عندما تتردى الذائقة الجمالية لدى جيل جديد من الناشئة نضع اللوم على ما يقدم لهم من نتاج ثقافي ومعرفي متناسين أنهم لم يتدربوا أصلا على تذوق الجمال ولا يعرفون من مفرداته سوى عبارات فضفاضة تستخدم للتعبير عن الدهشة والتعجب والاستغراب.

ويبدو الأمر كأن اختلاطا قد حدث في المعاني فعندما يشاهد أحدهم جمالا أخاذا يصرخ «واو» ويشجع ركلة قوية للكرة صوب المرمى بكلمة «واو» وعندما يصطدم بعربة مليئة بالحاجيات في مركز تسوق يصرخ «واو» مستنجدا بالمغنية إياها لتبوس الواوا، مع إضافة ألف إلى الكلمة لتضفي على الألم بلسما شافيا.

لا تتدرب ذائقة الناس على الجمال إذا لم يكن هناك منبع يجيء منه المعنى والمغزى، فمن يذهب إلى معرض فني ليشاهد اللوحات، أو إلى أمسية شعرية ليسمع عذب المعاني أو إلى حفل موسيقى ساحر يحلق به إلى عالم من النعومة!؟ قلة هم الذين يفعلون ذلك، وما أكثر الذين لا يأبهون.

هل تكفي جينات البشر لتذوق الجمال أم تحتاج القضية إلى ما هو أعمق من الفهم الفطري والعفوي، هل تحتاج إلى تدريب؟، إذا من يدرب الذائقة وأين تتدرب على فهم الجمال ومصادقته . هل هي المدرسة المؤسسة الأولى لتربية الذوق الجمالي، أم هو المنزل، أم الاثنان معا .

أسئلة ذات صداع كبير تحتاج إلى موسوعة عن الحرمان الذي نعيشه للإجابة عنها، حيث تفتقد المدرسة لمعلم فنون أو موسيقى، أو مسرح في حين تعج المدرسة بعدد عملاق من محاربي الجمال الذين يعتقدون أن تربية الذوق العام مضيعة للوقت وكثيرا ما يعملون على تحريمه اعتمادا على مراجع دينية وأخلاقية ولا بأس بحشر العادات والتقاليد في ذلك دعما لمشروعهم .

لقد أعطت المدرسة للأجيال قيما أخلاقية واسعة ولكن لم تدعمها بتربية الحس الجمالي بالأدب والفن والثقافة، والأمر سيبدو مدهشا إذا قرأ الطالب كتابا خارج المنهاج المقرر، ولكن لا يكون مدهشا إذا لم يقرأ شيئا آخر، أو إذا لم يعرف طريق المكتبة أصلا، فقد نشأ على هجر القراءة وكره الكتاب.

إن جيل الشباب يشكلون عدديا ثلاثة أرباع العالم العربي، ومعظمهم ينتمون إلى حضارة «الأغنية الشبابية» ولا يفرقون بين صوت المطربة وجسدها، وتشغلهم حركاتها الجنسية الفاضحة عن فهم ما تقول أو فحصه بشكل دقيق، لأنهم لو فعلوا ذلك لأدركوا سخافة ما يحدث، وهو بالتالي نتيجة حتمية لغياب حصة الموسيقى في المدرسة، الحصة الوحيدة التي لا يموت فيها الطالب نعسا ومللا.

إن تربية الذائقة الجمالية تشكل حماية لتردي قيم إيجابية وفهم الجمال يدفع الإنسان إلى الاعتراف بقيمة الحياة وبحقه في العيش كريما، ومستقلا وحرا.

hussain@albayan.ae