقع الحقيقي تمثله حركة الهجرة المتعاظمة من الأرياف إلى المدن و«تفريغ» هذه الأرياف من فلاحيها، وذلك أحيانا تحت حجج لا تصمد أمام أي منطق صارم مثل القول ب«احترام الراحة الضرورية للأرض» واعتماد سياسات تقديم المساعدات.

وبكل الحالات يتم التأكيد على أن «طرد الفلاحين» من أرضهم إنما يعني «حرمان البلاد من نسغها» وبالتالي جعلها موضع أطماع الآخرين «الاستعمارية». ويتم دفع المنطق نفسه من التحليل النقدي إلى حد القول أن السماح بتدمير طبقة الفلاحين إنما يمثل جريمة ضد العقل وبالتالي «جريمة ضد الإنسانية» عبر اقتلاع المعنيين من جذورهم وحرمان الهوية الجماعية للبلاد من أحد مكوناتها الرئيسية التي تصنع ملامحها إلى جانب المكونات الأخرى.

ويتضمن الكتاب عدة فصول مكرّسة لما تتم تسميته ب«الثورة الثقافية» الضرورية في مواجهة «الحماقة الإجبارية» التي يتم الترويج لها. ويتم الإجماع في هذه الفصول على مجموعة من المقولات ذات الخلفية المسيحية الداعية لضرورة التآخي والتعاون بين البشر، وذلك بالعودة إلى الإرث التاريخي الذي «تتضاءل» معالمه.

وتعرض المساهمات الخاصة بالصيغ السياسية والاقتصادية والقانونية المطروحة للاتحاد الأوروبي وجهات نظر متباينة تتراوح بين المطالبة بنوع من الفدرالية القائمة على «التنمية الذاتية» والتأكيد على «مبدأ التفضيل الأوروبي» بدلا من الصيغة المطروحة التي ليس لها ما يبررها أنها لم تكن تعني منذ انطلاقها في روما عام 1957 «أوروبا الشعوب»، كما جاء في مساهمة كتبها «نيكولا روبون-اينيان».

ومن الأفكار التي يتم التأكيد عليها في انتقاد الصيغة الراهنة للاتحاد الأوروبي هناك القول أن 17 دولة من أصل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ال25، قبل أن تصبح 27، هي أعضاء أيضا في الحلف الأطلسي. وهذا ما يتم اعتباره متناقضا مع إعلان المبادئ الذي أصدرته البلدان الأوروبية الكبرى المصدّرة للسلاح عام 1998 والبلدان المعنية هي بريطانيا وفرنسا وألمانيا واسبانيا وإيطاليا والسويد.

كذلك يتم توجيه نقد كبير لمسألة دمج تركيا في إطار الاتحاد الأوروبي، بل ويتم اعتباره بمثابة مرحلة نهائية في «بلقنة أوروبا الأمم»، أو «أوروبا الحيّة» كما يتم توصيفها. ويعتبر المساهمون في هذا الكتاب أن مسيرة دمج تركيا في الاتحاد الأوروبي جارية وتتقدم رغم أشكال الاحتجاج والنفي الرسمية الصادرة عن هذه الحكومة الأوروبية أو تلك.

لكن بالمقابل يؤكد «جاك ميارد» في مساهمته أن «انبعاث أوروبا الأمم» قد يقلل من قدرة الدفاع عن أوروبا بمجملها، إذ ليس هناك أي ضمان أن تقاتل ك«رجل واحد» من أجل حماية القارّة.

وفكرة أخرى يتم تأكيدها وهي أن «صراع الطبقات» لم ينته في أوروبا، لاسيما وأن ظاهرة نقل الشركات لنشاطاتها من بلدان الاتحاد الأوروبي الغنية نحو البلدان الأقل نموا وإنما ذات الإنتاج الأقل كلفة بسبب رخص اليد العاملة، تؤدي إلى زيادة عدد العاطلين عن العمل في البلدان الغنية نفسها. وهذا يتضمن أيضا في أحد وجوهه نوعا من تقليص هامش «المكتسبات الاجتماعية». مثل هذه الصورة تسمح بتوقع أن يبرز «الصراع الطبقي» من جديد في أوروبا الحالية ذات البعد اللبرالي السائد حاليا.

ويتم في هذا الإطار توجيه نقد كبير ل«آليات التحالف مع رؤوس الأموال الكبرى» التي قد تفتح الطريق أمام أشكال مختلفة من الفساد لدى الدوائر القائمة على تسيير الشأن الأوروبي. ومقابل هذا تتم المطالبة بإعادة النظر في مسألة الامتيازات التي حصل عليها القائمون على هذه الدوائر، بالتوازي مع «المصائب» التي وقعت على كاهل الطبقات الدنيا في المجتمع. وتبقى الآليات الانتخابية تمثل أحد الأدوات التي يمكن استخدامها في مواجهة الدعايات الإعلامية ومجموعات الضغط الموجودة في مختلف الهيئات الأوروبية بما فيها البرلمان الأوروبي.

ويرى الفيلسوف «مانويل دو بيغيز» أن إحدى السمات التي شكّلت مصدر قوة أوروبا، بالإضافة إلى قدرتها الإبداعية على الصعيد التكنولوجي، تتمثل في أنها تميّزت عن الحضارات الإنسانية الأخرى بميلها نحو «عدم الإسراف» بل وإلى «الزهد» الأمر الذي جعل منها إمبراطورية أقوى من غيرها من الإمبراطوريات. وهكذا ينبغي تلبس من جديد «درع المحارب» ضد التبذير، كما يطالب جان ميشيل فيرنوشيه، المشرف على إنجاز هذا الكتاب، ويعتبر مثل هذا العمل ضرورة ملحّة. وهو يرفع شعار: لا تبذير ولا نهب.

ويتم التأكيد في هذا السياق على «محاذير» ظاهرة حركات الهجرة التي تتوافد من بلدان أوروبا الوسطى والشرقية نحو بلدان أوروبا الغربية في إطار الاتحاد الأوروبي، والتي يتم تشجيعها باسم الانسجام الاثني»، وإنما التي تعزز في واقع الأمر الرفض الشعبي للهجرة غير الأوروبية وخاصة الإفريقية والإسلامية التي يتم تقديمها على مستوى «المخيلة» كموضوع للإرهاب ومعاداة السامية وإنما التي تخدم كمبرر للحد المتزايد من الحرية والمساواة.

لكن ما يتم التأكيد عليه هو أنه إذا جرى الاستمرار في نهب إفريقيا وغيرها فإنها سوف تتابع إرسال «جحافلها» نحو مصدر الثروة في أوروبا. في المساهمة الختامية في هذا الكتاب يؤكد جان ميشيل فيرنوشيه على أن الواجب الحقيقي الملحّ بالنسبة لأوروبا اليوم هو أن تبدي «حبا أكثر تأججا حيال العدالة»، أي ما يعني ضمنيا القول بالانحياز أكثر نحو أوروبا الشعوب» وليس أوروبا الدول.

*الكتاب:بيان من أجل أوروبا الشعوب

*الناشر:روفرـ باريس 2007

*الصفحات:384 صفحة من القطع المتوسط

Manifeste pour une Europe des peuples

Jean-Michel Vernochet et

rouvre - paris 2007

p. 348