فرانك دانينوس، مؤلف هذا الكتاب هو صحافي وباحث في المركز الفرنسي المختص بالدراسات حول عالم الاستخبارات. وهو يعمل في إطار المركز كأخصائي استخبارات و«حرب المعلومات في الولايات المتحدة الأميركية.
سبق له كيسنجر وقدّم العديد من الدراسات حول موضوع الاستخبارات بالإضافة إلى كتاب تحت عنوان «الهزيمة المزدوجة للاستخبارات الأميركية». ما هي وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ؟ من الذي يسيطر عليها؟ وما هو دورها في تحديد توجهات السياسة الخارجية الأميركية ؟ مؤلف هذا الكتاب يحاول الإجابة على مثل هذه الأسئلة.هذه السنة 2007 تحتفل الوكالة الاستخباراتية الأميركية بعيد ميلادها الستين فهي تأسست عام 1947 وغدت جهاز الاستخبارات الأكثر شهرة في العالم. وقد قيل عنها الكثير من الأساطير وربما القليل من الحقائق.
ويروي المؤلف أنه عندما قام هنري كيسنجر، وزير خارجية فرنسا الأسبق، الصين عام 1971 في فترة بداية التقارب الأميركي-الصيني سأله شوان لاي، رئيس وزرائها آنذاك، عما إذا كانت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية متورطة بعمليات تخريبية ضد بلاده.
فأجابه كيسنجر أنه - أي شو ان لاي- «يضخّم كثيرا من كفاءات الوكالة الاستخباراتية الأميركية ». فألحّ رئيس الوزراء الصيني، بالقول: «إن ضبّاط هذه الوكالة هم موضوع الحديث في جميع أنحاء العالم. ومهما كانت الأحداث التي تجري فإنه يقال بدور ما لهم فيها». أضاف كيسنجر: «هذا صحيح. وهذا اطراء لهم، لكنهم لا يستحقونه».
ما يؤكده المؤلف هو أن مثل هذه الملاحظة لا تزال تتمتع براهنية كبيرة حتى اللحظة الحاضرة. فالجميع يرون شبح ال«سي. آي. ايه» وراء كل الضربات «وخاصة الأكثر إثارة للشكوك». وتمثل هذه الوكالة أيضا أحد «تعبيرات» نفوذ الولايات المتحدة في مختلف أنحاء العالم.
وتتميز وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بمكانة خاصة في إطار الإدارة الأميركية وتحظى بأكبر قدر من الحماية بين المؤسسات الأميركية . أمّا مديرو هذه الوكالة فإنهم من جهة محاطين بأكبر قدر من السرية ومن جهة أخرى هم شخصيات عامة.
وفي الوقت الذي تبقى فيه هوية مدير الاستخبارات «طي الكتمان» فإن مدير الوكالة الاستخباراتية المركزية الأميركية يغدو «شخصية شهيرة». ويخضع تعيينه لنقاشات على مستوى الإدارة الأميركية والكونغرس قد تستمر أسابيع وربما شهور. بل ويتم نقل هذه النقاشات على شاشات التلفزة. وتجري الصحف ووسائل الإعلام الأخرى مقابلات معه.
ويشير مؤلف هذا الكتاب إلى أن موضوعين أساسيين يترددان باستمرار حيال الوكالة الاستخباراتية الأميركية ، أولهما التأكيد على «عدم كفاءتها»، الأمر الذي تمّت ترجمته بأشكال من «الفشل» وعدم القدرة على ترقب سلسلة طويلة من الأحداث تمتد منذ السنوات الأولى لتأسيسها أي في عام 1949 عندما توصل السوفييت إلى تصنيع القنبلة النووية بعيدا عن أنظار «جواسيسها»
الذين كان عليهم مراقبة «سكنات وحركات» القوة السوفييتية «المنافسة» وصولا إلى عدم قدرتها على الكشف عن تفجيرات 11 سبتمبر 2001 ضد برجي التجارة الدولية في نيويورك ومقر وزارة الدفاع «البنتاغون» في واشنطن، هذا ناهيك عن «فضيحة» الأسلحة العراقية للتدمير الشامل «التي لم يتم العثور عليها» مع أنها كانت إحدى الحجج الرئيسية في شن حرب ربيع 2003 ضد العراق.
وثانيها التأكيد بالمقابل على «سلطاتها الواسعة جدا»، إلى جانب الانحرافات التي قد تتسم بها سلوكياتها إلى درجة إساءاتها لاستخدام سلطاتها. هذا إلى درجة أن البعض يرون بها خطرا حقيقيا على السيادات الوطنية للأمم، وأيضا على حقوق الأشخاص، بل وعلى الديمقراطية في الولايات المتحدة نفسها. ناهيك عن أنها قد تعاملت مع جلاّدين ومع أنظمة دكتاتورية وكان من بين الذين تعاملت معهم نازيين سابقين.
وحاكت العديد من المؤامرات من أجل اغتيال هذا الرئيس أو ذاك، وهذه الشخصية السياسية أو تلك. وتجسست على أميركيين خارقة بذلك «ميثاقها» نفسه والذي يحدد نشاطاتها «حصريا» خارج الأراضي الأميركية.
ويؤكد المؤلف في هذا السياق على أن العديد من الاتهامات التي يتم توجيهها لجهاز الاستخبارات المركزية الأميركية هي «مجرد إشاعات» قامت على خلفية نظرية المؤامرة. مع هذا تؤكد الوقائع أنه ومنذ فترة رئاسة هاري ترومان ارتبطت فضائح كبيرة بالجهاز السري المعني.
ومن المثير للانتباه هو أن الأميركيين، كما أظهرت استطلاعات الرأي، أعلنوا دائما عن تمسّكهم بالوكالة الاستخباراتية حتى عندما كانت هذه الوكالة في أدنى شعبية لها. ويشير المؤلف في هذا الإطار إلى أن البيت الأبيض والكونغرس والرأي العام الأميركي قاموا، لهذا السبب أو ذاك، بانتقاد شديد للوكالة. لكن هذه المؤسسات القيادية كلها أنبرت في لحظة ما للدفاع عن «الوكالة الخاصة جدا».
يتألف هذا الكتاب بصفحاته التي يفوق عددها ال450 صفحة من 22 فصلا ابتداء من «الخطوات الأولى» ووصولا إلى «آخر مدير عام» ومرورا بالحديث عن «البدايات الصعبة» و«الروابط مع البيت الأبيض» و«التجسس على الاتحاد السوفييتي» و«الوساوس الكوبية» و«الاستخبارات في خدمة السياسة» و«سقوط السي. آي. ايه» و«الأسلحة التي لم يتم العثور عليها»...
ويذكر المؤلف أن مهنة «التجسس» قد تكون هي «ثاني أقدم مهنة في التاريخ»- المهنة الأقدم هي «الدعارة» ـ ومع ذلك لم تلج الولايات المتحدة الأميركية عالم الاستخبارات إلا في فترة متأخرة جدا بالقياس إلى انجلترا وفرنسا.
كما يؤكد أن النشاط الاستخباراتي نفسه وارتباطه بمفهوم «التجسس» أثار لمدة طويلة نفور الأميركيين، وليس العاديين منهم فحسب، وإنما أيضا قياداتهم السياسية. لكن مع إنشاء وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في شهر سبتمبر من عام 1947، كان المنعطف كبيرا وسريعا.
ذلك أنه خلال فترة قصيرة جدا أصبح الجهاز الاستخباراتي الأميركي الجديد هو الأكثر شهرة والأكثر «تقدما» في التاريخ الإنساني كله. وأصبحت ميزانيته تصل اليوم إلى 45 مليار دولار، أي ما يفوق بكثير ميزانية العديد من دول العالم.
هذا الكتاب يتركز بشكل خاص، كما يدل عنوانه، على التاريخ السياسي للوكالة الاستخباراتية المركزية الأميركية منذ إنشائها، بل وقبل ذلك إذ أن أحد فصول الكتاب يحمل عنوان: «الجدّ القديم لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ».
ويُقصد به «مكتب تنسيق المعلومات» الذي جرى إنشاؤه عام 1941 في ظل الرئيس روزفلت، وكان أحد الذين ساعدوا على إنشائه «ايان فلمنغ» صاحب روايات الجاسوسية الشهيرة لاحقا التي لم يكن «بطلها» سوى جيمس بوند.
ويتمثل أحد المواضيع الرئيسية التي يتم التعرّض لها في هذا الكتاب بالبحث في العلاقة بين الوكالة المركزية للاستخبارات الأميركية والرؤساء الأميركيين الذين تناوبوا على رئاسة القوة العظمى منذ إنشاء الوكالة حتى الوقت الراهن.
إن هذه الوكالة هي بالتعريف ومنذ البداية «في خدمة البيت الأبيض». ثم إن الروابط الوثيقة بينها وبين مركز القرار الأميركي لم تمر دون إثارة قدر كبير من «الغيرة» لدى مؤسسات أميركية نافذة أخرى وفي مقدمتها وزارة الدفاع «البنتاغون» ووزارة الخارجية الأميركية .
ولم تثر تلك العلاقات «الغيرة» فقط وإنما أثارت الكثير من المخاوف، ذلك أنها تبدو «فوق» جميع الوزارات فهي ليست تابعة لأية وزارة. إنها «منظمة مدنية، مستقلّة لا ترتبط سوى بإرادة البيت الأبيض»، كما يتم تعريفها. ولا شك أنها «تركت أثرا مؤكّدا في التاريخ السياسي والثقافي للولايات المتحدة الأميركية »، كما نقرأ أيضا في خاتمة الكتاب التي تحمل عنوان «ما هي وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية»؟
بكل الحالات يتم الربط بين تأسيس الوكالة الاستخباراتية وبين القناعة الأميركية بأنهم لا يستطيعون البقاء بعيدا عن «الحروب في أوروبا» وفي غيرها من مناطق العالم. كما يتم التأكيد على أن الهجوم المباغت الذي قام به اليابانيون على قاعدة «بيرل هاربر» الأميركية في المحيط الهادئ لم يكن بعيدا أيضا عن إنشاء «وكالة» أميركية لجمع المعلومات عن مختلف ميادين المواجهات المحتملة.
ويرى مؤلف هذا الكتاب أنه يمكن التعرف على طبيعة السي. آي. ايه وعلى دورها السياسي من خلال دراسة علاقتها مع البيت الأبيض أكثر مما هو بفضل أية وثيقة مصنفة تحت عنوان «سري للغاية». وهذا بالتحديد هو «الخط الناظم» الذي يتّبعه في دراسته للتاريخ السياسي لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في هذا الكتاب.
*الكتاب:وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي. آي. ايه)، تاريخ سياسي 1947-2007
*الناشر:تالاندييه ـ باريس 2007
*الصفحات:459 صفحة من القطع المتوسط
CIA, une histoire politique 1947-2007
Tallandier- Paris- 2007
P.459