شهدت الساحة العربية والعالمية خلال السنوات القليلة الماضية أحداثا مهمة تفاعلت معها وسائل الإعلام من مختلف أنحاء العالم بطرق مختلفة وفي بعض الأحيان يتبادر للقارئ أو المشاهد أن الحدث مختلف رغم أنه نفسه، لكن عملية النظر إلى الحدث ومعالجته وتحليله وتقديمه للجمهور هي التي اختلفت وبذلك يكاد الحدث نفسه يختلف رغم أنه واحد.
وسائل الإعلام في القرن الحادي والعشرين أصبحت «تفبرك» الواقع أكثر مما تقدمه للجمهور كما هو. وفي الصناعة الإعلامية الكلام عن الموضوعية والبراءة وتقديم الأشياء والأحداث والحروب والأزمات كما هي يعتبر ضربا من الخيال. وسائل الإعلام وبفضل المكانة الاستراتيجية التي تحتلها في المجتمع وبفضل قوتها في تشكيل الرأي العام وفي إعلام وإخبار الجماهير بما يحدث ويجري من حولهم وفي العالم بأسره أصبحت مؤسسات تستقطب اهتمام القوى الفاعلة ـ السياسية، الاقتصادية، الدينية، جماعات الضغط، المجتمع المدني ـ في المجتمع سواء محليا أو دوليا.
فوسائل الإعلام في أي مجتمع لا يحركها المال فحسب بل هناك قوى أخرى تتنافس فيما بينها للاستحواذ والسيطرة عليها من أجل إعلاء كلمتها ووجهة نظرها وإيصالها للرأي العام. لأن في نهاية المطاف السلطة الحقيقة في أي مجتمع يؤمن بالديمقراطية والشفافية هي سلطة الشعب أي الرأي العام.
والقوى الاستراتيجية التي تشكل الرأي العام في أي مجتمع هي وسائل الإعلام، حيث أكدت معظم الدراسات يمثل كتاب تشكيل الوعي الاجتماعي: دور وسائل الإعلام في بناء الواقع وصناعة الرأي العام حصيلة رصد المؤلف للأحداث والقضايا على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي والتي أثرت وتأثرت بالصناعات الإعلامية سواء تعلق الأمر ببناء الواقع أو صناعة الرأي العام أو التعامل مع الحروب والأزمات والإرهاب أو استعمال الدبلوماسية العامة والعلاقات العامة في عملية بناء الصورة.
أو البحث عن الهوية وتأكيد الذات والبحث عن الفعالية أو الصراع بين الالتزام والتلاعب. هذا الرصد تمثل في المقالات الأسبوعية التي نشرها الكاتب في صفحة قضايا وآراء بجريدة «البيان» الإماراتية في الفترة من 2001 إلى 2005.
يشمل كتاب تشكيل الوعي الاجتماعي: دور وسائل الإعلام في بناء الواقع وصناعة الرأي العام سبعة فصول. تناول الفصل الأول الموسوم ب»وسائل الإعلام وبناء الواقع» دور الإعلام في تشكيل الوعي الجماعي وصناعة الواقع والتأثيرات العديدة التي تتركها الصورة على سلوك الفرد وإلى أي مدى تحدد وسائل الإعلام نظرتنا للآخر وكيف ينظر الآخر لنا.
وإلى أي مدى تتلاعب وسائل الإعلام بالصور لتغرس أفكارا ومعتقدات تتناغم وتتناسق مع القوى الفاعلة في المجتمع محليا ودوليا. يعالج الفصل الثاني بعنوان «وسائل الإعلام وصناعة الرأي العام» دور وسائل الإعلام في صناعة الرأي العام والآليات العديدة والمختلفة التي تستعملها الصناعات الإعلامية والثقافية في التركيز على معطيات معينة وإقصاء أخرى وإلغائها من ذاكرة القراء والمشاهدين والمستمعين.
وبذلك انتقلت وسائل الإعلام من الكشف عن الحقيقة إلى التزييف والتضليل تحت وطأة سلطة المال والسياسة والقوى المختلفة الفاعلة في المجتمع. فالإسلام أصبح مرادفا للإرهاب والحشود أصبحت تستعمل كأرقام ونسب للتعبير عن رأي عام «مفبرك» و«مفصل» وفق استراتيجية وخطة مدروسة بطريقة منهجية وعلمية. أما أحداث 11 سبتمبر 2001 فلقد كشفت عن أساطير الموضوعية والحرية والنزاهة والمسؤولية في الممارسة الإعلامية.
يستعرض الفصل الثالث من الكتاب والموسوم «وسائل الإعلام في زمن الإرهاب والحروب والأزمات» الكيل بمكيالين والتلاعب بالحقائق والمعطيات ليس لخدمة الحقيقة وإنما لخدمة أهداف محددة على حساب النزاهة والموضوعية والمسؤولية.
فباسم الحرب على الإرهاب حوكمت الصحافة واغتيلت من خلال تيسير علوني وطارق أيوب وعشرات الصحافيين الذين ماتوا وهم يبحثون عن الحقيقة في ميدان المعركة ومن خلال قصف تلفزيون الجزيرة ومحاولة مسحها من على الخريطة الإعلامية العالمية، وغيرها من الأصوات والأقلام التي لا تتناغم مع وجهة نظر ورؤية الآخر.
ففي زمن الحرب تصبح الحقيقة والصورة جزءا من الحرب نفسها وبذلك تضرب قيم النزاهة والمسؤولية والموضوعية والكشف عن الحقيقة عرض الحائط. والتاريخ شاهد على ذلك من حرب الفيتنام إلى حرب الجزائر إلى حرب جزر الفولكلاند إلى حرب غرينادا إلى حرب الخليج الثانية والثالثة.
ومن هنا نستطيع القول أن هذه الوسائل الإستراتيجية التي تستحوذ على وقت كبير من وقت البشر أصبحت تساهم في تشكيل وصناعة وعي اجتماعي بعيد في الكثير من الأحيان عن الواقع وأصبحت الصور التي تتكون يوميا في إدراك الناس صورا مصطنعة ومفبركة ومفصلة وفق مقاسات وسيناريوهات تم طبخها وإعدادها في قاعات تحرير همها الوحيد هو إرضاء صاحب السلطة المالية والسياسية.
الفصل الرابع بعنوان «الدبلوماسية العامة، العلاقات العامة وبناء الصورة «يستعرض اختلاط الإعلام بالدبلوماسية بالعلاقات العامة من أجل بناء الصورة المراد غرسها في أذهان البشر. فأميركا من خلال السيطرة على الصناعات الإعلامية والثقافية تحاول أن تحسن صورتها في العالم وتحاول من خلال الدبلوماسية العامة أن تبرر وجودها في بؤر التوتر في العالم بهدف إرساء أسس الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والرفاهية في العالم حسب أقوال صقور البيت الأبيض بطبيعة الحال.
يتناول الفصل الخامس إشكالية البحث عن الفعالية في الإعلام العربي الذي ما زال يعاني من شلل جعل منه مؤسسة تائهة بين مطرقة طموحات ومطالب الجماهير وجبروت السلطة وهيمنتها على مخرجات المؤسسة الإعلامية في الوطن العربي. فالإعلام العربي بحاجة إلى استراتيجية جديدة وإلى إعلام بديل لمحاورة الآخر وتجسير الفجوة لتصحيح الصور النمطية والتضليل والتشويه.
في الفصل السادس يستعرض الكاتب إشكالية البحث عن الهوية في الإعلام العربي من خلال التطرق للانجراف الثقافي والفضائيات الهابطة وتلفزيون الواقع وغيرها من الممارسات التي تزيد من ذوبان المؤسسة الإعلامية العربية ورسالتها في الآخر وفي ثقافة الآخر. فالإعلام العربي في الألفية الثالثة أمام تحديات كبيرة تتمثل في القدرة على مخاطبة الآخر وفي تقليص الفجوة الرقمية واستغلال تكنولوجيا الاتصال لخدمة المواطن العربي وإرساء أسس تنمية مستدامة.
الفصل الأخير في الكتاب «وسائل الإعلام وجدلية الالتزام والتلاعب» يتطرق للصراع الخفي والدائم داخل المؤسسة الإعلامية وفي دروب الصناعات الإعلامية والثقافية. فالمؤسسات الإعلامية تدعي أنها تبحث عن الحقيقة لتقدمها كما هي للرأي العام، لكن تجد نفسها ضحية الاستغلال والابتزاز من قبل سلطة المال والسياسة والقوى المختلفة داخل المجتمع، حيث نلاحظ أفول السلطة الرابعة والحاجة إلى سلطة خامسة.
فتغطية الحروب والأزمات والإرهاب والقضايا المثيرة للجدل في العالم أصبحت تكشف باستمرار التلاعب لفبركة الواقع وليس لتقديمه كما هو للرأي العام. الابتعاد عن الالتزام والمسؤولية واحترام القارئ أصبح هو السمة المميزة للممارسة الإعلامية في القرن الحادي والعشرين. حرب الكلمة والصورة أصبحت هي الأساس والصراع أصبح اليوم حول صناعة الصورة والسيطرة على الرأي العام.
الرهانات المستقبلية الاستراتيجية في القرن الحادي والعشرين، قرن الانفجار المعلوماتي وتكنولوجيا الاتصال واقتصاد المعرفة تتمثل في الدبلوماسية العامة والعلاقات العامة والإعلام. فالقدرة على الاتصال والتواصل وصناعة الرأي العام هي أساس كسب المعركة في الميدان، معركة أصبحت تتمحور حول السلوك والإدراك أكثر من أي شيء آخر.
*الكتاب:تشكيل الوعي الاجتماعي - دور وسائل الإعلام في بناء الواقع وصناعة الرأي العام
*الناشر:مكتبة الفلاح للنشر والتوزيع ـ عمان 2007
*الصفحات:304 صفحات من القطع المتوسط