هل أميركا لغز؟ كيف يمكن فهم أنها بلد الفجور وبلد التدين في آن؟ وأنها بلد المساواة بين الجنسين في حين أن نسبة النساء في مجلس نوابها 15% فقط! وأنها بلد محطات الفضاء والمشردين في الشوارع؟ وأنها بلد حرية الكلام لكن نقد اليهود واللوطيين ممنوع؟ وأنها بلد الحرية السياسية لكن بحزبين لا ثالث لهما؟ وأنها مهد الرأسمالية لكنها تقتطع نسبة من فواتير الكهرباء للفقراء المعدمين! وأنها البلد التي شعار فردها «لا اكترث» لكنها تتبرع للمشاريع الخيرية!
في كتاب الباحث السوري الدكتور مازن موفق هاشم، الأستاذ في جامعة كاليفورنيا، والمهتم بالدراسة الميدانية للوجود المسلم في أميركا الشمالية، والعضو المؤسس لمركز الدراسات الحضارية، محاولة أكاديمية للإجابة عن السؤال بالبحث في ابرز المكونات التاريخية للمجتمع الأميركي وقيم مجتمعه النائسة بين الدين والعلمانية، واثنياته وتعدديته، كما يدرس الوجود اليهودي والعربي والإسلامي، كل على حدة. بدأت أميركا بالمستوطنات الزراعية التي حصلت ثروات طائلة من كنوز ارض بكر ذات كثافة سكانية منخفضة، وبسواعد الأفارقة المستعبدين المسترقين. تميزت فترة النشوء بنزعة انعزالية تؤمن بالرعاية الربانية.
انتظمت الهجرات في مستوطنات أوربية شبه مستقلة انضوت فيما بعد تحت دستور يحفظ مصالحها، لكن التناقضات في مصالح البيض أنتجت حربا أهلية انتهت بتثبيت كيان فيدرالي زادها قوة وبدأ في كسر عزلتها وراء المحيط، وبنهاية القرن التاسع عشر صعدت أميركا قوة فتية تعج بتناقضات أسفرت عن حركة اصطلاح اجتماعي واسعة اصطلح عليها «بالتقدمية» في بداية القرن العشرين، توغلت على أثرها خارج القارة الشمالية وانتهت بوراثة السيطرة الأوربية وبدأت بتشكيل منظومة عالمية.
عرقيا؛ بلغت التناقضات العنصرية الأميركية أوجها في النصف الثاني من القرن العشرين وانتهى بإصلاحات دستورية واسعة ومفاهيم جديدة لحقوق الإنسان، وأفضى رخاء ما بعد الحرب العالمية إلى ضياع مجتمعي ومواجهة قيم الارستقراطية الأوربية والإقطاعية بثورة جنسية أفضت إلى المحافظة الدينية التي نعيشها اليوم.
دينيا، لم تتقاتل الفرق الدينية البروتستانتية بينها كما في أوروبا، رغم ضيق افقها، ربما بسبب الذكريات الأليمة عن الحرب الطائفية الأوربية، الأرجح أن السبب هو عدم تمفصل الصراعات الدينية مع الولاءات الإقطاعية كما في أوروبا، فأميركا الشاسعة والثرية كانت تتيح فرصا كبيرة للكسب والربح، السبب الثالث هو في ثقافة الدين البروتستانتي واستعلائيته.
فالبروتستانت الأميركان اعتبروا نجاحهم علامة رضا الرب، ولعل أطروحة ماكس فيبر حول علاقة الرأسمالية بالبروتستانتية تعكس الشعور الاجتماعي الأميركي السائد. ولم تبدأ الإشارة إلى أمة بروتستانتية كاثوليكية يهودية إلا في عام 1955، وقد تأقلمت البروتستانتية مع علم الدين المقارن ووظفت دراسة التاريخ لمصالحها، وتتالت الإصلاحات الدينية: «الصحوة الكبرى» و«الخلاصية» و«الإنجيل الاجتماعي» و«الأصولية» التي انتشرت حديثا (الدين ليس مسألة شخصية وإنما نظام حكم).
إذ كوّن الدين احد المفاصل الرئيسة في تشكيل الولايات المتحدة، وما يزال يشكل الأرضية التحتية لأميركا، لكن حصل تحول كبير في دور الدين بالمجتمع، طوته صفحة الدستور العلمانية، والأرجح أن مفهوم الدين المدني يشكل تفسيرا متينا لتدين الولايات المتحدة وهو يعود للفيلسوف الفرنسي روسو: ويعني وجود الرب، والآخرة، والثواب على الفضيلة والعقاب على الرذيلة ورفض التدين المتزمت، وما زاد فهو خيار شخصي.
أهم قيم المجتمع الأميركي هي الفردانية التي جاءت نتيجة للمكبوت الديني الذي انفجر ليبراليا على الصعيد الفكري، وهي لا تتعارض والواجبات الجماعية، ثاني هذه القيم هي المساواة وهي مساواة في الفرص، بين الجنسين والأعراق وليس مساواة تكاملية أو تكافلية، ثالث هذه القيم هي الانجاز التنافسي الذي يظهر المواطنين الأميركيين كأنهم في سباق اسبرطي.
كما تتميز الشخصية الأميركية بالبراغماتية والعملية والابتعاد عن التعقيد والميل إلى السهولة، وبحب التكنولوجيا والجديد، والمبالغة في الاعتماد على الآلة، وبحب الاستهلاكية التجارية والنجاح لكن دون كنز للمال البارد فالأميركي ميال إلى توظيف أرباحه في الفعاليات التجارية.
تعد أميركا مخبرا للأعراق وقد ارتبط نشوؤها بثلاثة أنماط من الهجرات؛ الهجرة الاسبانية التي اختلطت بالهنود في جنوب القارة والهجرة الانجليزية التي انعزلت وسط القارة والهجرة الفرنسية التي اتبعت العلاقة عن بعد في شمال القارة. وكان للكثافة السكانية دورها في تحديد نمط العلاقة، وللدين دوره، فالكاثوليكية الاسبانية اقل اصطفائية من البروتستنانية الانجليزية المتعالية.
وقد تعرض عرق الهنود الحمر إلى الإبادة الجماعية على مراحل. ولم يحصل السود على حقوقهم إلا بعد الحرب العالمية، التي حملوا عبئها على أكتافهم، فصعدت حركة الحقوق المدنية في الستينات، واستمرت إلى السبعينات، لكنها انكسرت في التسعينات. وتعد مجموعة اللاتينيين ثالث أهم مجموعة مقهورة، وقصتهم تختلف عن الأفارقة والهنود في أنهم ضحايا هزيمة المكسيك العسكرية، على ارض تحولت ملكا لأميركا.
في أميركا مجموعات مهاجرة من غير المكسيك، مثل الآسيويين، وتضم الباكستانيين، والصينيين الذين اكتسبوا سمعة الفساد الاجتماعي، واليابانيين التي أطلق عليها مصطلح «الأقلية المثالية» مع الصينيين، وهما مجموعتان تميزتا بالصمت إزاء القهر الأميركي، ونجاحهما لم يكن بسبب المساواة بالفرص وإنما بسبب الجهد المضاعف الذي يكسر طوق التفرقة.
ومازال ينظر إليهم «كضيف مؤقت» وقد أثرت الحرب العالمية الثانية على اليابانيين كثيرا خوفا على الأمن القومي واعتذر منهم الكونغرس رسميا عام 1988 وتسلم 60000 ممن احتجز منهم على تعويضات معفاة من الضريبة.
ومازالت التفرقة مشكلة خطيرة تهدد الأمن القومي الأميركي، ويلاحظ الباحث أن التفرقة لم تعد عرقية وإنما ثقافية، أما التفرقة غير الرسمية فمستمرة. وأن مستوى العنف ازداد منذ الثمانينات. وأن الأقليات أصبحت أقل تمكينا والإعلام أكثر حساسية لقضايا العلاقات العرقية. وان الليبرالية غير قادرة على تذويب الفروق رغم التحسينات.
يلاحظ الباحث أن التعددية الوطنية العرقية الموجودة هي حصيلة جهود الامتداد الاقتصادي، وحصيلة نضال ومكابدة لم تعش أكثر من عشرين سنة، وأنها تعددية فيزيائية سطحية نمطية مولعة بالسيرك والمهرجان لتبهر الأنظار وتصل إلى الجيوب وليست تنوعية تفاعلية مع الآخر وثقافته، وأنها سوقية فرصية لا علاقة لها بفلسفة الآخر ودينه.
أما ما يخصّ الوجود اليهودي ونفوذه «الأسطوري» في أميركا فيلاحظ الكاتب أن اليهود من أولى الأقوام التي هاجرت إلى أميركا، بحثا عن فرص اكبر وليس هربا من الاضطهاد؟ وأن مهاجرو اليهود كانوا غير أغنياء بمعظمهم، وان قصة النجاح اليهودي في أميركا هي قصة نجاح الفئة الليبرالية التوفيقية الإصلاحية التي لم تهتم بتعاليم الدين كثيرا.
ولكنّ اليهود يظلون ظاهرة أميركية فريدة، تفوق بحبوحتهم الحالية وضعهم المميز في الأندلس بنفوذهم السياسي القوي المستجد. والباحث يفضل التركيز على البعد البنيوي للتحليل من زاوية تفاعل القوى الاقتصادية والاجتماعية والعقدية لا على البعد الديني والسياسي.
يقارن الباحث بين الوجود اليهودي الراسخ في أميركا والوجود العربي المتأرجح بين الغربة والتطبيع، فيعيد السبب إلى هجرات اليهود التي كانت أعلى كفاءة من هجرات العرب المبكرة، وأن اليهود كانت لهم خبرة بالحياة المدنية، وأنهم لم يكونوا بأغنى من العرب ماليا وقت الهجرة، ولتأقلمهم مع تجربة «التيه في الأرض»، ورغبتهم في الهجرة للإقامة في جبل صهيون وليس مثل معظم العرب الذين هاجروا ليغتنوا ويعودوا، وربما يكون اليهود الأقلية الوحيدة التي لم تفكر بالعودة إلى المكان الذي أتت منه.
وأيضا لتكافلهم وبناء المؤسسات للجالية رغم وجود نفور اليهود الألمان واليهود الروس، السبب الرابع هو نشاط اليهود الاجتماعي الهائل الذي أنبنى عليه النفوذ السياسي،، الخامس أن اليهود هم من آباء الفكر الليبرالي والحداثي الأميركي ومؤسسيه. على عكس العرب الذين إذا تحركوا في مناهج الحركة الليبرالية اغتربوا عن تراثهم ومجتمعاتهم.
والفرق السادس هو الارتباط الاستراتيجي بين أميركا وإسرائيل. ولعل حال العرب شبيه بحال الطليان ذوي الخلفية الزراعية الريفية ونزعة التماسك العائلي. أما المسلمون (في أميركا الشمالية) فقد كان لهم ثلاث موجات من الهجرة، الأولى في أواخر القرن التاسع عشر دخلت أميركا ضمن صيغة إذعان لها علاقة بالإمبراطورية العثمانية والحرب العالمية الأولى، والثانية موجة الاحتذاء والتقليد التي حدثت بعد الحرب العلمية الثانية ونشوء لباكستان وصعود الاتاتوركية.
والموجة الثالثة، وهي موجة الاعتزاز والثقة، في سبعينات القرن العشرين، والتي ارتبطت بحرب أكتوبر ضد إسرائيل والصراع على كشمير بين الهند وباكستان، وانفصال بنغلاديش عنها، وهي موجة معتزة بإسلامها ترفع شعار الحل الإسلامي والحاكمية، ولولا إحداث سبتمبر لكان المسلمون في ازهي حال.
أحمد عمر
*الكتاب:امريكة بلد المتناقضات
*الناشر:دار الفكر ـ دمشق 2007
*الصفحات:453 صفحة من القطع الوسط