مؤلفة هذا الكتاب هي جوليا سالفاتوري ابنة الممثلة الفرنسية الشهيرة: آني جيراردو. ومعلوم أنها شغلت الأوساط الفنية وشاشات السينما مثل بريجيت باردو، وكاترين دنيف، وسواهما من النجمات اللامعات. ولكنها أصيبت منذ بضع سنوات بمرض «الزهايمر» أي فقدان الذاكرة. فأصبحت «تضيّع» كما يقال عندنا بالعامية: أي تنسى أسماء الأشخاص الذين تعرفهم أو تخلط بين هذا وذاك، الخ.

ويبدو أن عدد المصابين بهذا المرض في فرنسا حاليا يبلغ ثمانمئة ألف شخص، وهو رقم كبير جدا. بل وتشير الإحصائيات إلى أن المرض في حالة تفاقم، فكل سنة يصاب به ما لا يقل عن مئة وخمسة وثلاثين ألف شخص. ومعلوم أن رئيس الولايات المتحدة السابق رولاند ريغان أصيب به في أواخر حياته. ولذلك انقطع عن الناس وغاب عن الأنظار حتى مات، والسبب هو الخوف من الفضيحة.

وهذا ما حصل لآني جيراردو التي كانت أكبر ممثلة ونالت الأوسكار وأرقى الجوائز على أفلامها. ثم فجأة تصاب بهذا المرض الخطير الذي أنساها الذاكرة. فلم تعد تستطيع التمثيل لأنها تنسى الحوار وهي في منتصفه. وعندئذ يصاب المشاهدون بالذهول ويتساءلون: ماذا حصل لها؟ هل نسيت بقية الكلام؟ لماذا توقفت عن الحركة ولم تعد تعرف ماذا تقول؟

ثم تردف ابنتها قائلة:نعم هذا ما حصل لها وهي تمثل إحدى مسرحياتها الشهيرة أمام صالة ضخمة تغص بالمشاهدين الذين يحبونها إلى درجة العبادة. وعندئذ انسحبت من المسرح وهي تنتحب وتبكي وتقول: لقد متّ، لقد متّ. أنا انتهيت يا جوليا. أنا انتهيت.

بالطبع فإن المؤلفة تروي عشرات القصص عن مرض أمها وكيف يتجلى في حالات مختلفة ومثيرة للدهشة والاستغراب حقا. فمثلا كانت في الشانزليزيه في إحدى المرات مع صديقة لها. وفجأة التقت بزوجها السابق الذي عاشت معه عشرين سنة تقريبا، فلم تعرفه! وعندئذ بهت هو ولم يعد يعرف ماذا يقول. ولم يصدق أنها لم تعرفه، وحاول أن يذكّرها به، ولكن دون جدوى.

إن هذا المرض مؤلم جدا ليس فقط للمصاب به وإنما للناس الذين يعيشون معه. فينبغي عليهم أن يراقبوه في كل لحظة لكيلا يرتكب خطأ ما بحق نفسه. فمثلا اكتشفت المؤلفة أن أمها سحبت مبالغ ضخمة من المال من البنك خلال أسبوع فقط.

واستغربت ذلك جدا لأنها لا يمكن أن تحتاج إلى كل هذه الفلوس. يضاف إلى ذلك أن هذا مخالف لعادتها المألوفة حيث تصرف بشكل متوازن. وعندما حققت ابنتها في الأمر وجدت أن المتطفلين على أمها استغلوا ضعفها فأخذوا بطاقتها البنكية وراحوا يسحبون من الفلوس ما يشاءون. وبما أنها ممثلة شهيرة فإن حسابها ضخم في البنك ولكنه قد ينضب أيضا على الرغم من ضخامته.

كلهم يعرفون الشيفرة السرية لحسابها في البنك: أي الأرقام التي إذا ما ضربتها استطاعت أن تسحب ما تشاء. وهذه الأرقام السرية ما كان ينبغي أن يعرفها إلا صاحب الحساب بالذات: أي الممثلة آني جيراردو.

ولكنها فقدت ذاكرتها بل ولم تعد تحفظ الرقم، وحدهم المتطفلون حولها يعرفونه. وما أن استدركت ابنتها الأمر وسحبت منها البطاقة البنكية حتى انفض من حولها هؤلاء الأصدقاء المزعومون لأنه لم تعد لهم أي مصلحة في صداقتها. هذه هي بعض المخاطر التي تحيط بالمصابين بهذا المرض الخطير.

ولكن المؤلفة لا تتحدث فقط عن أمها بعد المرض الذي أصابها في الستين وإنما تتحدث عنها قبله. وبالتالي فهي تكرس صفحات طويلة للتحدث عن آني جيراردو الممثلة الرائعة عندما كانت لا تزال بكامل قواها العقلية. فخلال أربعين سنة من التمثيل شقّت طريقها لكي تصبح نجمة الشاشة الفرنسية والعالمية. وهذا هو المؤلم، أن تنزل من القمة إلى الحضيض.

ثم تتحدث أيضا عن كيفية تعرفها على زوجها الممثل الإيطالي ريناتو سلفاتوري. وهذا الزواج هو الذي أدى إلى ولادة مؤلفة الكتاب. وبالتالي فهي تتحدث عن أمها وأبيها في ذات الوقت، ويبدو أنهما التقيا لأول مرة أثناء تمثيل أحد الأفلام في إيطاليا. ونشأت بينهما قصة حب كبيرة استمرت عشر سنوات أو أكثر. وكان يمثل معهما في الفيلم آلان ديلون الذي أصبح صديقا لهما معا.

ثم تردف المؤلفة قائلة: ولكن حياة الممثلين غير طبيعية. فهم معرضون للإغراءات باستمرار. وبالتالي فنادرا أن يستمر زواجهم طويلا. نقول ذلك وبخاصة أن الرجل قد يمثل فيلما في أميركا والمرأة في ألمانيا أو روسيا.

وبالتالي يغيبان عن بعضهما طويلا لبضعة أشهر أحيانا، وهذا ما يؤدي إلى الوقوع في شباك الخيانة الزوجية لأن الإغراءات كثيرة وأجواء الفنانين مليئة بالسهرات الصاخبة والماجنة. ولهذا السبب حصل الطلاق وذهب كل واحد في حال سبيله، وكانت ابنتهما، أي مؤلفة هذا الكتاب، لا تزال طفلة.

وبالتالي فقد عاشت متنقلة بين إيطاليا وفرنسا، أو بالأحرى بين روما وباريس، وهي تستعرض كل ذلك من خلال كتابها الممتع والمثير للاهتمام حقا. وأحيانا تروي قصصا مفاجئة ومدهشة، من بينها القصة التالية. بعد الطلاق وقعت أمها في حب رجل آخر، فرنسي هذه المرة، وعاشت معه سنوات هنيئة، وكان غيورا عليها كثيرا.

وقد شك يوما ما في إخلاصها له، فقرر أن يكبس عليها في منتصف الليل لكي يعرف فيها هل كانت لوحدها أم مع رجل آخر. وقد صادف أن كانت بالفعل مع رجل، فاضطر هذا الأخير إلى أن يخرج من غرفتها بسرعة البرق وهو بالثياب الداخلية ويحمل معه بنطلونه وسترته وحذاءه بعد أن نسي الجوارب على عجل.

ثم دخل إلى غرفة البنت لكي يلبس ثيابه ويخرج من الباب الخلفي لكيلا يراه الزوج المخدوع ويحصل ما لا تحمد عقباه. وفي أثناء لبسه لثيابه استدار بوجهه نحو البنت التي كانت نائمة في السرير ولكن مستيقظة بالطبع، وأصيبت بالذهول عندما رأت وجهه. وكادت أن تندّ عنها صرخة قوية لولا أنها تمالكت نفسها في آخر لحظة وحبست أنفاسها.

فلماذا يا ترى؟ ومن هو الشخص الذي رأته أمامها لكي تصاب بكل هذه الصدمة؟ إنه فرانسوا ميتران رئيس جمهورية فرنسا. بالطبع لم يكن قد أصبح رئيسا للجمهورية ولكنه كان على وشك أن يصبح. فالحادثة حصلت عام 1979، أي قبل وصوله إلى سدة الرئاسة بسنة أو سنتين على أكثر تقدير.

ولكنه كان شخصية مشهورة آنذاك ويعرفه القاصي والداني في فرنسا. فتخيلوا هذا المنظر: رئيس جمهورية فرنسا المقبل بالكلسون يحاول أن يهرب من غرفة عشيقته خوفا من أن يقبض عليه زوجها بالجرم المشهود.

ولو أنه رآه لحصلت فضيحة كبرى ولامتلأت بها الجرائد الفرنسية صبيحة اليوم التالي. هذه هي قصة آني جيراردو مع فرانسوا ميتران الذي كان زير نساء تماما مثل شيراك أو أقل منه لأن شيراك أجمل كرجل. هذه القصة مستحيل أن تحصل لرؤساء فرنسا السابقين كشارل ديغول مثلا، أو جورج بومبيدو. وفي ذلك الوقت كان الرؤساء لا يزالون يحترمون أنفسهم ومكانتهم وزوجاتهم.

*الكتاب: آني جيراردو، ذاكرة أمي

*الناشر:ميشيل لافون ـ باريس 2007

*الصفحات:259 صفحة من القطع الكبير

Annie Girardot : la mémoire de ma mère

Michel Lafon- Paris 2007

P.259