يعمل جون ج. ميرشايمر أستاذاً للعلوم السياسية في جامعة شيكاغو، وهو مؤلف كتاب «مأساة القوى السياسية الكبرى» الذي أثار نقاشات كثيرة.وستيفن م. والت هو أستاذ العلاقات الدولية في مدرسة كندي التابعة لهارفارد ومؤلف كتاب «القوة الأميركية المدجّنة: الرد الشامل على المكانة الراجحة للولايات المتحدة».
عنوان هذا الكتاب المشترك للمؤلفين: «اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية «يفصح بوضوح عن موضوعه، وما يؤكده المؤلفان منذ البداية هو أن المفتاح الأساسي للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط منذ عدة عقود هو بالتحديد علاقات الولايات المتحدة مع إسرائيل.
ويتم التأكيد أن هذه العلاقات قد تميزت بالحرص على نجدة إسرائيل في زمن الحرب والانحياز الكامل لها في أية مفاوضات للسلام. هكذا استخدمت واشنطن حق النقض ـ الفيتو ـ ضد 42 قراراً أصدرتها منظمة الأمم المتحدة وانتقدت فيها السياسة الإسرائيلية ما بين عام 1972 وعام 2006.
يضاف إلى هذا واقع أن إسرائيل تتلقّى سنوياً ثلاثة مليارات دولار كمساعدة من الولايات المتحدة الأميركية، أي ما يعادل سدس مجموع المساعدات الخارجية الأميركية. لكن لماذا تقدّم الولايات المتحدة الأميركية مثل هذا الدعم الهائل مادياً ودبلوماسياً وبهذه الاستمرارية لإسرائيل؟
هذا هو السؤال الذي يحاول المؤلفان الإجابة عنه من موقعهما كأستاذين جامعيين لهما مكانتهما الأكاديمية المرموقة ويتمتعان بشهرة كبيرة في الأوساط الفكرية الأميركية. إن المؤلفين يقدمان البراهين الواضحة بالاعتماد على عدد كبير من الوثائق الصادرة عن مؤسسات وهيئات رسمية أميركية على أنه لا يمكن تفسير
مثل ذلك الدعم إلا بوجود مجموعة ضغط «لوبي» ذات نفوذ سياسي ومالي قوي تعمل من أجل توجيه سياسة الولايات المتحدة باتجاه مؤيد لإسرائيل. هذا بعد أن بيّن المؤلفان بالحجج والبراهين أيضاً أنه لا يمكن أن يكون ذلك الدعم على أساس المصالح الاستراتيجية المشتركة أو على أساس الالتزام بواجبات أخلاقية،
ذلك أن للولايات المتحدة مصالح مشتركة أكبر وليست ملزمة بواجبات أخلاقية أقل حيال بلدان أخرى في العالم، لكنها على ذلك لم تقدم لها دعماً مماثلاً للدعم الذي تقدمه للدولة العبرية. وإذا كان المؤلفان يؤكدان أن منظمات وجمعيات «اللوبي» المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة لا تحظى بالإجماع لدى اليهود الأميركيين،
فإنهما يركزان على القول انها تمارس ضغوطاً ذات فعالية كبيرة على مراكز القرار الأميركية وفي مقدمتها الكونغرس والرؤساء الأميركيين والإدارة الأميركية. ولكن أيضاً لها نفوذها على صعيد الجامعات ومراكز الأبحاث ووسائل الإعلام.
تتوزع مواد هذا الكتاب بين قسمين وأحد عشر فصلاً. يحمل القسم الأول عنوان «الولايات المتحدة وإسرائيل واللوبي». ويتم تكريس الفصل الأول من فصوله الستة للحديث عن أشكال الدعم التي تقدمها أميركا لإسرائيل، حيث يؤكد المؤلفان على انحياز الولايات المتحدة لإسرائيل منذ قيامها عام 1948.
هكذا يشار إلى أن ستة من قادة إسرائيل تحدثوا أمام الكونغرس الأميركي منذ عام 1976 حتى اليوم أي ما يزيد مجموعه على بقية بلدان العالم. يقول المؤلفان: «إن هذا المثال قد يبدو غير مهم، لكنه مثال صاعق إذا أخذنا بالاعتبار واقع أن هؤلاء القادة الستة يمثلون بلاداً يقل عدد سكانها عام 2007 عن عدد سكان مدينة نيويورك».
بل وينقل المؤلفان عن إسحاق رابين قوله أن كرم أميركا حيال إسرائيل «لا سابق له في التاريخ المعاصر». بكل الحالات لا يختلف اثنان على أن أميركا أعطت إسرائيل أكثر مما أخذت منها.
ويتساءل المؤلفان في الفصل الثاني: «إسرائيل: ورقة رابحة أم مصدر إعاقة استراتيجي؟». ولا يتردد في التأكيد أن إسرائيل قد جنت فوائد كبيرة من الدعم الأميركي كي تنتهج سياسات توسعية على صعيد المستوطنات.
ويشرحان أنه إذا كانت أميركا قد استفادت من إسرائيل خلال الحرب الباردة فإن هذه الفائدة لا تكفي لتفسير الدعم الأميركي الكبير والمستمر لإسرائيل «لاسيما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ونهاية المنافسة بين القوتين العظميين في الشرق الأوسط. ثم إن الروابط الوثيقة بين إسرائيل وأميركا اليوم تساهم في أمن الأميركيين وازدهارهم.
بل «على العكس، إن هذا الدعم غير المشروط يخرّب علاقات الولايات المتحدة مع حلفائها الآخرين ويلقي بالشكوك على الحس الأخلاقي الأميركي ويساهم في بروز جيل من المتطرفين العادين لأميركا ويعقّد عمل الولايات المتحدة في منطقة شديدة الحساسية وإنما ذات أهمية استراتيجية كبيرة»، كما يقول المؤلفان.
ثم يؤكدان القول انه لا يمكن تقديم السبب الاستراتيجي لتبرير «العلاقات المتميزة» ويضيفان: «إذا أريد البحث عن حجة مقنعة فإنه ينبغي البحث في موضع آخر». «تبرير أخلاقي هش»، هذا هو عنوان الفصل الثالث في الكتاب.
وهنا يؤكد المؤلفان أيضاً أنه لا يمكن للأطروحات «الأخلاقية» التي يقدمها المدافعون عن إسرائيل أن تبرر «العلاقة الاستثنائية» القائمة بين أميركا وإسرائيل، خاصة خلال العقود المنصرمة الأخيرة. ولا يتردد المؤلفان على القول في شروحاتهما ان السلوكية التي تنتهجها الدولة العبرية في الأراضي الفلسطينية المحتلة أضعفت كثيراً من «الحجة الأخلاقية» كمبرر للدعم الأميركي. ومع ذلك لم «تتراخ» العلاقات وإنما «توطدت» أكثر فأكثر.
ويشير المؤلفان إلى حقيقة وجود أعداد مهمة من الأميركيين على قناعة بأحقية الحجج «الأخلاقية» المقدّمة. ومثل هذه الحقيقة تطرح «تناقضاً» مدهشاً بين هذه الرؤية وبين وقائع الحياة. وهذا يؤدي إلى «لغز»، كما يقولان، ذلك أنه: «إمّا هناك عدد قليل نسبياً من المتحمسين يمارسون نفوذاً لا يتناسب مع عددهم على السياسة الخارجية الأميركية
وإمّا أن أولئك المتحمسين قد نجحوا في إقناع جمهور من أشخاص آخرين ـ خاصة المسؤولين السياسيين ـ بصلاحية وأحقيّة البراهين الخاطئة التي يقدمونها لهم»، كما نقرأ. لكن رغم أن «السند الأخلاقي» لتبرير دعم إسرائيل تتزايد هشاشته فإن هذا الدعم يزيد. هناك إذن سبب آخر.
وعلى سؤال: «ما هو اللوبي المؤيد لإسرائيل» موضوع الفصل الرابع في الكتاب، فيؤكد المؤلفان أن «اللوبي» المعني يتحرك بصراحة بل ويفتخر بالنفوذ الذي يتمتع به. أما سلوكياته فهي لا تختلف من حيث آلياتها عن سلوكيات مجموعات الضغط الأميركية الأخرى التي تخدم مصالح محددة.
لكن الفرق هو أن مكونات مجموعة اللوبي الموالية لإسرائيل تتمتع بمواقع استثنائية تسمح لها بالتأثير على السياسة الخارجية الأميركية. وبالتالي ما يجعل هذه المجموعة ليست كغيرها، إنما يتمثل في «فعاليّتها» الكبيرة.
في الفصلين الخامس والسادس يشرح المؤلفان الاستراتيجيات التي يستخدمها «اللوبي» الأميركي المؤيد لإسرائيل من أجل تحقيق أهدافه. الفصلان يحملان العنوانين التاليين: «التأثير على الخيارات السياسية» و«الرقابة على الخطاب العام».
ويؤكد المؤلفان أنه يتم استخدام «مشارب مختلفة» لتحقيق هدف واحد هو التأثير على سياسة أميركا وتوجيه الرأي العام الأميركي للدفع باتجاه دعم إسرائيل وعدم الاعتراض على أن يكون هذا الدعم «غير مشروط».
وتتمثل إحدى أهم الآليات في «معاقبة» رجال السياسة الذين «يخاطرون» بالتشكيك بالسياسة الإسرائيلية أو بالدعم الأميركي للدولة العبرية. وهكذا تجد وسائل الإعلام صعوبة كبيرة في إيجاد أصوات «محترمة» يتجرأ أصحابها على التنديد بآراء «اللوبي» الموالي لإسرائيل. إن مثل هذه الآليات يتم اختصارها بالحديث عن «الرقابة على الخطاب العام».
القسم الثاني من هذا الكتاب يحمل عنوان «اللوبي يمارس عمله»، وحيث يتم التأكيد في الفصل الأول منه، السابع في الكتاب، أن «اللوبي ضد الفلسطينيين»، كما يقول العنوان. هنا يؤكد المؤلفان القول: «من المؤكّد تقريباً أن الإدارة الأميركية، لولا وجود اللوبي،
كانت ستبدي اهتماماً أكبر بمصالحها الخاصة وتصميماً أكبر على تشجيع مسيرة السلام. وفي نهاية المطاف يقدّم التاريخ الأميركي العديد من الأمثلة التي تدل على أن الولايات المتحدة أجبرت دولاً أخرى على التماشي مع المصالح الأميركية».
ولا شك أن الولايات المتحدة تمتلك سلطة ضغط كبيرة على إسرائيل والفلسطينيين. لكن مجموعة الضغط الموالية لإسرائيل تبدي كرهها للفلسطينيين. ثم إن هذه المجموعة تتمنّى من الولايات المتحدة مساعدة إسرائيل كي تبقى قوة إقليمية مسيطرة.
وبنفس الوقت تتم الإشارة إلى أن الحكومة الإسرائيلية قد عملت «يداً بيد» مع مجموعة الضغط الأميركية المؤيّدة لها من أجل توجيه سياسة إدارة جورج دبليو بوش حيال العراق وسوريا وإيران وكذلك حيال مشروع «إعادة تنظيم» الشرق الأوسط.
السياسة الأميركية حيال العراق وإيران وسوريا ولبنان تشكل مواضيع الفصول الأربعة الأخيرة من الكتاب. وتحت عنوان: «العراق وأحلام تحويل الشرق الأوسط» يبيّن المؤلفان مدى «الفشل الذريع» الذي عرفته سياسة بوش في العراق.
كما أن هذه السياسة لم تؤد إلى فائدة إسرائيل من حيث أنها عززت في الواقع وزن إيران في المنطقة. ثم إن الفشل الأميركي دفع إدارة بوش إلى موقع بدا عليها في الشروع بحوار مع إيران وسوريا بل وتقديم الجهود لمحاولة تسوية النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. بل ويعيد المؤلفان أحد أسباب عدم الانسحاب الأميركي في العراق إلى ضغوط قادة إسرائيليين يخشون أن يعرّض الانسحاب أمنهم للخطر.
وضمن نفس النهج من التحليل يصل المؤلفان عبر الحديث عن «الهدف هو سوريا» و«إيران في المرمى» و«اللوبي وحرب لبنان الثانية» إلى القول ان اللوبي المؤيد لإسرائيل في أميركا لعب دوراً مركزياً في توجيه السياسة الأميركية لإدارة بوش الحالية حيال الشرق الأوسط باسم «مكافحة الإرهاب»،
وكما تشهد حرب العراق المأساوية والمواجهة مع سوريا وإيران وحرب لبنان في صيف 2006. وفي المحصلة يتم التأكيد أن تلك السياسة لم تكن في المصلحة القومية الأميركية ولا في مصلحة إسرائيل على المدى الطويل.
*الكتاب: اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة
*الناشر:فارار ستراوس جيرو نيويورك 2007
*الصفحات:496 صفحة من القطع المتوسط
The Israel lobby and the US foreign policy
Farra-traus Giroux - New York 2007
P.496