أجرى بريت أنتوني جونسون المحرر الثقافي بموقع ناشيونال بوك فاونديشن الالكتروني الأميركي هذه المقابلة مع الروائي والشاعر والكاتب المسرحي الأميركي دنيس جونسون، وذلك بمناسبة فوز روايته الجديدة «شجرة الدخان» بجائزة الكتاب الوطنية الأميركية.

حيث بادر إلى إيضاح أن هذه الرواية، التي يعتبرها الكثيرون تتويجاً لجهود الأدب الأميركي في تصوير العالم الوحشي لحرب فيتنام والتأثير المدمر الذي أحدثته في الضمير والوجدان الأميركيين، تعود إلى صيف أو خريف العام 1982، حين كتب ملاحظات أولية تتعلق بها وأضاف المزيد إليها على مر السنين إلى أن قرر، قبل عام تقريباً، الانطلاق بها لترى النور في شكلها النهائي، وأشار إلى أن هذه الرواية، مقارنة برواياته الست الأخرى، لا تعد أطول كثيراً من حيث الحجم فحسب وإنما هي مكتوبة بحرص أكبر نابع من الضمير، وانه خلال كتابته لها لم يتوقف لحظة ليفكر فيما إذا كانت ستتوج بالنجاح من عدمه.

وفيما يلي نص الحوار:

* أولاً، وفي المقام الأول أود تهنئتك على فوز روايتك «شجرة الدخان» بجائزة الكتاب الوطنية الأميركية، والسؤال التقليدي الذي يطرح في هذا الصدد هو كيف علمت بخبر الفوز بهذه الجائزة الكبرى؟

ـ طالعت بريدي الالكتروني، ووجدت عدداً من الرسائل من أصدقاء لي، وكلها تحمل عناوين من قبيل «تهنئة» أو «جائزة الكتاب الوطنية»، واعتقدت أن هذه الرسائل هي بمثابة مقالب من هؤلاء الأصدقاء.

* في بلد مثل أميركا، حيث تمر القراءة بحالة أزمة حادة، ما هو دور كاتب الروايات والقصص؟ وهل يؤثر اختيارك للتنافس النهائي على جائزة كبيرة مثل جائزة الكتاب الوطنية الأميركية في الكيفية التي تنظر بها إلى نفسك في هذا الدور؟

ـ لقد حظي الرواة بجمهور واسع النطاق على امتداد القرون القليلة الماضية، وفي الوقت الراهن فإن هذا الجمهور يتقلص عدده، وإذا مضى القادة العالميون قدماً في مسيرتهم فإنهم ربما يعودون بنا إلى عصر نروي فيه الحكايات حول النار في الكهوف. ولكن ستكون لدينا على الدوام قصص نرويها. ومن الجميل القيام بذلك بينما هناك أناس يعتقدون أن سرد الحكايات أمر جدير بتقديم الجوائز لمن يقومون به.

* منذ متى وأنت تعكف على العمل في انجاز رواية «شجرة الدخان»؟

ـ كان جانب منها موجوداً منذ صيف 1982 أو خريف ذلك العام. وبين الحين والآخر على امتداد السنين قمت بتجميع ملاحظات وحاولت أن أجعل لها معناها. وفي يناير الماضي مضيت قدما بمحاولة الخروج بها في شكلها النهائي.

* ما الذي اجتذبك إلى هذه الرواية؟

ـ ليست لدي فكرة عن هذا بالمرة.

* كيف يبدو هذا الكتاب مقارنة بأعمالك النثرية الأخرى؟

ـ إنها أطول، وعلى الرغم مما قد يقوله أي شخص فإن حبكتها مكتوبة بإخلاص ضميري أكبر.

* هل كانت هناك لحظات في عملية الكتابة لديك ساورك الشعور خلالها بأن هذا الكتاب لن يكلل بالنجاح؟ وإذا كان الأمر كذلك فكيف واصلت السير في الكتاب قدماً؟

ـ حسناً، لم أفكر في هذا من قبل، ولكن الآن وفيما أنت تطرح عليَّ هذا السؤال، فإنه يخطر ببالي أنني لم أهتم مطلقاً بما إذا كان هذا الكتاب سيتوج بالنجاح من عدمه.

*إذا كان هناك قاسم مشترك بين الأعمال التي تخوض التنافس النهائي على جائزة الكتاب الوطنية الأميركية، فهو أن هذه الأعمال جميعها تستخدم بنى ونطاقات نثرية مثيرة للاهتمام. وعلى الرغم من أن رواية «شجرة الدخان» تمضي قدماً غالباً حسب الترتيب الزمني من خلال خطوط الرواية، فإنك قدمت للقارئ سرداً هائلاً ومتعدد الأوجه وعريض النطاق. فهل تصورت هذا النطاق الهائل قبل بدء العمل في الكتاب أم أن العلاقة بين الموضوع والبنية الروائية قد برزت بشكل حدسي أكبر؟

ـ إنني مولع باقتطاف عبارة تي. إس. إليوت الذي قال في موضع ما من كتاباته إنه يهتم، في غمار الكتابة، أساساً «بقرارات ذات طبيعة شبه موسيقية».

* عندما كنت عاكفاً على تأليف «شجرة الدخان» هل كان لديك جمهور أو قارئ مثالي في ذهنك؟ وإذا كان الأمر كذلك فمن هو؟

ـ إنني أكتب لزوجتي، ولوكيلي الأدبي، ولمحرر أعمالي.

* هل كانت هناك نقطة تحول محددة ألزمت عندها نفسك حقاً بالكتابة؟

ـ حصلت على زمالة من ورشة الفنون الجميلة في بروفنستاون بولاية ماساشوستس، وهي ورشة تستضيف عشرة فنانين وعشرة كتاب على امتداد سبعة شهور. وهي شيء رائع، والمسؤولون عنها يدفعون لكل كاتب أو فنان إيجار غرفة وتكلفة التدفئة والكهرباء ومصروف جيب قيمته 300 دولار شهرياً.

وقد مضيت إلى هناك للاشتغال على روايتي التالية، واعتقدت أنني بسبيلي حقاً إلى انجازها، ولكنني أهدرت وقتي هناك، ولم أنجز شيئاً في نهاية الشهور السبعة. ومضيت أحدث نفسي: يا إلهي! لقد كانت هذه هي فرصتي الكبرى فإلى أين مضت. واستبد بي ضيق شديد.

* هل تجد أن أسلوبك قد تغير على امتداد السنين؟

ـ أعتقد أن أسلوبي قد أصبح أكثر صقلاً وإرهافاً في السنوات الأخيرة، ليس في المسرحيات، التي انطلق بالكتابة فيها بجنون. ولكن نثري يحظى بلمسة أخف كثيراً، فهو لا يحاول أن يؤثر في القراء باستخدام اللغة، وإنما أن يكون أكثر صدقاً، وأنا لست معنياً بدقة أي شيء، فنحن لا نخرج بصدق أي شيء من خلال استخدام الحقائق فقط.

* هل تقودك الرواية إلى الصدق بأكثر مما تمضي بك إلى الحقائق؟

ـ نعم، لأنك عندما تقدم الحقائق فإنك تكون واقعاً تحت الضغط. وفي إطار الصحافة فإنك تتعامل مع الحقائق، ولكنك تقع تحت كل أنواع الضوابط الرسمية، فهناك توقعات بعينها، وتأثيرها مراوغ، ولكنه تأثير موجود وحاضر ومستمر. وما عليك إلا تصور القارئ، ما عليك إلا تصور جمهور القراء. هذا هو الضغط الذي شعرت به دائماً.

وعندما كنت أكتب لمجلة «اسكواير» كان تفكيري الواعي يوحي لي بأنني لا أكتب لمجلة «أميركان سكولار» لأنك على الدوام تسمح لشيء له صلة بالحقائق بالتأثير على المادة التي تكتبها، ويبدو لي أن المرء ينتهي إلى الخروج بكذبة. والآن إذا أخذت كذبة وسمحت لرغبتك في الحقيقة وواجبك بالاشتغال عليها، فإنك ستنتهي بالصدق، وليس بحقيقة ما. وذلك هو ما نريده.

وعندما نذهب إلى مسرحية ما، فإننا نحتاج إلى أن يؤكد لنا أن التجربة التي نخوض غمارها، وهي تجربة معزولة تماماً، تشبه تجربته الشخصية. وإلى حد معين، فإننا نريد أن يؤكد لنا أننا على قيد الحياة.

محطات في مسيرة جونسون

* ولد الروائي والشاعر والكاتب المسرحي الأميركي دنيس جونسون في ميونيخ بألمانيا في عام 1949 ونشأ في طوكيو ومانيلا وواشنطن. وبدأ مسار حياته الإبداعية شاعراً، وأصدر روايته الأولى بعنوان ملائكة في عام 1983، وفاز عنها بجائزة سو كادفمان للرواية الأولى، وحظى بإشادة مبدعين كبار على رأسهم الروائيان فيليب روث ودون ديليلو.

* أصدر جونسون ثلاثة دواوين هي «الردهة الخفية وقصائد أخرى» في عام 1982 و«الحجاب» في 1987 و«عرش السماء الثالثة» في 1995، وقدم للقراء سبع روايات أبرزها «ميت بالفعل» في 1998 و«اسم العالم» في 2000 وأحدثها «شجرة الدخان» الصادرة مؤخراً، بالإضافة إلى تسع مسرحيات ومجموعة قصصية واحدة.

* عمل بالصحافة، حيث كتب تقارير ميدانية حافلة بروح المغامرة في مناطق نائية مثل الصومال وأفغانستان وليبيريا والعراق. وحظى بالعديد من ألوان التكريم، بينها زمالة لانان وجائزة وايتينج للكتاب، ونشرت أعماله في العديد من المجلات العالمية البارزة ومنها «نيويوركر» و«باريس ريفيو» و«اسكواير». وهو يشغل منذ عام 2006 كرسي ميت في جامعة ولاية تكساس في سان ماركوس، وهو الكاتب الدرامي المقيم في مركز انترسكشن للفنون في سان فرانسيسكو.

منى مدكور